19/09/2026
ماذا لو… كانت في كل مدرسة «مدرسة مسائية» لأطفال فرط الحركة وتشتت الانتباه وصعوبات التعلم والتوحد؟
بقلم: دكتورة مرفت يوسف القاضي
ماذا لو لم ننتظر أن يفشل الطفل في المدرسة ثم نقول: «هو مش مركز» أو «عنيد» أو «مش بيذاكر»؟
ماذا لو كانت المدرسة نفسها جزءًا من الحل؟
أتخيل نموذجًا بسيطًا يمكن أن يبدأ من كل حي:
مدرسة مسائية متخصصة داخل إحدى المدارس الموجودة بالفعل في المنطقة، تعمل بعد انتهاء اليوم الدراسي، وتستقبل الأطفال الذين يحتاجون إلى دعم إضافي في فرط الحركة وتشتت الانتباه، وصعوبات التعلم، وبعض حالات اضطراب طيف التوحد، وفق تقييم متخصص.
الفكرة ليست إنشاء مدرسة جديدة بتكلفة ضخمة، وإنما استثمار البنية الموجودة بالفعل، وإضافة برنامج متخصص إليها.
كيف يكون النظام؟
يمكن أن يكون الفصل الواحد صغير العدد، على سبيل المثال:
8 أطفال فقط + 2 أخصائيين.
وهنا يصبح لدينا عدد يسمح بالمتابعة الفردية وملاحظة الفروق بين الأطفال.
ولا يكون الهدف وضع الأطفال جميعًا في فصل واحد لمجرد أن لديهم نفس التشخيص.
بل يتم تقسيمهم وفق:
- مستوى الأداء الأكاديمي.
- مستوى الانتباه والتنظيم الذاتي.
- المهارات اللغوية والتواصلية.
- القدرات المعرفية.
- المهارات الاجتماعية.
- درجة احتياج الطفل للدعم.
- نتائج التقييم النفسي والتربوي.
ثم يتم إعداد برنامج لكل مجموعة، وليس منهجًا واحدًا للجميع.
ماذا يدرس الطفل؟
لا نحتاج إلى تكرار اليوم الدراسي كما هو.
بل يحتاج الطفل إلى برنامج علاجي–تعليمي مكمل، قد يشمل:
صعوبات القراءة والكتابة والحساب،
تنمية الانتباه والذاكرة والإدراك،
التدريب على التنظيم وإدارة الوقت،
المهارات الاجتماعية،
تعديل السلوك،
التواصل واللغة عند الحاجة،
والتدريب على المهارات التنفيذية والاستقلالية.
والأهم أن يعمل الأخصائي مع المدرسة الأساسية والأسرة، حتى لا يصبح الطفل أمام ثلاثة عوالم منفصلة: البيت، والمدرسة، والجلسات.
وماذا عن عدد الأطفال؟
هنا نحتاج إلى التفكير بطريقة مختلفة.
بدلًا من أن نقول: «كل مدرسة تأخذ عددًا عشوائيًا»، يمكن أن يتم عمل خريطة احتياجات لكل حي.
على سبيل المثال، لو كان لدينا مدرسة تضم 800 طالب، واستخدمنا رقمًا افتراضيًا للتخطيط فقط، وليس إحصاءً رسميًا:
- إذا افترضنا وجود 8% يحتاجون إلى تقييم متخصص بسبب أعراض ADHD أو صعوبات مرتبطة بالانتباه، فهذا يعادل تقريبًا 64 طفلًا يحتاجون إلى فحص وتحديد احتياج، وليس بالضرورة تشخيص ADHD.
- وإذا افترضنا 1% من الطلاب ضمن احتياجات مرتبطة بطيف التوحد، فهذا يعادل نحو 8 أطفال.
لكن هذه الأرقام افتراضية للتخطيط وليست أرقامًا مصرية رسمية؛ فمعدلات الانتشار تختلف باختلاف العمر وأدوات التشخيص وطريقة جمع البيانات. وقد وجدت مراجعات علمية تقديرات مختلفة جدًا للـADHD في مصر، كما أن بيانات التوحد في مصر ما زالت محدودة مقارنة بحجم الحاجة إلى بيانات محلية حديثة.
إذن ماذا نفعل؟
نبدأ بمسح حقيقي.
كل مدرسة تسجل – بسرية واحترام لخصوصية الطفل – عدد الحالات التي تحتاج إلى:
تقييم → تشخيص متخصص → برنامج → متابعة.
ثم تُجمع البيانات على مستوى الحي.
فإذا كان الحي يضم مثلًا 10 مدارس، وكل مدرسة بها 800 طالب، أصبح لدينا مجتمع طلابي يبلغ 8,000 طالب.
وبدل التخمين، نبدأ في معرفة:
كم طفلًا يحتاج إلى دعم في الانتباه؟
كم طفلًا لديه صعوبات تعلم؟
كم طفلًا يحتاج إلى دعم في اللغة؟
كم طفلًا لديه احتياجات مرتبطة بطيف التوحد؟
وكم منهم يحتاج إلى برنامج مسائي داخل المدرسة؟
لماذا «8 أطفال + 2 أخصائيين»؟
لأننا إذا أردنا برنامجًا متخصصًا، فلا يمكن أن نتعامل مع الطفل كما نتعامل مع فصل دراسي تقليدي مزدحم.
وجود طفلين متخصصين داخل مجموعة صغيرة يسمح بملاحظة الطفل بصورة أفضل، وتعديل النشاط وفق احتياجه، وتسجيل تقدمه بصورة مستمرة.
وقد تحتاج بعض الحالات إلى عدد أقل أو إلى دعم فردي، حسب التقييم.
والأهم: لا نريد «وصم» الطفل
هذه نقطة أساسية جدًا.
البرنامج المسائي لا يجب أن يكون مكانًا يُشعر الطفل بأنه «مختلف» أو «أقل من زملائه».
بل يجب أن يكون:
مكانًا للدعم، والتدريب، والتأهيل، واستعادة الثقة بالنفس.
فالطفل الذي يحتاج إلى دعم إضافي ليس طفلًا أقل قيمة.
هو فقط يحتاج إلى طريقة مختلفة في التعليم والتعامل.
ماذا يمكن أن يحدث لو طبقنا الفكرة على مستوى الأحياء؟
يمكن أن تتحول كل منطقة إلى منظومة متكاملة:
مدرسة أساسية
↓
تقييم مبكر
↓
تحديد الاحتياج
↓
مدرسة مسائية متخصصة
↓
برنامج فردي أو جماعي
↓
متابعة الأسرة
↓
متابعة المدرسة
↓
قياس النتائج وتعديل البرنامج.
وهكذا ننتقل من فكرة:
«الطفل لا يستطيع أن يتعلم»
إلى:
«ما الطريقة التي تساعد هذا الطفل على التعلم؟»
وهذا في رأيي هو السؤال الحقيقي.
إن وجود خدمات الدعم داخل البيئة التعليمية نفسها قد يقلل العبء على الأسرة، ويساعد على التدخل المبكر، ويجعل الخدمة أقرب إلى الطفل بدل أن تضطر الأسرة إلى البحث كل يوم عن أكثر من مكان وأكثر من متخصص.
والأهم أن التخطيط يجب أن يكون بالبيانات وليس بالانطباعات.
فلكل حي احتياجاته، ولكل مدرسة عدد مختلف من الأطفال، ولكل طفل ملف وقدرات واحتياجات مختلفة.
رؤيتي
أنا لا أحلم بفصل إضافي داخل المدرسة فقط.
أنا أحلم بـ منظومة تعليمية ترى الطفل قبل أن ترى المشكلة.
منظومة تقول:
شخّص أولًا… افهم احتياجه… ضع البرنامج… تابع تقدمه… ثم احكم على النتيجة.
وربما يكون السؤال الذي يجب أن نبدأ به اليوم ليس:
«لماذا هذا الطفل مختلف؟»
ولكن:
«ماذا نستطيع أن نفعل داخل مدرسته حتى يحصل على فرصته الحقيقية في التعلم والنجاح؟»
د. مرفت يوسف القاضي
متخصصة في الإرشاد النفسي – جامعة القاهرة
دكتوراه إرشاد نفسي وأسري
ماجستير تعديل سلوك
متخصصة في الإرشاد النفسي والأسري والسلوكي وصعوبات التعلم