31/03/2023
الصدقة برهان
كنتُ صَغيرًا عندَما كانت ترسُلني أمِّي بطعامٍ إلى جارتنا العَجوز، وإلى ذلكَ العامِل - الشَّيخ المُسنّ - الذي يَقوم على تنظيفِ مسجدِ حيّنا، كان واجبًا يومياً أقوم به بعدَ عودتي من المَدرسةِ، لم تتأخَّر أمُّي يومًا عن موعدِها، وكنتُ لا أمانِع بالذهابِ، فجارتنا العَجوز طيّبة القلبِ كانت تعطيني قطعة من الحلوى ثم تشكرني وتطلب مني أن أهدي أمُّي السَّلام، وذلكَ العامل كان يُصافِحني كرجلٍ رِشيدٍ ويشدّ على يَدي وهو يقول: جزاكم الله خيرًا، فأفرحُ أيَّما فرحٍ وقد غدَوتُ رجلاً وأنا لم أبلغ الثامِنة مِن عُمري بَعدُ!
ذاتَ ليلةٍ أصابتني وعكة صحيّة، فلزمْتُ السَّرير ولم أذهب إلى المَدرسة، وخضَعتُ للعلاج الذي وصَفه الطبيب لي، بالإضافةِ إلى ما كانت تعدّه أمُّي الرَّؤوم مِن عصائر طبيعيّة ومشروبات دافئة.
جاءت خالتي الحَبيبة للاطمئنانِ عليَّ، وهي جارة لنا، لا يفصلُ بينَ بيتنا وبيتها سِوى شارع ضيّق وبعضِ المَباني، وبينما هي تسامِرني نادت عليَّ أمُّي:- يا يوسُف، أقبِل إليَّ يا بنيّ.
- حسنًا يا أمُّي.
ساعدَتني خالتي الحَبيبة بالنُّهوضِ، ثم مَضيتُ وحدي نحوَ المَطبخ حيث أمُّي.
- يوسُف أيا حبيبي، هل أنت قادرٌ على أداءِ مهمَّتك اليوميَّة؟
- أشعرُ بتعَبٍ يا أمَّاه!
- إن جاهدت نفسَك قليلاً، وسَارعتَ في فعل الخيرات فقد يكون ذلكَ سببًا في شفائكَ العاجل.
وقبلَ أن أجيبَ، أقبلت نحونا خالتي، وسألت أمّي باستنكار: إلى أينَ تريدينَ إرسالَ هذا الصَّغير؟ ألا ترَين حاله!
- هو بخيرٍ بإذن الله، وفي أداءِ مهمَّتهِ هذه كلّ الخيرِ.
- دعيهِ يذهب ليستريحَ في فراشِهِ، سأقومُ بمهمّته نيابَة عنه حَتى يتمِّمَ الله شفاءَه.
- لا بأس، جزاكِ الله خيرًا.
عانقتُ خالتي وقبّلت وجنتها بامتنانٍ ثمَّ مضيتُ إلى سَريري، فتلحَّفتُ بلحافي وغططت في دفءٍ ودَعَة.
صوتُ أمُّي وخالتي مُرتفع، والبيتُ ضيّق، و حوارَهما مَسموع بوضوح، قالت خالتي: أعجبُ منكِ يا أختي!
- وممّ العَجب؟
- أعلمُ جيدًا أنّكم تعيشونَ عيشة الكَفافِ، فمَا الذي يُلزمُك بإرسالِ جزء مِن طعام أهلِ بيتك إلى الآخرين؟ أيتصدّق فقيرٌ على فقيرٍ؟
- سأجيبُكِ، لكن عليكِ أن تسمَعي القصَّة مِن أوَّلِها.
- كُلي آذانٌ صاغية، فتفضّلي..
- حضرتُ ذاتَ صباح حلقة ذِكرٍ، تحدَّثت فيها الدَّاعية الفاضلة عن الصَّدقة وفضلها، فتألمتُ وكتمتُ دمعًا كادَ أن يسقط مني رغمًا عني، ثمّ انفضَّ المجلسُ وعدتُ إلى بَيتي لأستقبلَ زوجي وأولادي.. لكنّني لم أكن كعادتي، فقد اختفت ابتسامتي، وسَكنَ الحُزن عينيّ، فلاحظ زوجي العزيز تغيّر حالي، فانتهزَ فرصة وجودِنا وحدَنا ليسألني: ما بكِ؟ لمَ كلّ هذا الحزن في عينيكِ؟
لم أستطع هذه المرّة الإمساك بدمعتي فقد سبقتني وسَقطت، فزادَت حيرة زوجي، وراحَ يلحّ بالسّؤال: ما بكِ؟ هل هناك ما يسوء؟
- لا، لا تقلق، الأمرُ ليسَ كما ظننتَ، إلا أنّني حزينة كوني لا أستطيع أن أبرهِنَ على إيماني.
- أنا لا أفهمُ شيئًا!
- كنتُ اليوم في حلقةِ الذكر، وتحدَّثت الدَّاعية الفاضلة عن الصَّدقة وفضلها، فقالت: يقولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والصَّدقة بُرهان).فهي دليلٌ على صدق العَبد وإيمانه، فتألمتُ وكادَت عيناي تفيضانِ بدمعِهما حزنًا ألاّ أجدَ ما أنفِق.
- ألم تخبركنّ أن الصّدقة نوعين؟
- كلاّ؛ حثَّتنا فقط على بذلِ المال.
- إذاً لا تحزني، وكفكفي دَمعك، فأنتِ قادرة - بإذن الله - على أن تبرهِني على صِدق إيمانكِ.
- أخبرني - بربّك - كيفَ، كيفَ؟!
- عن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - أنَّ ناسًا من أصحابِ النَّبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنَّبي صلى الله عليه وسلم: يا رسولَ الله، ذهب أهل الدُّثور بالأجورِ! يصلّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون بفضول أموالِهم. قالَ: (أوَ ليسَ قد جعلَ الله لكم ما تصدَّقون؟ إنَّ بكلِّ تسبيحةٍ صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وكلّ تحميدة صدقة، وكلّ تهليلة صدقة، وأمرٌ بالمعروفِ صدقة، ونهيٌ عن منكرٍ صدقة، وفي بضعِ أحدكم صدقة). قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر). رواه مسلم.
فالصَّدقة نوعان: صدقة بالمالِ، وصدقة بغيرِ المال، وهذه أيضا تنقسم إلى قسمين.
- ما هما؟
- الأول: ما فيه تعديَة الإحسانِ إلى الخلق، كتعليم العلم النَّافع، وإزالة الأذى عن الطريق، والسَّعي في جلبِ النَّفع للنّاس، ودفع الأذى عنهم، وغيرها...
والقسم الثاني: ما كان نفعه قاصراً على فاعلِهِ، كأنواعِ الذّكر من تسبيح وتهليل وتحميد، وكذلك المشي إلى المساجدِ صدقة.
- كريمٌ ربِّي كريم، وهو أرحم الرَّاحمين.. ومنذ ذلك الوقت - يا أختي الحبيبة - عقدتُ العزمَ على أن يكونَ لي نصيبٌ مِنَ الصَّدقة بما أستطيع، فأنا أملكُ صحَّة ووقتًا وشبابًا وعلمًا نافعًا، فلمَ لا أتصدَّق بجزءٍ ممَّا أملكُ لأبرهنَ على صِدق إيماني؟!
اغرَورَقت عينا خالتي الحَبيبة بالدّموع، ورفعت رأسَها لتقبّل جبينَ أمُّي - أختها الكبرى - وهي تعِدها بأن تحذو حذوَها، وأن تبلّغ غيرها بما تعَلَّمته منها، ثمَّ استأذنت بالانصرافِ كي لا يتأخر الطعام على جارتنا العَجوز، وعامل المَسجدِ، ذلك الشَّيخ الوَدود.
منقوول من موقع الالوكة