25/01/2026
دارُ الإفتاءِ المصريَّة
بيانٌ وفتوى رقم (٣٥٤) – سجلّ: ٧٨
بتاريخ: ١٧ / ٣ / ١٩٥٧م
الصادر عن فضيلة الأستاذ الشيخ حسن مأمون – مفتي الديار المصريّة.
تمهيد:
حتى يكون الناسُ على بيِّنةٍ من أمورِ دينهم، فقد وُجِّه إلى فضيلة الشيخ حسن مأمون – مفتي الديار المصريّة آنذاك – سؤالان هامّان يتعلّقان بموضوع زيارة الأضرحة والتوسّل بالأولياء، فأجاب فضيلتُه بما يلي:
*السؤال الأوّل:
ما حكمُ الشرع في زيارة الأضرحة – أضرحة الأولياء – والطواف بالمقصورة وتقبيلها والتوسّل بالأولياء؟
* الجواب:
أودّ أن أُذكّر أوّلًا أنّ أصل الدعوة الإسلاميّة يقوم على التوحيد الخالص، وأنّ الإسلام يُحارب جاهدًا كلَّ ما يُقرِّب الإنسانَ من مزالق الشِّرك بالله تعالى.
ولا ريب أنّ التوسّل بالأضرحة والموتى أحدُ هذه المزالق، وهو من رواسب الجاهليّة؛ لأنّ المشركين الأوائل كانوا يقولون في تبرير عبادتهم للأصنام:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
وهي نفسُ الحجّة التي يذكرها اليومَ بعضُ من يدعون إلى التوسّل بالأولياء لقضاء حاجةٍ عند الله أو للتقرّب منه سبحانه.
ومن مظاهر هذه الزيارات ما يتنافى مع العبادات الإسلاميّة الثابتة؛ فـالطوافُ في الإسلام والتقبيلُ لم يُشرعا إلا للكعبة المشرفة والحجر الأسود، وحتى الحجر الأسود لم يُشرع تقبيلُه إلا اتباعًا للرسول ﷺ، لا تعبّدًا له ولا استعانةً به.
فمن قال عند قبرِ أحدِ الأولياء – مثلًا –:
«يا حسينُ، ادعُ اللهَ لي أن يَشفي مريضي»،
فقد أتى شركًا أكبر، لأنّه دعاءٌ لغير الله، والله تعالى يقول:
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ، وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤].
وقال النبيّ ﷺ:
«الدعاءُ هو العبادة» (رواه الترمذي وأبو داود).
فـدعاءُ الأموات وطلبُ الحوائجِ منهم – دنيويّةً كانت أو أُخرويّة – شركٌ أكبر لا يغفره الله تعالى؛ لأنّ هذا الطلبَ لا يقدر عليه إلا اللهُ وحده.
والدعاءُ عبادة، وصرفُ العبادةِ لغير الله شركٌ أكبر.
فدعاءُ الأموات بكلّ صورةٍ من صُوَره عبادةٌ مصروفةٌ لغير الله ابتداءً، وإلّا فما الشِّركُ إن لم يكن هذا شركًا؟!
ولا فرقَ بين دعاءِ الأموات مباشرةً، وبين دعائهم لطلب دعائهم، فكلاهما دعاءٌ للأموات، وكلاهما شركٌ أكبر.
فضيلة الأستاذ الشيخ حسن مأمون