13/12/2021
أما هذا القمقم أو رذاذّة العطر ذات البدن الكروي المُسطح والعُنق الأسطواني المصنوعة من الزجاج الفقاعي بلون ❞ الشهد ❝ والمموهة بمادة المينا، فتُعد من أصغر النماذج الزجاجية المعروفة التي جادت بها أنامل صُناع الزجاج في العصر المملوكي، حيث أن ارتفاعها يبلغ حوالي 6 سم وقُطرها 4.5 سم فقط، وقد زُينت على كلا جانبيها بـ ترس دائري وهو ما يعرف لدى الآثاريين بـ ❞ الرَنك ❝ مشطور أفقيًا إلى شطرين سفلي وعلوي، محاطا بإطار ذهبي يعرف بـ ❞ الجَامة ❝ ويظهر في الشطر العلوي من الرنك على أرضية باللون الأحمر شعار السَبع أو الأسد باللون الأبيض مُقبلاً جهة اليسار، بينما انتصبت قائمته الأمامية اليُمنى وتقوس ذنبه فوق جَسده. وفي الشطر السفلي مِن الرنك تظهر عدد مِن الخطوط المائلة جهة اليمين يتناوب عليها اللونين الأزرق والأصفر. أما في الجهة المقابلة مِن بَدن القطعة ❞ كما يظهر في الصورة المُرفقة في أول تعليق ❝ فقد جاء شعار الأسد باللون البني المُحَمَّر على أرضية باللون الأبيض، أسفله مجموعة من الخطوط باللونين الأحمر والأصفر.
تُشير مؤرخة الفنون ❞ اّسين أتيل ❝ إلى أن تاريخ صناعة القطعة يَرجع إلى عهد أحد أمراء دولة السلطان المملوكي الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري الذي تولى مقاليد السَلطنة المملوكية في الفترة ما بين عامي 658 : 676هـ / 1260 : 1277م وذلك استنادا إلى شعار الأسد الذي يَشغل الشطر العلوي من الرنك، وهو شعار سُلطاني اتخذه الظاهر بيبرس رمزا له، وظهر على جميع عملاته والكثير مِن عمائره، بينما يظهر شعار صاحب القطعة ❞ الأمير المجهول ❝ متمثلاً في مجموعة الخطوط المائلة في الشطر السفلي من الرنك. ثم تسدرك قائلةً أنه مِن المحتمل أن تكون القطعة قد صنعت برسم حاكم مدينة حماة الأيوبي بين عامي 642 : 683هـ / 1244 : 1284م المنصور محمد بن محمود الثاني، والذي عاصر فترة حكم الظاهر بيبرس وكان يدين له بالولاء، وذلك من واقع مقارنة شعار الخطوط المائلة بعدد مِن القطع الفنية المتنوعة التي تم اكتشافها في مدينة حماة وكانت تحمل ذات الشعار، وكذلك مِن خلال أسلوب الصنع وطريقة طلاء مادة المينا على القطعة.
الرنك على صورته هذه ووفق تصور أتيل يُعد مِن ❞ الرنوك المُركبة ❝ والتي كانت تحتوي على شعارين فأكثر، تجمع – غالبًا – بين شعار السُلطان الشَخصي وبين الشعار الدال على وظيفة الأمير، أو عدد مِن الوظائف التي شغلها ❞ السابقة والحاضرة ❝ في حال كان الرنك يحتوي على أكثر مِن شعار خلاف الشعار السُلطاني. وهو تصور سليم نسبيًا من ناحية كونه رنكًا أميريًا مُركبًا، نظرًا إلى أنه في حال كان رنكًا سلطانيًا لشغل شعار الأسد دون سواه كامل الوحدة الدائرية. إلا أننا لا يمكننا أن نسلم بصحة تاريخ صناعة القطعة وفقا لذاك التصور في المُطلق. ذلك أن رنك الأسد كان أول ظهوره قبل عهد الظاهر بيبرس بسنوات، كما ظهر كذلك على نقود وَلده وخليفته على سدة العرش المملوكي الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة خان، وكذلك على بعض من نقود وعمائر سلاطين الأسرة القلاوونية وعدد اّخر من سلاطين الدولة المملوكية اللاحقين بذات الأسلوب الفني. مما دفع عدد من الباحثين إلى الترجيح بأن شعار الأسد لم يكن بمثابة رمز شخصي للسلطان الظاهر بيبرس حِكرًا، بقدر ما كان رمزا أو علامة من علامات القوة والفروسية لمَن رام اتخاذه شعارًا له من سلاطين الدولة المملوكية. ومِن الملاحظ أيضا أنه مِن غير المعروف إلام ترمز الخطوط المائلة في الشطر السُفلي مِن الرنك في عالم الرنوك المملوكية! ومَرد ذلك أن رنوك أمراء المماليك – تحديدًا – كان الغرض منها الإشارة إلى الوظائف التي كانوا يَشغلونها في البلاط المملوكي كما أسلفنا، مثلاً ❞ الكأس، شعار الساقي / المَقلمة والدَواة والقلم شعار الدَّوادار، أي كاتب السُلطان / السَيف شعار السِلحدار، أي حامل الأسلحة . . وهكذا ❝ ولم تكن الرنوك توضع بطريقة ارتجالية، بل كانت تسير وفق أسلوب مُقنن يخضع لقوانين مَدروسة اختص بها – على الأرجح – ديوان الإنشاء المملوكي، وهي عملية تنظيمة في المقام الأول، ترمي إلى عدم اختلاط رنوك الأمراء الدالة على وظائفهم بعضها ببعض.
➖ مِن مقنيات متحف كورنينج للزجاج، نيويورك | الولايات المتحدة الأمريكية
Tarek Al-Masri