08/06/2019
الخَشَبَة والصّالَة
الخَشَبَة والصّالَة Stage/Auditorium, House Scène/Salle الخشبة هي الحَيِّز الذي يَتحرَّك فيه المُمثِّل أثناء العَرْض المسرحيّ ويَتِمّ فيه تصوير العالَم الخَياليّ الذي يُمثِّله الحَدَث، وتُقابِله الصالة، وهي حَيِّز الفُرْجة أو المكان المُخصَّص للمُتفرِّجين.
وحَيِّز التمثيل لا يَكون بالضَّرورة على شكل خشبة مُشيَّدة مُحدَّدة الأبعاد بشكل ملموس، فهو كُلّ ما يُحيط بجسد المُمثِّل أثناء الأداء، حتّى ولو تداخل هذا الحَيِّز مكانيًّا مع حَيِّز الفُرْجة كما في الشارع والساحة العامّة. كذلك فإنّ حَيِّز الفُرْجة لا يَكون دائمًا على شكل صالة مُقابِلة للخشبة وإنّما تَنوّع شكله عَبر تاريخ العَرْض المسرحيّ.
في اللُّغة العربيّة تُستَعمل كلمات مِثْل الخشبة (من الخشب المُستعمل في بنائها) والمِنصّة والرُّكح بنَفْس المعنى. أمّا كلمة صالة فهي اللفظ العربيّ لكلمة sala الإيطاليّة التي تعني حُجْرة. تُطلَق كلمة صالة أيضًا على المكان المُخصَّص للعَرْض بشكل عامّ فيُقال صالة مسرح وصالة سينما وصالة عَرْض إلخ.
تُعتبر عَرَبة المُمثِّل اليونانيّ الجوّال ثيسبيس Thespis أوّل خشبة مسرحيّة لأنّه كان يُقدِّم عُروضه عليها في المُدن والقُرى. مع تطوُّر العَرْض المسرحيّ في الحَضارة اليونانيّة وانتقاله من المَعبَد إلى مكان مُشيَّد، كانت الخشبة إحدى المُكوِّنات التي تُشكِّل العناصر الأساسيّة للسينوغرافيا في العَرْض وهي الأوركسترا Orkhêstra، مكان حركة ورَقْص الجوقة، والخشبة Skênê، وكانت تعني في البِداية خيمة أو كوخ ثُمّ أخذت فيما بعد معنى الرِّواق المَبنيّ وراء الأوركسترا. ثُمّ اتَّسع معنى الكلمة فيما بعد وصارت تسمية الخشبة تَدلّ على النقطة المَركزيّة من حَيِّز الأداء المُخصَّص للمُمثِّلين. فيما بعد أُضيفت على هذه المُكوِّنات مِساحة ضَيِّقة مُخصَّصة لتمثيل المُمثِّلين تُدعى مُقدِّمة الخشبة Proskênion. أمّا التياترون Théatron = المكان الذي يُمكن النظر منه، فهو المكان المُخصَّص للمُتفرِّجين. وقد أخذت هذه الكلمة فيما بعد معنى أكثر شُمولًا فصارت تَدلّ على المسرح بالمعنى العامّ للكلمة، في حين انزلقت كلمة أوركسترا إلى مَجال الموسيقى حَصْرًا.
هذه التسميات اليونانيّة أفرَزتْ فيما بعد كلمات تُستَعمل في اللغات الأوروبيّة بمَعانٍ مُختلِفة. فكلمة skênê أفرَزتْ في الفرنسيّة كلمة Scène التي تُستَعمل للدَّلالة على حَيِّز التمثيل وعلى وَحدة عُضويّة في التقطيع هي المَشهد، وفي الإيطاليّة أفرَزتْ كلمة سيناريو Scenario التي تَعني مُخطَّط المسرحيّة، وغير ذلك من الكلمات. أمّا في اللغة الإنجليزيّة فتُستَخدم كلمة Stage للخشبة وكلمة Auditorium (مكان السَّمْع) لصالة المسرح.
العَلاقَة بَيْن الصّالَة والخَشَبَة:
لا وجود لحَيِّز اللَّعِب Aire de jeu بدون وجود حَيِّز للفُرْجة. وشكل الأوّل يُحدِّد شكل الثاني لأنّ العَلاقة بين هذين الحَيِّزين هي عَلاقة عُضويّة. مع ذلك يَظلّ التمايُز بين الصالة والخشبة قائمًا مهما كانت طبيعة العَرْض وشكل المكان، لأنّ الخشبة تَتحوّل أثناء العَرْض إلى عالَم خَياليّ وكُلّ ما عليها يَخضع لقوانين المُتخيِّل، في حين تَظلّ صالة المُتفرِّجين جُزءًا من الواقع.
الخَشَبَة:
تَطوّرت الخشبة بتَطوُّر المسرح وعَلاقات الفُرْجة في المُجتمعات، وبتَغيُّر المَنظور الجَماليّ للكِتابة المسرحيّة وتَنوُّع الأعراف المسرحيّة. وبشكل عام يُمكِن أن تَكون الخشبة ثابتة ضِمن العَمارة المسرحيّة أو تَكون مُرتَجلة كما هو الحال في مَسرح الأسواق والمسرح الشعبيّ، حيث يُطلق عليها اسْم مِنْبَر أو مِنصّة Platform, estrade, podium. كما يُمكن أن تَغيب تمامًا كشيء مُشيَّد وتَتشكّل من خِلال أداء المُمثِّل.
يُمكن التمييز تاريخيًّا بين عِدّة نَماذج للخشبة:
- الخشبة المُغلَقة التي تأخذ شكل مُكعَّب مُحدَّد بكواليس من جِهاتها الثلاث، وبِجدار رابع وَهميّ يُشكِّل الحَدّ الفاصل بينها وبين الصالة المُواجهة لها. يُطلَق على هذه الخشبة أيضًا اسْم الخشبة الإيهاميّة Scène d’illusion والشكل المِثاليّ لها هو العُلبة الإيطاليّة التي اعتُمدت منذ القرن السادس عشر وتُشكِّل حتّى يومنا هذا النموذج الأكثر شُيوعًا في المسرح الغربيّ والعالميّ (والمسرح العربيّ ضِمنًا)، رغم التعديلات التي جَرت عليها، ورغم التّقنيّات الحديثة التي ساهمت في تطوير شكلها واستعمالها مِثْل الخشبة المُتحرِّكة والخشبة التي تَدور على مِحوَر والخشبة المُزوَّدة بمَصاعد في المسرح الحديث.
- الخشبة المَفتوحة التي لا تَفترض عَلاقة مُواجهة وإنّما يُحيط الجُمهور بها من جِهاتها الثلاث. من أشكال هذه الخشبة المِنصّات التي كانت تُشيَّد في القرون الوسطى وفي عُروض الأسواق وفي عُروض الكوميديا ديللارته الإيطاليّة، والخشبة المُشيَّدة على عَرَبات مُتحرِّكة في عُروض الأوتوساكرمنتال في إسبانيا وأمريكا اللّاتينيّة، والخشبة الإليزابثيّة Scène Elizabéthaine في إنجلترا. من هذه الأشكال أيضًا المِنبَر Podium في المسرح الملحميّ، وهو مِنصّة تُوظَّف لمُحاكَمة فكرة ما. ومنها أيضًا الخشبات المُتعدِّدة في العَرْض الواحد بحيث يُضطرّ المُتفرِّج للحركة لكي يُتابِع العَرض (انظر مسرح البيئة المحيطة). كذلك فإنّ الخشبة في المسرح الشرقيّ حيث يَغيب الديكور والكواليس بشكل عامّ يُمكن أن تُعتَبر خشبة مَفتوحة.
تَتنوّع أشكال الخشبة المفتوحة حسب طبيعة العَرْض (الحلبة في السيرك) وحسب طبيعة المكان (الفُسْحة في المَلعب وفي الساحات، الباحة في الخانات القديمة). وقد استُثمرت هذه الأشكال مسرحيًّا في العصر الحديث ضِمن التوجُّه للخروج من العَمارة المسرحيّة إلى أمكنة أُخرى ضِمن المدينة، وضِمن الرغبة في تعديل شكل الفُرْجة والتوجُّه إلى جُمهور واسع.
والنموذج الأكثر تَكاملًا للخشبة المفتوحة هو الخشبة الإليزابثيّة حيث يَتداخل مكان التمثيل مع مكان الفُرْجة، ويُستثمَر الفضاء بكافّة أبعاده أُفقيًّا وعَموديًّا. فالخشبة التي تُوجَد على مُستوى الجُمهور تُسمّى الخشبة الدُّنيا Down stage يَعلوها عَموديًّا خشبة عُليا Up stage تَتكوّن من طابقين أحيانًا وتُقدَّم فيها مَشاهد الشُّرُفات والنوافذ والأسوار، هذا إضافة إلى الفَتحات في أسفل الخشبة التي تَخرج منها الأشباح ويُطلَق عليها اسْم الفَخّ traps. كذلك تُقسَم الخشبة أُفُقيًّا إلى عِدّة أجزاء: فالجُزء الذي يَمتدّ باتِّجاه الصالة بحيث يُحيط به الجمهور من جهاته الثلاث يُسمّى مُقدِّمة الخشبة Forestage أو Apron stage، وهو مُخصَّص لمَشاهد الهواء الطَّلْق. أمّا الجُزء الداخليّ المسقوف والأقرب إلى حائط الخشبة فيُطلق عليه اسْم الخشبة الداخليّة Inner stage، يليه تمامًا باتِّجاه الداخل جُزء مُغلَق بسِتارة تُطلَق عليه تَسمية Recess أو Study يُؤدِّي إلى الكواليس والأمكنة المُخصَّصة للعاملين في المسرح أو ما يُسمّى خَلفيّة الخشبة Back stage.
الصّالَة:
يَختلِف وَضْع الصالة باختلاف شكل الخشبة وباختلاف التركيبة الاجتماعيّة للجُمهور في عصر ما. ففي المسرح الكلاسيكيّ الفرنسيّ كانت تُوضَع مَقاعد على الخشبة نَفْسها لنُخبة من المُتفرِّجين، وفي مسرح الشارع يُحيط الجُمهور بمكان الفُرْجة كيفما اتَّفق إلخ.
يُمكن تَحديد شكلين أساسيّين لصالة المُتفرِّجين في المسرح هُما:
- الصالة على شكل حُدوة حصان وتَمتدّ أطرافها بحيث تُحيط بمُقدِّمة الخشبة. هذا الشكل نَجده في المسارح القديمة حيث تُحيط المُدرَّجات نصف الدائريّة بمُقدِّمة الخشبة، وفي المسرح الإليزابثي وفي المسرح الصينيّ وغيره.
- الصالة المُستطيلة المواجِهة للخشبة، وهو الشكل الذي ساد في فرنسا حيث حافظت المسارح حتّى القرن الثامن عشر على شكل صالات لُعبة التنس Jeu de Paume التي كانت العُروض المسرحيّة تُقدَّم فيها. من التعديلات الهامّة التي أُجريت على هذا الشكل في إيطاليا منذ عصر النهضة مُحاولة التوفيق بين شكل العُروض في المسرح القديم حسب مبادئ الرومانيّ ڨيتروڨ Vitruve وبين العَمارة المسرحيّة الجديدة، فجاءت مَقاعد المُتفرِّجين على شكل مُدرَّجات نصف دائريّة تُحيط بالخشبة على شكل حُدوة حصان ضِمن الصالة المُستطيلة. في هذا الشكل المَعماريّ يُحسب المنظور ومَركز الرُّؤية انطلاقًا ممّا يُسمّى عين الأمير L’œil du Prince، وتُخلَق عَلاقة مُجابهة وفَصْل كامل بين الصالة والخشبة، مع خلق عَلاقة تراتُبية لأمكنة جُلوس الجُمهور تَتوزَّع حسب أفضليّة الرُّؤية (المَقصورات Loges والبلاكين Balcons والرِّواق العُلويّ Poulailler والأرضيّة Parterre) وهذا ما نَجِده حتّى يومنا هذا في دُور الأوبرا القديمة وفي مسارح العُلْبة الإيطاليّة.
شَكْل الخَشَبَة والصّالَة ونَوْعِيَّة التَّلَقّي:
تَفترِض الخشبة المُغلَقة في العُلْبة الإيطاليّة عَلاقة مُواجهة Relation frontale والرُّؤية فيها مِحوريّة Vision axiale تَسمح بتحقيق الإيهام. أمّا الخشبة المفتوحة، فتَخلُق عَلاقة تداخُل بين الصالة والخشبة تَكسِر الإيهام. كذلك فإنّ استعمال خَلفيّة الخشبة ككواليس مكشوفة للجُمهور في بعض أشكال المسرح الشرقيّ التقليديّ وفي مسرح الحَلَبة Arena theatre (انظر مَسرح دائريّ) من العناصر التي تَكسِر الإيهام وتُبرِز المسرحة. من جهة أُخرى فإنّ وَضع الجمهور في الصالة وتقاليد الفُرْجة السائدة في كُلّ مجتمع من المجتمعات لها تأثيرها على نوعيّة التلقّي. فالجُمهور الذي كان يَتناول الطعام والشراب أثناء العَرْض في المسرح اليونانيّ القديم وفي المسرح الصينيّ والإليزابثيّ وفي مسرح المَقهى يعيش حالة فُرْجة مُختلِفة عنها بالنسبة للمُتفرِّج الجالس في الظُّلمة والمُقيَّد بأعراف اجتماعيّة ومسرحيّة في مسرح العلبة الإيطاليّة. كذلك فإنّ العَلاقة التراتُبيّة في المسارح المُجهَّزة بمَقصورات وبلاكين، والتي يَكون مِحور الرُّؤية فيها مُنصبًّا على الصالة نَفْسها وليس على الخشبة تُساهم في خَلْق عَلاقة تَلقٍّ خاصّة، إذ يَتحوّل المُتفرِّجون أنفسهم إلى فُرْجة