10/08/2026
في إحدى المحاكم وقف معلم رياضيات بسيط أمام القاضي وقد أثقلت الديون كاهله بعد سنوات من انقطاع راتبه بينما كان أحد التجار يطالبه بسداد مبلغ قدره 278 ألف ريال.
رفع القاضي رأسه وتأمل وجه الرجل طويلًا...
كان الوجه شاحبًا والثياب بالية والظهر قد أنهكه التعب لكن الملامح لم تكن غريبة عليه.
أيمكن أن يكون هذا هو المعلم الذي وقف يومًا أمام السبورة بكل وقار يزرع العلم في نفوس طلابه ويغرس فيهم الثقة والطموح؟
نظر إليه بحزن ثم استمع إلى أقواله وأدرك أن الرجل لم يماطل وإنما عجز عن السداد بعدما ضاقت به الحياة.
في هدوء استدعى أحد الحراس وهمس إليه بكلمات لم يسمعها أحد ثم واصل نظر القضية وكأن شيئًا لم يكن.
وبعد دقائق أعلن القاضي:
لقد سُدد الدين كاملًا في خزانة المحكمة.
ذهل المعلم!
من الذي دفع المبلغ؟ لم يكن يعلم.
انتهت الجلسة وخرج وهو غارق في التساؤلات فإذا بالقاضي يستوقفه بسيارته قائلاً:
تفضل يا أستاذ أوصلك في طريقي.
ركب المعلم وخيم الصمت طوال الطريق حتى توقفوا عند مطعم قريب.
جلس القاضي يمازحه ويحادثه بلطف بينما ظل المعلم حائرًا لا يفهم سر هذا الاهتمام.
وأخيرًا لم يستطع كتمان فضوله فقال:
أقسم عليك بالله... أخبرني لماذا كل هذا الكرم؟ ومن الذي سدد ديني؟
تنهد القاضي وخلع نظارته ثم نظر إلى معلمه بعينين امتلأتا بالدموع وقال بصوت متأثر:
يا أستاذي... ألا تذكر طفلًا صغيرًا في الصف الأول الإعدادي كان يرتجف من البرد لأنه لا يملك معطفًا؟
ظل المعلم يحاول استرجاع الذكريات...
ثم أكمل القاضي:
لقد خلعت معطفك يومها وألبستنيه أمام زملائي وقلت لي: "أنت مشروع قاضٍ عظيم فلا تدع البرد يسرق حلمك."
ساد الصمت...
وأخذ المعلم يحدق في وجه القاضي ثم قال بصوت مرتجف:
أحمد... أأنت أحمد؟
لم يستطع القاضي أن يحبس دموعه.
وقف أمام الجميع واقترب من معلمه ثم انحنى بكل احترام وأمسك بيده التي أنهكتها السنوات وقبّلها طويلًا والدموع تنساب على خديه.
ساد الصمت في المكان...
وتوقف الجميع عن الطعام وهم يشاهدون قاضيًا كبيرًا يقبّل يد معلمه وفاءً لجميل لم ينسه رغم مرور السنين.
*الحكمة*
قد يظن المعلم أن جهده يضيع وأن كلماته تُنسى لكن الكلمة الطيبة والموقف الصادق والرحمة التي يغرسها في قلوب طلابه قد تغيّر حياة إنسان وتعود إليه يومًا بصورة لم يكن يتخيلها.
قال رسول الله ﷺ:
"ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه." رواه أحمد، وحسنه عدد من أهل العلم.