17/08/2026
🎇 معًا إلى الجنة
تقول صاحبة القصة، وهي امرأة في الأربعين من عمرها:
وُلدتُ في أسرةٍ ثريّةٍ إلى حدّ الفاحشة، نعيش في قصرٍ فخمٍ تتلألأ أرضه بالرخام الأبيض، وتزيّن جدرانه لوحات من الخارج. كنتُ أصغر إخوتي الثلاثة، مدلّلةً إلى حدٍّ جعلني أظنّ أن العالم بأسره وُجد لخدمتي. لم أعرف يومًا معنى الحرمان، فما إن أنطق بطلبٍ حتى يُلبّى فورًا. درستُ في مدارس خاصّة لا تُدرّس العلم فحسب، بل تزرع فينا شعور التميّز والتفوّق والترف، فكنتُ أعيش بين الزهر والرفاهية، لا أرى للحياة وجهًا آخر غير ما بين يديّ.
🎇ومع مرور الأيام، بلغتُ العشرين من عمري، في أوج شبابي وزهوّ جمالي. التحقتُ بالجامعة وأنا أحمل معي ثقةً مغرورة بأنّ كلّ الأبواب ستُفتح لي كما اعتدتُ منذ طفولتي.
وفي عامي الأول هناك، التقيتُ بفتاةٍ اسمها مريم، تكبرني بعامين. كانت مختلفة عن جميع الفتيات؛ هادئة الملامح، مطرقة الطرف، لا تختلط كثيرًا، تميل إلى العزلة والسكينة. كانت تراها العيون تمرّ في أروقة الجامعة كنسمةٍ خفيفة لا تُحدث جلبة، ولكنها تترك أثرًا عميقًا فيمن يراها.
لفت نظري أنّها تحمل دائمًا في حقيبتها مصحفًا صغيرًا، تفتحه في أوقات الاستراحة، تقرأ فيه بنهمٍ وخشوعٍ عجيب. كنتُ أراها منهمكة إلى حدّ أنها لا تلتفت إليّ حين أكلّمها. أثار فضولي هذا الأمر، فسألتها ذات يوم وأنا أبتسم بسخريةٍ لطيفة:
– ما الذي يلهيكِ إلى هذا الحد؟ أفي هذا الكتاب ما يشغلكِ عن الدنيا؟
🎇رفعت رأسها إليّ بهدوء، وابتسمت ابتسامةً ملؤها الطمأنينة، ثم قالت:
– انتظري قليلاً، وحين أنتهي من القراءة سأجيبك.
وحين أغلقت مصحفها، نظرت إليّ بعينين تلمعان نورًا وقالت:
– ألا تجرّبين القراءة أنتِ أيضًا؟
قلت:
– أنا أقرأ القرآن، ولكن لا بانتظام، ولا أحفظ منه شيئًا.
قالت برقةٍ وثقة:
– إذًا ابدئي اليوم، احفظي سورةً صغيرة، وغدًا تعالي واقرئيها عليّ.
ضحكتُ وقلت:
– ولماذا؟
🎇قالت بابتسامةٍ ثابتة:
– لأنكِ حين تحفظين وتقرئين، ستعرفين ما الذي يلهيني عن الدنيا.
كانت كلماتها بسيطة، لكنها أصابت شيئًا في داخلي. وفي تلك الليلة، فتحتُ مصحفًا كنتُ أضعه على رفٍّ للزينة، وأخذت أقرأ سورة قصيرة. لم أكن أعلم أن تلك اللحظة ستكون أول خطوةٍ في طريقي إلى التغيير.
وفي اليوم التالي، ذهبتُ إليها فرحةً، وقرأت السورة غيبًا. ابتسمت وقالت:
– أحسنتِ. اليوم سورة أخرى، ولا تنسي أن تستشعري معناها.
ومنذ ذلك اليوم، بدأتُ أحفظ كل ليلة، حتى صار القرآن أنيسي، وصرتُ حين أقرأ لا أشعر بمن حولي، كما كانت هي من قبل.
🎇لكنّ الأمر لم يكن سهلًا في بيتنا.
فقد كانت عائلتي تحبّ اللهو والغناء والاحتفالات الأسبوعية. كل ليلة خميس، تُقام في منزلنا حفلة صاخبة: موسيقى، ورقص، وضحك حتى الفجر.
ولمّا بدأتُ أبتعد عن هذه الأجواء، لاحظت أمّي تغيّري. نادتني ذات مساءٍ وقالت بحدّة:
– ما بكِ يا نسرين؟ لِمَ تجلسين وحدكِ دائمًا؟ ألا يعجبكِ الغناء بعد الآن؟ لا أريدكِ أن تصبحي “معقّدة” مثل أولئك الذين لا يعرفون للحياة طعمًا.
سكتُّ ولم أجب. كان قلبي يهمس: “اللهمّ أعني على الثبات.”
مرّت الأعوام، وتخرّجت، وبدأ الخطّاب يتقدّمون إليّ. كان أكثرهم من أصحاب المال والمناصب، كما أراد والداي، لكن قلبي كان مع رجلٍ آخر، اسمه أحمد، شابٌ متديّن، مستقيم الأخلاق، يعمل بجدّ، لا يملك مالًا كثيرًا، لكنه يملك قلبًا طاهرًا ونفسًا كريمة.
🎇رفضه أهلي بشدّة. قال أبي:
– أتتركين القصور لتعيشي مع رجلٍ يسكن في بيتٍ متواضع؟!
لكنّني تمسّكت به، وبعد جهدٍ طويلٍ وإصرارٍ مرير، رضوا على مضض.
تزوّجنا، وكان زواجنا مليئًا بالسكينة والبركة. رزقني الله بصبيٍّ وفتاةٍ، فكانا قرة عينيّ، كرّست حياتي لتربيتهما على حبّ الله، وتعليم القرآن، كما علمتني مريم.
ومرت السنوات، وما زلتُ على عهدي مع القرآن، أحفظه آيةً بعد آية، دون مللٍ أو فتور.
وفي يومٍ من الأيام، كنتُ في السوق، فإذا بي أرى وجهًا مألوفًا وسط الزحام. التفتُّ فإذا هي مريم!
هرعت إليها واحتضنتها بحرارةٍ والدموع تترقرق في عينيّ. قلت لها:
🎇– كم اشتقتُ إليكِ! أنتِ من غيّر مجرى حياتي، أنتِ من دلّني على الطريق.
ابتسمت مريم وقالت بصوتٍ رقيق:
– وأنا سعيدةٌ أنكِ واصلتِ طريقكِ إلى الله. هاتي يدكِ يا نسرين، إلى الجنة معًا بإذن الله.
ضحكتُ، وقلت:
– معكِ يدي، وسنشدّ بعضنا حتى نصل.
افترقنا وكلٌّ منّا تمضي في طريقها، وقلبي يفيض بالفرح لرؤيتها بعد طول غياب. غير أنّ القدر كان يخفي خلف تلك اللحظة شيئًا لم أتوقّعه أبدًا.
🎇فما هي إلا لحظات، حتى سمعت صوت ارتطامٍ قويّ، صراخ، وزحام. التفتُّ فإذا بالناس يركضون نحو نهاية الشارع.
شعرت بخوفٍ غريب، وانتابني قلقٌ لا مبرر له، كأنّ قلبي يعرف أن مكروهًا أصابها. ركضتُ نحو المكان، وعيناي تفتّشان في الوجوه.
وهناك، وسط الحشد، رأيتهم يحملون فتاةً على نقالةٍ خشبيّة، تغمرها الدماء. اقتربتُ، وتجمّدتُ في مكاني… كانت مريم!
صرختُ باسمها، وركضتُ نحوها، ودموعي تغرق وجهي. أمسكتُ بيدها، كانت باردةً لكنها ابتسمت لي رغم الألم، وقالت بصوتٍ متهدّجٍ يختنق:
– سامحيني يا نسرين.
قلتُ مذهولةً:
– علامَ أسامحكِ يا حبيبتي؟!
🎇قالت وهي تلهث:
– لأنّي أمسكتُ بيدكِ قبل قليلٍ وقلتُ: معًا إلى الجنة، وها أنا أسبقكِ إليها… أشمّ ريحها الآن، ونسيمها يملأ صدري...
ولم تكمل. نظرتْ إلى السماء، وتشهّدت، ثم أغمضت عينيها بسلام.
تجمّدت اللحظة. شعرت أن الزمن توقف، وأنّ روحي خرجت معها. بكيتُ حتى فقدت صوتي، وشعرت بأنّ الأرض تميد بي.
مرّت سنوات، لكنّ صورتها لم تفارق ذاكرتي. كلّما فتحتُ المصحف، رأيتُ ابتسامتها بين الصفحات، وسمعتُ صوتها يقول: “معًا إلى الجنة.”
ومنذ ذلك اليوم، عاهدتُ نفسي وعاهدتها أن أظلّ على الطريق الذي سارت فيه، أن أعمل وأجتهد، وأحفظ وأعلّم، حتى يجمعنا الله في جنّته كما وعدنا بعضنا ذات صباح.
🎇العبرة:
في الحياة أناسٌ نلقاهم مصادفةً، لكنّهم يغيّرون مسار أرواحنا إلى الأبد. قد يسبقوننا إلى الآخرة، لكنّ أثرهم يبقى فينا دليلًا على الطريق. فكن أنت من يفتح باب النور في قلب غيرك، فربّ لحظة صدقٍ كانت طريقًا إلى الجنة.
صلوا وسلموا على خير خلق الله💜