05/10/2026
«تقيُّدُك لقوانينِ العقلِ هو حُرِّيَّتُك الحقيقيَّة»
من العبارات التي تختصر جانبًا أساسيًّا من مشروع إيمانويل كانط الفلسفي قوله: «تقيُّدُك لقوانين العقل هو حُرِّيَّتُك الحقيقيَّة». ومع أن هذه الصياغة العربية ليست اقتباسًا حرفيًّا من نص واحد لكانط، فإنها تعبّر بدقة عن فكرة مركزية في فلسفته الأخلاقية: الحرية لا تعني أن يفعل الإنسان كل ما يشتهي، وإنما أن يكون قادرًا على أن يحكم نفسه وفق مبدأ عقلي أخلاقي.
يبدو هذا التصور، للوهلة الأولى، مفارقًا لما نفهمه عادةً من الحرية. فنحن نميل إلى الاعتقاد بأن الإنسان يكون حرًّا كلما قلّت القيود المفروضة عليه، وأن الحرية تزداد بقدر ما يستطيع المرء أن يفعل ما يريد. لكن كانط يقلب هذه الصورة رأسًا على عقب؛ فالإنسان الذي يخضع لكل رغبة عابرة، ولكل ميل أو منفعة أو ش**ة، قد يبدو متحررًا من القيود، لكنه عند كانط واقعٌ في نوع آخر من العبودية: عبودية الميول.
فالإنسان قد يريد شيئًا، ثم يريد نقيضه، وقد تدفعه ش**ة إلى فعل ما يعلم أنه لا ينبغي أن يفعله، وقد تدفعه المصلحة إلى خيانة مبدأ يؤمن به. فإذا كان الإنسان يتبع في كل مرة أقوى رغباته، فمن الذي يحكمه في الحقيقة؟ إنه لا يحكم نفسه، وإنما تحكمه دوافع تتغير بتغير الظروف.
ومن هنا يميز كانط بين الإرادة التي تتبع الميول والإرادة التي تسترشد بالعقل. فالإرادة الحرة ليست إرادةً بلا قانون، وإنما إرادة تضع لنفسها القانون الأخلاقي وتلتزم به. وهذه الفكرة هي ما يسميه كانط الاستقلال الذاتي أو الحكم الذاتي للإرادة (Autonomie).
فالحرية، في معناها الأخلاقي، لا تكون في غياب كل قيد، وإنما في أن يكون الإنسان قادرًا على أن يقول لرغبته: لا، حين تكون مخالفة لما يراه العقل واجبًا. قد أكون غاضبًا، لكنني أستطيع ألّا أظلم. وقد أكون راغبًا في منفعة شخصية، لكنني أستطيع ألّا أخون مبدأً أخلاقيًّا من أجلها. وفي اللحظة التي يستطيع فيها الإنسان أن يفعل ما يراه صوابًا، رغم ضغط رغباته ومصالحه، تتجلى الحرية بمعناها الأعمق.
ولهذا يحتل الواجب مكانة مركزية في الأخلاق الكانطية. فالفعل الأخلاقي ليس مجرد فعل نافع أو فعل يحقق نتيجة حسنة، وإنما هو الفعل الذي يصدر عن احترام القانون الأخلاقي. والإنسان لا يكون أخلاقيًّا لمجرد أنه فعل الخير مصادفةً، وإنما حين يكون قادرًا على جعل المبدأ الذي يحكم فعله صالحًا لأن يكون قاعدة عامة للجميع.
ومن هنا يصل كانط إلى فكرته الشهيرة عن الأمر الأخلاقي المطلق: أن نتصرف وفق قاعدة يمكن لنا أن نريد لها أن تصبح قانونًا عامًّا. فالإنسان حين يكذب، مثلًا، لا يسأل فقط: هل سأستفيد من هذه الكذبة؟ وإنما ينبغي أن يسأل: ماذا يحدث لو أصبح الكذب قاعدة عامة؟ هل يمكن أن تقوم الثقة بين البشر في عالم يصبح فيه الكذب قانونًا عامًا؟
وهنا تتحول الأخلاق من حساب للمصلحة إلى امتحان للعقل. لا يعود السؤال: ماذا أريد؟ بل: ماذا ينبغي أن أفعل؟ وهذا الانتقال من «الإرادة» إلى «الواجب» هو أحد أهم التحولات التي أحدثها كانط في الفلسفة الأخلاقية الحديثة.
والأمر يتجاوز علاقة الإنسان بنفسه إلى علاقته بالآخرين. فإذا كان الإنسان غايةً في ذاته، فلا يجوز أن نعامل الأشخاص مجرد وسائل لتحقيق أغراضنا. ولذلك يقرر كانط في صياغة أخرى للأمر الأخلاقي أن علينا أن نعامل الإنسانية، في شخصنا وفي شخص كل إنسان آخر، بوصفها غايةً في ذاتها، لا مجرد وسيلة.
وهنا تتصل الحرية بالكرامة الإنسانية اتصالًا وثيقًا. فالإنسان الحر عند كانط ليس ذلك الذي يستطيع استخدام الآخرين لتحقيق رغباته، وإنما ذلك الذي يعترف بأن للآخرين، مثله، قيمةً لا يجوز اختزالها في المنفعة. ولذلك فإن احترام العقل الإنساني هو في الوقت نفسه احترام للإنسان.
وقد تبدو هذه الفلسفة شديدة الصرامة؛ فهي تطلب من الإنسان أن يقاوم ميوله، وأن يضع رغباته تحت سلطان مبدأ أخلاقي عام. لكن هذه الصرامة هي عين ما يمنحها قوتها. فالإنسان الذي لا يستطيع مقاومة رغبةٍ ما ليس حرًّا بالضرورة، حتى لو لم يمنعه أحد من إشباعها. أما الإنسان الذي يستطيع أن يقول: «أستطيع أن أفعل هذا، لكنني لن أفعله لأنه يناقض ما أراه واجبًا»، فقد بلغ صورة أعمق من الحرية.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لا يرى كانط تعارضًا بين القانون والحرية. فالقانون الذي يُفرض على الإنسان من الخارج قد يكون قيدًا، أما القانون الأخلاقي الذي يكتشفه العقل ويلتزم به الإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا، فهو تعبير عن استقلال الإرادة. فالإنسان لا يكون حرًّا حين يعيش بلا قانون، وإنما حين لا يكون خاضعًا إلا لقانون يستطيع عقله أن يعترف به.
ولعل هذه الفكرة تزداد أهمية في عصرنا؛ إذ أصبحت الحرية تُختزل أحيانًا في القدرة على الاختيار والاستهلاك والتعبير وإشباع الرغبات. لكن القدرة على الاختيار لا تكفي وحدها لصناعة إنسان حر. فقد تكون الخيارات كثيرة، بينما تظل الإرادة أسيرةً للإغراء أو ضغط الجماعة أو الخوارزميات أو الرغبة في القبول الاجتماعي.
وهنا يبدو السؤال الكانطي حاضرًا بقوة: هل نحن نختار حقًّا، أم أن الأشياء تختار لنا؟
إن الحرية، وفق هذا المنظور، ليست أن تفعل كل ما يخطر لك، وإنما أن تمتلك من الاستقلال العقلي ما يجعلك قادرًا على التمييز بين ما تريده وما ينبغي لك أن تريده، وبين ما تستطيع فعله وما يليق بك أن تفعله.
وهكذا تصبح عبارة كانط درسًا في معنى الحرية قبل أن تكون تعريفًا لها: قد تكون لك رغبات كثيرة، لكن حريتك الحقيقية تبدأ حين لا تصبح عبدًا لأيٍّ منها. فالعقل لا يسلب الإنسان حريته حين يضع لها قانونًا، وإنما يمنحه القدرة على أن يكون سيد أفعاله، وأن يعيش بوصفه كائنًا مسؤولًا عن اختياراته.
وفي عالم تزداد فيه الوسائل التي تستطيع التأثير في رغبات الإنسان وتوجيه اختياراته، تبدو الفلسفة الكانطية أكثر راهنيةً: أن تكون حرًّا يعني، قبل كل شيء، أن تظل قادرًا على أن تحكم نفسك بنفسك.