17/10/2020
مجاري القاهرة تحت الإنشاء (١٩٠٩-١٩١٠)
لفحص الصور بجودة أعلی:
https://www.almadaq.net/multimedia/drainage-work-in-progress-1909
يوثق ألبوم "مجاري القاهرة: صور للأعمال الجارية" بداية تنفيذ مشروع المجاري عام ١٩٠٩. نری في الصور عمال الموقع وهم يحفرون الخنادق، ويحملون الهدم إلی عربات النقل، ويغلفون ماسورة المجرور العمومي، وأيضا وهم يأخذون استراحة قصيرة من العمل. كما نری المهندس الإنجليزي تشارلز كاركيت جيمس، الذي صمم المشروع، وهو يباشر الأعمال الجارية مع مهندسين آخرين من ضمنهم علی الأغلب المهندس الإنجليزي ويليام جارستين، مستشار وزارة الأشغال العمومية. ثلاثة من هذه الصور مأخوذة في شارع الموسكي من ناحية العتبة، ولذلك نری محلات المجوهرات (داوود سوسمان) ومحلات الملابس (كوهين) والمحكمة المختلطة (ميدان العتبة) في بعض الصور. والرابعة عند ترعة الإسماعيلية التي كان جاري ردمها منذ عام ١٩٠٤. ولكن، لماذا أقام مهندسين إنجليز علی هذه المشروع؟ وأين كان المهندسين المصريين؟
كان هناك طاقم من المهندسين الإنجليز علی رأس وزارة الأشغال العمومية طوال فترة الاحتلال البريطاني، وهم أصحاب القوة الفعلية داخل الوزارة. أما المهندسين المصريين فقد عملوا في مناصب منزوعة الصلاحيات وبعيدة عن صنع القرار، مثلا في المساحة والتفتيش وفي مشروعات صغيرة في الأقاليم أو في أعمال إدارية. وقد استمر هذا الوضع حتی قيام الثورة عام ١٩١٩، والتي أذنت بصعود المصريين في السلم الوظيفي داخل وزارة الأشغال وفي الجهاز البيروقراطي بشكل عام.
هذه التراتبية داخل وزارة الأشغال العمومية والتي فرقت بين المصريين والأجانب علی أساس عنصري كانت ممارسة عادية جدا، بل إنها نموذج مصغر ومهذب للامسواة في المجتمع المصري تحت الاستعمار الإنجليزي. ولهذا أتعجب كيف يحن المصريين إلی هذه الحقبة؟
شهاب فخري إسماعيل
07/10/2020
١٩١١- مشروع المجاري (خرائط القاهرة ٥)
وجدت هذه الخريطة في سوق الكتب بسور الأزبكية صيف عام ٢٠١١. كانت ملحقة في تقرير وزارة الأشغال العمومية لعام ١٩١١، قسم مصلحة المجاري. كنت في منتهی السعادة، حيث إن المجاري كانت، ولا تزال، موضوع بحثي الأكاديمي، وإحدی موضوعات أبحاثي المفضلة. لا يذهب بالكم بعيدا...أنا مهتم فقط بتاريخ المجاري، وليس المجاري في ذاتها. تكمن الأهمية التاريخية لشبكات المياه والمجاري في ارتباطهم باعتبارات الصحة العامة، أي كحل عملي للحد من انتشار الأوبئة المعدية مثل الكوليرا.
قضيت صيف عام ٢٠١١ بين دار الوثائق القومية والثورة. وجدت في دار الوثائق الكثير من الملفات الخاصة بمشروع المجاري منذ أن بدأت الإدارة البريطانية في دراسة الأمر عام ١٨٨٥ حتی إنشائه عام ١٩١٥. كان أكثر ما أثار اهتمامي وما تطلب مجهود حقيقي للفهم هو الخلافات الحادة التي تقوم أحيانا بين مهندسي الصحة (فرع من فروع الهندسة المدنية). تترك هذه الخلافات خلفها سجل أرشيفي طويل ومتنوع، من دراسات وتقارير ورسومات وخرائط ومراسلات رسمية وجوابات.
تكمن أهمية هذه المناقشات، في وجهة نظري، في أنها تكشف عن المنظور الخاص جدا الذي يميز عمل مهندسي الصحة وتناولهم للمدينة ولمسألة النمو العمراني. صميم عمل هؤلاء المهندسين هو امداد السكان بالمياه وصرفها بعد الاستهلاك، ولذلك هم معنيين بترجمة (أو تجريد) العمران، بكل تعقيداته، إلی أرقام وبيانات حول المياه واستهلاكها. ذلك هو الباب الذي دخلوا منه إلی الحياة اليومية في القاهرة، حيث درسوا استهلاك المياه في المنازل، المطابخ، المراحيض الخاصة والعامة، الحمامات، الجوامع، الأسبلة. ولذلك أيضا درسوا الديموغرافيا (علم السكان) والبيئة المائية للقاهرة: نهر النيل، الخلجان والترع، الأمطار، المياه الجوفية، طبيعة التربة، مناسيب الأراضي، الطقس والمواسم، إلخ.
هذا الخط البرتقالي في الخريطة هو المجرور العمومي، التي تبدأ فيه الرحلة الجمعية لكل مجاري القاهرة في ماسورة واحدة لمسافة ١٣ كيلو من غمرة إلی كفر الجاموس (عين شمس حاليا)، حيث محطة الرفع. من هناك، يتم دفع كل هذه المحتويات الجميلة في ماسورة أخری (بالأخضر) ورحلة أخری لمسافة ١٢ كيلو تنتهي في مزرعة الصرف الصحي في الخانكة. وسوف أتكلم أكثر عن المرافق الملحقة بشبكة المجاري في المستقبل.
يعني المدق بتاريخ القاهرة من خلال الهندسة، وبتاريخ الهندسة من خلال القاهرة...كلاهما صحيح. وجدت في هذا النوع من التاريخ الذي يمزج الاهتمام بالحياة اليومية وعمل المهندسين غيتي في بحث التغير الاجتماعي في فترة الاستعمار البريطاني من منظور جديد، بعيدا عن السردية السياسة الكبری لتاريخ مصر في هذه الفترة - الاستعمار وتكون الحركة الوطنية المصرية - ولكنه أيضا متصل بها بطبيعة الحال.
شهاب فخري إسماعيل
30/09/2020
طريق السويس-"البوستة" الهندية
يمكن رؤية هذا البرج في الطريق إلی التجمع الخامس، الكيلو ٢١ علی طريق القاهرة-السويس، امتداد شارع الثورة. أنشأ محمد علي عام ١٨٢٠ مجموعة من الأبراج من أجل تأمين حركة القوافل التجارية من وإلی ميناء السويس ومن بينها هذا البرج (رقم ٣ في خريطة ١٩١٤)، وهو مسجل كأثر ولكنه لا يحمل رقم. قبل إنشاء خط السكة الحديد علی طريق آخر عام ١٨٥٨، كان هذا هو الطريق الرئيسي بين القاهرة والسويس، وبالتالي هو الشريان الذي يربط العاصمة بحركة التجارة القادمة من آسيا، وخاصة الهند.
فتح الاهتمام بالطريق أفق استخدامه لأغراض أخری، مثل البريد العابر للقارات، وكان هذا هو بداية عصر التوسع الامبراطوري لإنجلترا. بموافقة محمد علي، قررت شركة الهند الشرقية، وهي الذراع الرسمي للإمبراطورية البريطانية في الهند، شحن بريدها من الهند إلی لندن عبر مصر بدلا من طريق رأس الرجاء الصالح، الرحلة التي كانت تأخذ ٣ شهور. وظفت الشركة البحار الإنجليزي توماس واجهورن بهدف العناية ببريدها في مصر، فتقرب إلی محمد علي باشا والبدو لتأمين حركة البريد والركاب من القاهرة إلی السويس ولتحسين الخدمة علی الطريق. كانت هناك عدة محطات للاستراحة، أما البريد فيذهب محمولا علی الجمال دون توقف، ويتم شحنه في السفن في انتظار الركاب الذين توقفوا في الاستراحات. في عام ١٨٤١، أصبحت رحلة البريد الهندي من بومباي إلی لندن تأخد من ٣٥ الی ٤٥ يوم (من ضمنهم ٣ أيام من ميناء السويس إلی ميناء إسكندرية).
24/09/2020
١٩١٤ (خرائط القاهرة ٤)
نشرت مصلحة المساحة "أطلس القطر المصري" عام ١٩١٤، وهي خريطة علی مقياس رسم ١:٥٠٠٠٠ تحتوي علی ١٧٨ لوحة. يتكون الأطلس من مجموعتين من الخرائط، كل واحدة في مجلد من نوع خاص مثبت بمسامير حديد. المجلد الأول خاص بالوجه البحري و"يشتمل علی خرائط الأراضي الزراعية الواقعة بين القاهرة وحدود البحر الأبيض المتوسط،" والثاني بالوجه القبلي و"يشتمل علی خرائط الأراضي الزراعية الواقعة بين القاهرة وحدود السودان." يعرض المدق لوحتين فقط من الخريطة (رقم ٩١ و٩٢)، وهما الخاصتين بالقاهرة. سمحت المجلدات ذات المسامير بفك الخرائط وإعادة تركيبها من أجل تحديث اللوحات أو إضافة لوحات جديدة.
أُنشئت مصلحة المساحة عام ١٨٩٨ كجهاز تابع لوزارة المالية، التي قررت إعادة تقييم الضرائب علی جميع الأراضي الزراعية، ورصد الأملاك في نظام جديد للسجلات الضريبية يعتمد علی الخريطة. من هنا جاءت الحاجة إلي تشكيل هيئة حكومية لإنتاج الخرائط. ويمكن القول أن الاحتياج للخرائط كان لصيق الارتباط برغبة الإدارة البريطانية في حصر ملكية الأرضي الزراعية من خلال أدوات جديدة أكثر فاعلية، وبالتالي تنظيم مسألة الملكية والضرائب العقارية بأسلوب جديد. إذا رجعنا قبل عام ١٨٩٨، نجد أن الخرائط الرسمية كانت تنتجها جهات كثيرة علی رأسها "مكتب الرسم" التابع لوزارة الأشغال العمومية. كيف نفهم أبعاد هذا التحول الإداري في تبعية جهاز رسم الخرائط من وزارة الأشغال إلی المالية؟ سوف نناقش هذا في حلقات قادمة.
الخريطة كاملة من مجموعة خرائط ديفيد رمزي التاريخية:
https://www.davidrumsey.com/luna/servlet/view/search/when/1914?q=%3d%22Ministry+of+Finance%2c+Egypt%22
20/09/2020
خزان شركة مياه القاهرة
أنشأت شركة مياه القاهرة هذا الخزان عام ١٩٠٨ من أجل زيادة ضغط المياه، حيث كثرت الشكوة من عدم وصولها للأدوار العليا. قبلها بأعوام، ألزمت الحكومة الشركة الخاصة أن تأخذ كافة الإجراءات لرفع ضغط المياه بحيث تغطي الاحتياجات الجديدة للقاهرة، فنصت إحدى الاتفاقيات بين الحكومة والشركة علی أن الضغط لابد أن يكون كافيا لوصول المياه إلی "تراس فندق سافوي" علی ميدان سليمان باشا (طلعت حرب حاليا). كان الفندق هو واحد من المباني الجديدة ذات الأربع والخمس أدوار التي أنشئت في العقد الأخير مع موجة البناء والتشييد والاستثمار العقاري. قبلها، كانت معظم مباني القاهرة لا تتعدي دورين أو ثلاثة.
استقرت الشركة علی قطعة أرض علی منحدر الجبل الأحمر بارتفاع ٦٠-٦٥ متر، بحيث تستخدم الارتفاع الطبيعي في ضخ المياه إلی المدينة. أخذت الشركة من الحكومة حق استنفاع أرض مساحتها ١٦ ألف متر مربع مقابل إيجار قيمته ٢ مليم لكل متر في السنة، أي ٣٢ جنيه في السنة تدفعهم الشركة في أقساط شهرية. ونص العقد علی أن يسقط حق الانتفاع مع نهاية فترة امتياز الشركة. أُممت شركة مياه القاهرة عام ١٩٥٦ مع موجة تأميم الشركات الأجنبية في مصر، فانتقلت الأرض لحيازة الدولة، وظل الخزان مغلق لعقود طويلة.
قمنا بزيارة الخزان للمرة الأولى في أبريل ٢٠٢٠، فدخلنا بمساعدة بعض شباب المنطقة العاملين في ورش السيارات المجاورة. قالوا أن الخزان مكان جيد لقضاء السهرة، ولكن حذرونا من الخفافيش التي سمعنا أصواتها بالفعل عندما نزلنا أحواض التخزين. عندما ذهبنا للمرة الثانية في أغسطس ٢٠٢٠، اكتشفنا إن الخزان جاري هدمه، وقال لنا المقاول إنه ينوي إنشاء معرض سيارات مكانه.
(تصوير أحمد البنداري، عمرو عادل، شهاب فخري إسماعيل)
11/09/2020
خريطة عام ١٩١٥-١٩٢١
(خرائط القاهرة ٣)
تتميز خريطة عام ١٩١٥-١٩٢١ بأنها تشمل المحيط الواسع لمدينة القاهرة، بالتحديد كل ما هو داخل حدود الضريبة العقارية للمدينة، فنرى سجن طرة جنوبا، عزبة النخل وعرب الطويل شمالا، ألماظة شرقا، وميت عقبة غربا. كما ان الخريطة ذات مقياس رسم كبير نسبيا (١:٥٠٠٠) وبالتالي فهي تحتوي علی الكثير من التفاصيل والمعلومات، مثلا عن الحدود الضريبية، حدود أقسام البوليس، المنشآت الدينية، محطات التلغراف والبوسطة والتليفون، مطاحن الغلال، الحنفيات العمومية إلخ. ويمكن استخدام مفتاح الخريطة، الذي كان مطبوعا علی هامش وظهر النسخة الورقية، من أجل الحصول علی هذه المعلومات.
تتكون الخريطة الورقية من ٤٤ لوحة، حجم كل واحدة منها حوالي ٤٥ في ٤٥ سنتيمتر. حصل فريق المدق علی النسخة الرقمية لمعظم هذه اللوحات من موقع مكتبة برلين الحكومية، ثم قنما بقص جميع الهوامش وتجميع اللوحات في مجموعات أصغر مكونة من ٢-٦ لوحات قبل اسنادها جغرافيا.
تعد هذه الخريطة مصدر تاريخي يمكن أن يساهم في فهم أشياء كثيرة عن المدينة والطبيعة الخاصة لأحيائها نظرا لما تحتويه من معلومات عن الأرض واستخداماتها. وبالتالي هي أيضا آداه لاستكشاف القاهرة وطبقاتها التاريخية، حيث قمنا باستخدامها للبحث عن آثار البنية التحتية في المدينة.
16/08/2020
An article on al-Madaq. Thank you Marc Español Escofet
Al-Madaq: A new virtual archive documenting Cairo’s history
An Egyptian historian created a website that reviews the history of Cairo through several historical maps, texts and photographs.
31/07/2020
بمناسبة الهدم الداير في القاهرة الآن، مجموعة من كاريكاتير الفنان عبد السميع ترصد نشاط عبد اللطيف البغدادي، أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار اللي تولی منصب وزير الشؤون البلدية عام ١٩٥٤. في خلال كام سنة، البغدادي طور أتوبيسات النقل العام في القاهرة وأنشأ شارع الكورنيش (فيديو في أول تعليق) وأنشأ أيضا شارع صلاح سالم، اللي بسببه اتهدت بعض مقابر صحراء المماليك (راجع كتاب بطن البقرة لخيري شلبي) وازيل جزء من تلال الأنقاض التاريخية المحيطة بالقاهرة.
28/07/2020
Glad to announce that we are now live in English!
Thanks to Mohamed Gaber (website designer), Husamuddin Hamad (developer and programmer), Nariman Youssef (translator), and AFAC - The Arab Fund for Arts and Culture.
Al-Madaq is a public-history website on modern Cairo that presents historical research to a broad audience and creates free online tools for scholarship. It features an open access cartographic archive that contains some of the city’s most significant historical maps (from 1808 to 1920). The archive is designed with a set of tools aimed to enhance the readability of the maps and to facilitate access to the information they contain. Al-Madaq also features essays to be published serially that provide a critical history of modern Cairo. The essays explore urban geography and highlight the role of real estate investment and public health in shaping the modern city. Lastly, the website features collaborative artworks that question the relationship between art, fiction, and historical narrative.
Al-Madaq - A Virtual Tour of Cairo's History
A Virtual Tour of Cairo's History
25/07/2020
خريطة الكثافة السكانية لعام ١٩١٨: عن الإسكان والتخطيط وأنقاض القاهرة
(خرائط القاهرة ٢)
أقر مردوخ ماكدونالد، مستشار وزارة الأشغال العمومية، بأن القاهرة تعاني من "أزمة إسكان حادة" في تقرير الوزارة السنوي لعام ١٩١٨-١٩١٩. صب المسؤولون اللوم علی الزيادة السكانية بالإضافة إلی تباطؤ البناء في سنوات الحرب العالمية الأولى (١٩١٤-١٩١٨). ونشرت الوزارة خريطة الكثافة السكانية في نفس التقرير، وهي خريطة تبين حدود الأقسام الإدارية للقاهرة وعليها نقاط سوداء، تمثل كل منها ٥٠٠ شخص. استنتج خبراء الحكومة من الخريطة أن بولاق (قسم رقم ٦) وباب الشعرية (٨) كانا أكثر أقسام القاهرة تكدسًا، كما استخدموا بيانات تعداد السكان لعام ١٩١٧ لاستنتاج أنه في بعض الأماكن بالأحياء القديمة يصل معدل التزاحم إلی متوسط ٣ أفراد في الغرفة.
بدأت الوزارة في دراسة التكدس السكاني في القاهرة عام ١٩١١، حيث ظهرت أعراض التزاحم في الأحياء القديمة رغم توسع المدينة في الأعوام السابقة، وهو ما أثار جدل حول من كان المستفيد من هوجة البناء والهدم التي حدثت وقتها في القاهرة. كيف يحدث تكدس سكاني في نفس الوقت الذي يتم فيه إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة وبناء آلاف من الوحدات السكنية؟ مع فقاعة الاستثمار العقاري التي حدثت منذ عام ١٨٩٧، أنشئ عدد من الضواحي الجديدة شمال وشرق وجنوب القاهرة مثل القبة، شبرا، مصر الجديدة، والمعادي. وأيضا هدمت القصور والفيلات والحدائق في حي الإسماعيلية (وسط البلد) من أجل إنشاء عمارات سكنية ضخمة ذات ٤ و٥ طوابق، وهو الشكل الذي نعرف به وسط البلد الآن.
قال تقرير مصلحة تنظيم القاهرة (التابعة لوزارة الأشغال) لعام ١٩١١ أن الوزارة تواجه تحديين أساسيين: أولا) معالجة التكدس الظاهر في معظم أحياء المدينة وخاصة القديمة منها، ثانيا) تقديم خطة تحكم عملية التوسع العمراني في المناطق الجديدة. فطبقا للجدول المرفق، كانت نسبة مساحة الطرق إلی مساحة الأرض قليلة جدا في أقسام مثل بولاق (١١٪) والدرب الأحمر (١٢٪)، وهي أقل بكثير من الحد الأدنی (٣٠٪) طبقا للمعايير الأوروبية حينها. كان الحل في تقدير المصلحة هو هدم بعض البيوت والمنشآت وتحويلها إلی شوارع. ولا مانع أيضا في ان تستثمر الدولة في الأرض، فمثلا تستحوذ علی الأرض المجاورة لنطاق الشارع المزمع شقه، وتبيعها بعد ذلك بقيمة أعلی. ولكن كانت الحكومة تحتاج إلی الاستحواذ علی أكثر من ٢ مليون متر مربع، لتحقيق هذه النسبة، وهو أمر سيتطلب أن تدفع الحكومة ما يقارب من ١٠ إلی ٢٠ مليون جنيه من التعويضات إلی الملاك الذين سوف يتم نرع ملكية أراضيهم باسم المنفعة العامة، وهو رقم تعجيزي بمعايير عصره! (مثلا، تكلف خزان اسوان حوالي ٢ مليون جنيه عام ١٩٠٢)
ولكن، هل كانت الزيادة السكانية هي فعلا أصل المشكلة؟ قدم الصحفي أحمد حلمي، الناشط حينها في الحركة الوطنية، تحليل هام للتناقض بين توسع النشاط العمراني الناتج عن إنشاء ضواحي جديدة ودورات بناء أسرع من ناحية، وظهور أزمة إسكانية في نفس الوقت من ناحية أخری. قال حلمي في مقال بعنوان "عمران العاصمة" (٢٨ أبريل ١٩٠٣، جريدة اللواء) أن الزيادة السكانية ليست هي العنصر الأهم في صناعة الأزمة، بل هو نوع الاستثمار العقاري الذي لبّى احتياجات الشرائح العليا من سوق الإسكان ولكنه لم يسعف فقراء المدينة والوافدين الجدد، وهم الأكثرية، بسكن في متناول اليد. تكلم حلمي عن حمي البناء والهدم في القاهرة وعن الجري "في تيار العمران المتنقل"، قائلا بأن هناك "طبقة مخصوصة" من المستثمرين الراغبين في الربح السريع هي التي تمسك بزمام العمران وتوجهه بدعم من الحكومة. وقد كان هذا يحدث بدون أي اعتبارات متعلقة بالزيادة السكانية أو الاحتياجات الفعلية لأغلب سكان القاهرة، الذين لن يستفيدوا من هذه المشاريع..."ولا يوم القيامة".
بالعودة إلی خريطة عام ١٩١٨-١٩١٩، يتضح أن هذه الخريطة هي أداة لتشخيص حالة التكدس، قدمتها الحكومة في ظل الجدل المحتدم حول أسباب تكدس القاهرة ومن المستفيد من النشاط العمراني. وباستخدام نفس الدراسات، بنت الحكومة تصور عن مستقبل القاهرة. في نفس التقرير لعام ١٩١٨-١٩١٩ كتب مردوخ ماكدونالد عن دراسات المصلحة حول إنشاء أحياء نموذجية لتسكين الطبقات العاملة بدلا من العشش، وكان قد في كتب في تقرير سابق عن خطة إنشاء حي سكني موجه للطبقة الوسطى في العباسية. إنها خطوات صغيرة، لكنها غنية في دلالتها. فهذا هو أول تدخل رسمي ومباشر في مجال الإسكان، بمعني إن الدولة تضع نموذج لعمران يخدم الشرائح الأدنی من السوق، وتسهل تنفيذه، في نفس الوقت التي تحاول فيه تنظيم عملية التوسع العمراني ككل.
تحت بند "المساحات الجديدة" كتب ماكدونالد في نفس التقرير عن خطة الحكومة لإزالة تلال الزبالة التاريخية من أجل توفير أراض جديدة تصلح لإنشاء مجتمعات عمرانية. قال: "إن الحاجة إلی توفير منفذ ما إلی المناطق الشرقية من المدينة أدی إلی قرار إزالة تلال الزبالة الهائلة التي تعيق التوسع في ذلك الاتجاه. بعد نطاق تلال الزبالة، تمتد مقابر المسلمين (منطقة صحراء المماليك) حتی هضاب المقطم. وقد تم تثبيت حد المقابر وتخطيط كل المنطقة غرب هذا الحد بالتعاون مع سلطات الصحة العامة، بحيث يكون هناك مناسيب أرض مناسبة وشوارع رئيسية مقترحة تتماشي مع منطقة مقابر الخلفاء والقلعة. وتتم إزالة تلال الزبالة تدريجيا بمساعدة المتحف العربي (متحف الفن الإسلامي)."
كانت تحيط بالقاهرة من ناحية الشرق تلال صناعية عملاقة، بين سور القاهرة من ناحية ومقابر صحراء المماليك من ناحية أخری. ويرجع أصلها إلی العصر الفاطمي طبقا للمقريزي، تحديدًا إلی عهد الحاكم بأمر الله (٩٨٥-١٠٢١)، الذي أمر الناس بإلقاء "أتربة القاهرة من وراء السور لتمنع السيول (القادمة من المقطم) أن تدخل إلی القاهرة". بمرور الزمن، صارت هذه التلال، مثل مثيلاتها جنوب القاهرة (تلال عين الصيرة وزينهم)، أكبر نقاط تجمُّع لكل ما تطلَّب نفيه إلی خارج أسوار المدينة من الزبالة والمخلفات—ولذلك سميت أيضا بالكيمان (جمع كوم) والمزابل. ألقيت علی هذه التلال الأنقاض الناتجة عن دورات البناء والهدم التي مرت بها القاهرة علی مر العصور، حتی وصل ارتفاع الكيمان في عصر الاحتلال البريطاني إلی ٤٢ مترا. وقد تكلم المقال الافتتاحي لموقع المدق عن التلال بوصفها تمثيل آخر للقاهرة، فهي تاريخ مترسب في الجيولوجيا، أو بمعني آخر، أرشيف مكون من أنقاض. وبالفعل، كانت التلال من أهم المواقع بالنسبة إلی خبراء الأركيولوجيا والآثار العربية، بداية من علي بهجت الذي نقب تلال عين الصيرة عام ١٩١٢ من أجل فهم طبيعة مدينة الفسطاط، وانتهاء بعمل خبراء الآثار علی تلال الدراسة (كيمان البرقية) مع تحويلها إلی حديقة الأزهر (٢٠٠٥).
منذ بضعة أيام، قرأت مقال "ليلة بكت فيها القاهرة التاريخية.. عندما هدم البلدوزر قبر المقريزي ودهس رفاته" والذي اختتمه الكاتب عبد المجيد عبد العزيز بإحدى الفقرات التي يذكر فيها المقريزي كيف نبش الأمير جهاركس الخليلي قبور الفاطميين ورمي رفاتهم علی "المزابل"—أي تلال الأنقاض—لإنشاء خان الخليلي. بخلاف مسألة احترام الموتى، وهي ليست هينة، فما حدث مع قبر المقريزي عام ٢٠٠١ هو تذكرة حزينة بمصير التاريخ عندما تأخذ السلطة قرارات عمرانية منفردة، فينتهي حرفيا في مقلب زبالة.
علی أي مزابل انتهت أنقاض قبر المقريزي؟ وعلی أي تلال انتهت أنقاض مثلث ماسبيرو الذي هدم باسم التطوير وإزالة العشوائيات؟ وعلی أي تلال سوف تنتهي أنقاض القبور التي يتم هدمها الآن في صحراء المماليك؟ وعلی أي تلال سوف تنتهي كل الأحياء المزمع هدمها في خطة الدولة الشاملة "لتطوير القاهرة" والتي نقرأ عنها اليوم بشكل مفصل في الصفحات التابعة لبعض المسؤولين علی الفيسبوك؟
شئنا أم أبينا، نحن بالفعل نقف علی أنقاض وعلی تربة في تقلب مستمر، تتجدد دوما من أجل الهدم هنا والبناء هناك، وهي لا بد أن تتجدد لأن هذه هي سنة الحياة، فلا يستطيع عاقل القول بأن شكل القاهرة الحالي يجب الحفاظ علیه وكفا. ولكن تظل أسئلة اليوم شبيهة بأسئلة أول القرن العشرين: هل تعاني القاهرة من مشاكل تقنية تحتاج فقط إلی خبرة المهندسين؟ أم أنها مشاكل مجتمعية وسياسية تحتاج أيضا لرأي سكانها كما تحتاج لرأي خبراء الاجتماع والتاريخ والعمرانيين والأثريين؟ القاهرة في أمس الحاجة إلی تطوير وسائل المواصلات العامة مثل خطوط مترو الأنفاق، لا تمزيقها بواسطة شبكة كباري وطرق ذات عرض غير آدمي، وهي تخدم اقتصاد يتجه بالكامل ناحية الاستثمار العقاري. والتطوير الحقيقي يهدف لإصلاح العيوب من وجهة نظر السكان وبمشاركتهم، لا التهجير القسري هنا ومذابح الأشجار هناك وإعادة تشكيل المدينة بطريقة لن يستفيد منها سوی الأقلية.
18/07/2020
مدافن باب النصر. من جولات المدق في القاهرة. تصوير أحمد الغنيمي @ مقابر باب النصر