03/08/2026
رجل جبااار والله...حكاية القبض على قاضي محكمة مزيف
داخل قاعة يفترض أن تُرفع فيها راية العدالة، وقف رجل بثبات وثقة. على كتفيه وشاح الهيئات القضائية، وأمامه منصة القضاء، بينما تلتقط الكاميرات الصور وتسجل مقاطع الفيديو. كل من شاهده ظن أنه أحد رجال القضاء... لكن الحقيقة كانت أخطر بكثير.
لم يكن الرجل قاضيًا، ولم يكن له أي صلة بالمنصة التي وقف عليها. كان مجرد عاطل قرر أن يصنع لنفسه شخصية جديدة، وأن يرتدي ثوب العدالة ليكسب ثقة الناس ويحولها إلى وسيلة للنصب.
الغريب أن القضية لم تبدأ ببلاغ من ضحية، بل بدأت من مقاطع فيديو وصور اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي. ظهر فيها الرجل وكأنه يمارس عمله داخل إحدى قاعات محكمة شمال القاهرة، في مشهد بدا حقيقيًا إلى حد يصعب معه التشكيك.
لكن ما بدا طبيعيًا على الشاشة، أثار شكوك جهات الأمن.
التحريات كشفت أن دخول المتهم إلى المحكمة لم يكن مصادفة، بل كان جزءًا من اتفاق محكم مع ثلاثة موظفين بالمحكمة. انتظروا انتهاء ساعات العمل، ثم أدخلوه إلى إحدى القاعات، وأتاحوا له ارتداء الوشاح الخاص بالقضاة، والتقاط الصور وتسجيل الفيديوهات التي احتاجها لبناء صورته المزيفة.
ولم يكن ذلك مجانًا.
فبحسب التحريات، حصل الموظفون الثلاثة على 3 ملايين جنيه مقابل تسهيل المهمة، ومنح المتهم المشهد الذي احتاجه ليقنع ضحاياه بأنه صاحب نفوذ وسلطة، قادر على إنهاء القضايا والإجراءات القانونية مقابل مبالغ مالية.
وبمجرد انتهاء التصوير، بدأت المقاطع تنتشر على حساباته بمواقع التواصل، ليقدم نفسه باعتباره قاضيًا حقيقيًا، ويستدرج المزيد من الضحايا الذين انخدعوا بالمشهد الكامل؛ المحكمة، والوشاح، والثقة التي ظهر بها.
لكن المفارقة أن الصور التي صنعت له هيبته المزيفة، كانت هي نفسها الدليل الذي أسقطه.
فمع انتشار الفيديوهات، بدأت الأجهزة الأمنية في فحصها، لتكشف سريعًا أن الرجل لا ينتمي إلى أي جهة قضائية، وأن ظهوره داخل المحكمة تم بترتيب مسبق وبمساعدة موظفين استغلوا مواقعهم الوظيفية بالمخالفة للقانون.
وبعد استكمال التحريات وتقنين الإجراءات، أُلقي القبض على المتهم، كما اتُخذت الإجراءات القانونية بحق الموظفين الثلاثة، وأُحيل الجميع إلى جهات التحقيق المختصة، التي تواصل فحص القضية لكشف ما إذا كانت هناك وقائع نصب أخرى ارتُكبت بالطريقة نفسها.
إنها واقعة تؤكد أن أخطر عمليات الخداع قد تبدأ بصورة تبدو عادية، وأن هيبة المؤسسات لا يصنعها وشاح أو منصة، بل يصنعها القانون. وفي النهاية، كانت الكاميرا التي ظن المتهم أنها ستمنحه النفوذ، هي نفسها التي قادته إلى السقوط أمام العدالة.