20/12/2025
قصة محمد خالد
ـ وجودك هنا لم يعد يُحتمل، وأخطائك تتكرر بلا خجل
"كانت تلك صباح الخير المعتادة منه، لاعجب أن زوجته توفيت بعد سنة واحدة، فمن الذي يستطيع الأستيقاظ على قذارة ذاك اللسان كل يوم، كنت أقف أمامة وقفتى المعتادة، أشبك أصابعي ببعضها، وأنظر فى الأرض لأستمع دون أن أجيب، تنهال من فمه الاتهامات وكأنه يحفظها عن ظهر قلب، وددت أن أنطق وأصرخ وأخبره أن أخطاء تلك البيعة ليست مني، بل من منصور الذى يقف بجانبى، ذلك الفتى المدلل لديك لكونه يشغل وظيفتين في نفس الوقت، موظف مبيعات وأذنك بيننا، رغم إنه لم يحقق المبيعات المطلوبة فى أخر ستة أشهر، إلا أنه لم ينال هذا الكم من التعنيف، لأنه يمثل أذنه ولايخفى عنه شيئا، هذا ما أقوله لنفسي دائما، لكنى لا أنكر أن هناك جزء بداخلي يخبرني عن السبب الحقيقي، وهو أنه لايصمت مثلى حينما يتعرض لظلم، يتكلم ويعلو صوته فيخشى الظالم من بطشه، أما أنا…"
ـ أجمع أغراضك وغادر تلك الشركة، لا أريد أن أراك هنا مجددا
رفعت رأسى ونظرت نحوه، ما أن ألتقت أعيننا حتى صرخ مجددا:
ـ الأن
"أصمت دائما، كما صمت وأنا أسمع خبر رفدى لم أستطع أن أفعل شيئا سوى أن أستدرت وغادرت هذا المكتب أجمعت أغراضي، وها أنا أقف أمام باب منزلي أحمل بين يدي صندوق أغراضي ولا أدرى ماذا علي أن أفعل لاحقا، وضعت المفتاح فى ثقب الباب وأدرت، صوت إحتكاك المعدن كان الصوت الوحيد المنخفض فى تلك الليلة، ما أن دلفت للداخل حتى استقبلني والدي، ليس إستقبال ترحاب بل إستقبال سباب، ااه يبدو أن الليلة لم تنتهى بعد، وقف فى منتصف صالة المنزل ينظر لي بغضب، رفع يدية للأعلى وإذا به يمسك بعلبة سجائر، ثم بدأت تنهال من فمه الأسئلة دفعة واحدة، تلك هي عادته التي أقسم أنه لن يستطيع أحد مجابهة سرعتة بالإجابات، خطيت بضع الخطوات قبل أن يخطوها هو، ووقفت أمامه مطأطأ الرأس"
- وجدت تلك العلبة تحت وسادتك، وأنت تعرف جيداً أن تلك العادة من المحرمات هنا
"وددت لو أجيبة وأذكره أننى أعانى من مرض الربو، وأننى إذا دخنت سجارة واحده قد أنتهى قبل أن تنتهى هى، خلفة كان ذاك المعتوه الذى يسمى أخى، يجلس على الكرسي بوضع القرفصاء محتضنا قدمة بين ذراعية، تنفرج شفتاه بضحكة صامته يتابع مايحدث وكأنه فيلمة المفضل، تلك أفعالة المعتادة، يخرب الاشياء ويفشل فى إخفائها من ثم يشير نحوى على أنني الفاعل، كم أود أن أهجم عليه، وأكبلة ثم أرفعه عاليا ليعلق فى ذلك المصباح ثم..."
- يا لك من إبن عاهرة، دائما ماتفعل عكس ما أقول، لقد سئمت من صمتك وأفعالك تلك
"انتفضت من صوته العالِ وتراجعت خطوة للوراء، إرتفعت يدى تلقائيا فى محاولة لحماية وجهى من لكمة متوقعة، لكنه لم يفعل، تباً لقد أفقدتنى شرودى هبائاً، ونفد ذلك المعتوه أيضاً من خيالى"
- أقسم لك، الخطأ القادم…
"سألقى بك خارج هذا المنزل، أحفظها جيداً، حسنا تلك الجملة دائما ماتكون قبل الأخيرة، والأن…"
- أغرب عن وجهى
"اااه لقد إنتهت المسرحية أخيرا، استدرت فى صمت تام واتجهت نحو غرفتي, أغلقت الباب خلفي بهدوء، هدوء مبالغ فيه، كأن الصوت الزائد قد يُضاف إلى قائمة اتهامات الغد، فقد مللت من تلك السباب المتكررة، أتمنى لو يبتكر غيرها، غبي، أحمق، ابن عاهـ... لا لا لا، لا أعلم كيف يستطيع قولها كل مرة بطريقة مختلفة، أشعر وكأن صوته يعلو أكثر فى تلك السبة، مممم ربما يتخذها فرصة ليقول مابداخلة بطريقة غير مباشرة، عنيف جدا ولكنى لا أنكر ذكاءة، الغرفة كانت كما تركتها صباحًا، سرير غير مرتب، مكتب صغير، ونافذة لا تدخل منها إلا ضوضاء الشارع، المكان الوحيد الذي لا يُطلب فيه تفسير، ولا تُرفع فيه أصابع الاتهام، جلست على طرف السرير، أنظر إلى الجدار المقابل، كم مرة تخيلت أن أصرخ؟ أن أشرح؟ أن أضع كل شيء في مكانه الصحيح؟ في رأسي خطابات كاملة، جمل مرتبة، أدلة دامغة، وحتى نبرة صوت مناسبة، أما فى الخارج، لا شيء، مجرد شاب يهز رأسه، ويبتلع الإهانات واحدة تلو الأخرى، كأنها جزء من نظام غذائي مفروض عليه، تسللت ضحكة خافتة من صدري، ضحكة بلا صوت، مفارقة مضحكة حقًا، الجميع يستغل صمتى، وكأنهم تناسوا لماذا لا أتكلم، كأن الكلام رفاهية، وكأن القدرة عليه أمر بديهي لا يحتاج تفسيرًا، في الصالة، ما زلت أسمع صوت أخي، ضحكته العالية هذه المرة، يبدو أنه حصل على ما أراد كعادته، يخرج نظيف اليدين، بينما أُترك أنا محمّلًا بذنب لا أعرف متى ارتكبته، تمدّدت على السرير أنظر أمامى، فوقع نظرى على مكتبى الصغير، تستقر عليه أوراق وكومة من الأقلام، لم أستخدمها اليوم، لكنهم منذ الحادثة يتولون العمل بدلاً من لسانى الذى فقد قدرتة، قفزت من السرير واتجهت نحوهم وجلست، رفعت يدي لألامس أحدهم، تذكرت كل ماحدث، أبى، المدير، أخي، فأمسكت القلم بأصابعى دون إرادة لأكتب: أن الظلم لا يحتاج قوة ليُمارَس، يحتاج فقط شخصًا لا يدافع عن نفسه، والأسوأ، أن المجتمع لا يكتفي باستغلال صمته، بل يعاقبه عليه"