12/08/2026
1/3 مقتطفات من ورشة «مقاربة نقدية للتراث» مع د. مي الإبراشي
بين ركام الإزالات وقسوة المحو التي تطال أحياء القاهرة التاريخية، استهلت الورشة في مطلع يونيو الماضي زيارة منطقة الإمام الشافعي في يومها الصفر؛ لتقدم مدخلاً لما تلاها من جلسات.
ما بين المسجد والقبة، في تلك المساحة التي تفيض بالمصلين وقتما امتلأ المسجد، تربعنا على الأرض في دائرة؛ لنبدأ حديثاً يبحث عن تجليات القيمة كدلالة (Significance) تاريخية، ومادية، ودينية، ومعمارية، وتراثية.
تحركنا بعدها وعدنا عدة مرات عبر ثلاثة سياقات مكانية: قبة الإمام الشافعي، التي شهدت أعمال ترميم استمرت لنحو سبع سنوات (2016-2023)، ومنها نفذنا إلى مركز الزوار، ثم إلى البيت الملاصق له؛ بيت عائلة أبو النجا (أو متحف عائلات الإمام الشافعي). في مسار حركتنا، كانت القرافة دائماً لحوحة في أسئلتها، تدفعنا لمحاولة فهم علاقة الناس اليومية بالأثر والمكان.
رجونا من أن تكون “القرافة” لنا في هذه الزيارة أن تكون بمثابة سُلّم متعدد الدرجات للتفكير في المعنى والقيمة والدلالة التراثية، وكيف تتقاطع مع مفهومنا عن الزمان والمكان. إنها ليست مجرد مساحة للموت، بل هي “البرزخ”؛ ذلك العالم الوسيط الذي يربط بين الوجود والعدم، وبين ماضٍ يرفض الرحيل وحاضرٍ يجهد في إعادة التعريف.
توقفنا عند مفهوم “سيادة الموت” (Thanatological Sovereignty) كبنية تحتية لفهم علاقتنا بالموتى. فالمجتمع، في تعامله مع جثامين موتاه، لا يمارس طقوساً جنائزية فحسب، بل يمارس حقاً أصيلاً في منح الموتى مقاماً اجتماعياً يجعلهم فاعلين مستمرين في أدق تفاصيل الحياة اليومية. الرسائل الموجهة للإمام الشافعي، كتلك التي تعود لعام 1952 وقُرئت في قلب المكان، هي الوثيقة الحية على هذا التواصل. رجلٌ يشكو ظلمه، وامرأة تطلب العدل؛ هؤلاء لا يتوسلون حجراً، بل يخاطبون منظومة تواصل اجتماعي تتجاوز الزمن.
ـــــ حظت هذه الورشة بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون AFAC من خلال منحة مقدّمة من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون – SDC.