الصفحة الرسمية للرواق الازهرى بأسوان مكان الرواق : المسجد الجامع بكورنيش النيل - مدينة أسوان
حمل والأداء ومناهج في البحث والدرس والفُتيا ومسالك في الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها حتى صار المنهج الأزهري منهجا متفردا عن غيره من المناهج الأخرى بهذه الخصيصة وبهذا التاريخ الطويل .
ثم إن المنهج الأزهري – كما يتصوره أكابر علمائه – ليتكون من ثلاثة أشياء يقوم عليها :
المكــــــــون الأول : العقيدة .
المكـــــون الثاني : الشريعة .
المكـــــون الثالـث : الأخلاق .
فهذا المنهج ينبني على عقائد أهل السنة والجماعة ( الأشاعرة و الماتريدية ) فعقائدنا خلت من تأويلات سقيمة للمعتزلة , وخلصت من تعطيل الجهمية , وصفت من كدر تشبيه الحشوية , فخرجت من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين .
وأيضا فهذا المنهج ينبني على الشريعة وأعني بكلمة الشريعة المذاهب الفقهية للأئمة الأربعة ( أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ) فنحن أبناء الأزهر نؤمن بوجوب إتباع أحد هؤلاء الأئمة الأربعة , وأن المذهبية هي الطريق الصحيح الموصل لفهم الكتاب و السنة النبوية , وأن العجلة في التجاسر على مقام الكتاب والسنة لاستنباط الأحكام الشرعية دون المرور على فهم هؤلاء الأئمة لهذا الكتاب وهذه السنة يؤدي إلى التخبط في الفتوى وتحير عوام المؤمنين وذيوع وانتشار آراء الجهال بدلا من انتشار آراء الأئمة المعتمدين في الأمة عبر القرون والأجيال .
ويكفيك أن تعرف أن الإمام ابن رجب الحنبلي ألف رسالة سماها ( وجوب اتباع أحد المذاهب الأربعة ) وأن الأئمة الشموس كانوا ينسبون أنفسهم إلى المذاهب , فشمس الأئمة السرخسي حنفي , و الإمام القرطبي مالكي , وشيخ الإسلام ابن حجر شافعي , وابن قدامة حنبلي , ثم يأتي من بعد ذلك صغير يقول نأخذ بالكتاب والسنة ولا نأخذ بكلام أحد ممن سبقنا , ويريد أن يرمي هذا الركام الضخم من جهود هائلة بذلها الأئمة الأربعة ومن بعدهم في ظلمات بحر لجي بدعوي الرجوع للكتاب والسنة مباشرة , وفي الحقيقة أنه صَعُب عليه دراسة أحد هذه المذاهب وقصر باعه عن سبر أغوارها فراح يذم المذاهب الأربعة ويستسهل الرجوع للكتاب والسنة مباشرة .
ويحضرني ما أنشده العلامة الشوكاني في كتابه ( أدب الطلب ومنتهى الأرب ) :
أتانا أن سهـــــلاً ذم جهـــــــــلاً علومــــــاً لم يعرفهن ســــــــهلُ
علومـــاً لو دراها مــــــا قلاها ولكن الرضــا بالجهل ســـــــــهلُ
ثم يأتي ثالث المكونات وختامها وهو الأخلاق أو تزكية النفس
فإذا ما تربى المسلم على المنهج الأزهري بهذه المكونات الثلاثة صار أمة وحده , لأنه حينئذ يكون إنسانا قد حمل في قلبه وعقله عقيدة سليمة صافية متفقة مع صحيح النقل وصريح العقل وشريعة مستمدة من الكتاب والسنة بفهم أحد الأئمة الأربعة وتصوفا سنيا نظيفا أورثه الخلق المحمدي الكريم , وجعل الآخرة حاضرة في تصرفاته وأفعاله.
فيا له من أزهري كامل صادق حمل الأمانة عن شيوخه كاملة عبر الأسانيد المتصلة والممتدة إلى زمان نزول الوحي المعصوم !
أقولها واضحة وضوح الشمس لذي عينين دون أن أزيد عليه أو يفوتني منه شيء إن ما ذكرته من المكونات الثلاثة هي صلب المنهج الأزهري وهي التي كان عليها أئمة الدنيا من السلف الصالح والعلماء المعاصرين , وعلى رأس المعاصرين أصحاب الفضيلة والسماحة : الإمام محمد متولي الشعراوي , وشيخ الإسلام جاد الحق علي جاد الحق , والشيخ عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر , وإمام الدنيا العلامة الشيخ يوسف الدجوي , والعلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي , والإمام محمد الخضر حسين , وشيخ أهل القرءان وإمام القراءات في زمانه الشيخ أحمد عبد العزيز الزيات , وإمام الجامع الأزهر الشيخ إسماعيل صادق العدوي , والعلامة الولي الصالح الشيخ صالح الجعفري وغيرهم كثير من أهل هذا العصر .
و لك أن تقول : هل سبق أن أحدا من العلماء المتقدمين أشار إلى هذه المكونات الثلاثة في كتبه أو مصنفاته ؟
والجواب : أن كتب المتقدمين طافحة بهذه المكونات وأن هذه المكونات الثلاثة هي المنهج المعتمد في الأمة وأسوق إليك على سبيل التمثيل لا الحصر ما يلي :
أشار العلامة ابن عاشر المالكي المتوفى سنة ( 1040) ه إلى هذه المكونات في منظومته المسماة ( المرشد المعين على الضروري من علوم الدين ) فقال :
وبعــــــد فالعـون من الله المجيــــــــد في نظــــم أبيـــات للامي تفــيـــــــــد
في عقد الاشــعــري وفقه مـــــــــالك وفي طريـــــــــقة الجنيــد السالــــــك
فقوله ( عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد ) يشير به إلى ثلاثة أشياء عقيدة أهل السنة والجماعة ( الأشاعرة و الماتريدية ) وقضية المذهبية وقضية الأخلاق وتزكية النفس.
وصرح أيضا الإمام الَّلقاني في جوهرة التوحيد التي لا تزال تدرس بالأزهر الشريف فقال :
ومالـــــك وســـــــــــائر الأئمــــــــة كـــــذا أبـو القاسم هـداة الأمــــــة
فــــواجب تقليـــد حــــبر منهـــــــــــم كــــذا حـــــكى القــوم بلفظ يفهـــم
فتأمل عبارة اللقاني حينما يقول ( وسائر الأئمة ) أي الأئمة الأربعة المعتمدين , وقوله ( أبو القاسم ) أي الجنيد -رضي الله عنه - .
وانظر إلى فتواه بوجوب اتباعهم وأنه ينقل ذلك عن السلف قبله كما فهمه من عباراتهم الواضحة .
ولكن الحظ معي أمرا هاما للغاية وهو أن العلامة ابن عاشر قدم العقيدة على الفقه والفقه على الزهد , وكذلك في أبيات اللقاني يقدم الفقه على التزكية , وكذلك كل العلماء المتقدمين ممن لهم إلى الله وجهه وبالملأ الأعلى وُصلة يقدمون الفقه على التزكية في مصنفاتهم , وهؤلاء الأكابر لا يضعون الكلمة في منظوماتهم أو مصنفاتهم إلا بحساب ولا يقدمونها أو يؤخرونها إلا بميزان لا يدركه إلا من أدمن القراءة في متونهم وحواشيهم وصارت له دربة وحذق بمرامي كلامهم .
والذي نفهمه من تقديم كلمة الفقه على التزكية : أنه يجب على الإنسان أن يتعلم الأحكام الشرعية الواجبة عليه قبل أن يزهد .
ولما خولف هذا الترتيب في هذا الزمان حصلت البلية الكبرى وصار من المتصوفة سذج يحلون الحرام ويحرمون الحلال وانبرى لهم من الطوائف الأخرى من محضوا ألسنتهم وأقلامهم للقدح في الزهد كمنهج غير مدركين الفرق بين المنهج وبين من يسلكه وكان الأولى بهم أن يعيبوا أو أن يعلموا جهال الزاهدين بدلا من أن يقدحوا في التصوف .
وأود أن أسجل في هذه العجالة أن مثل الذي ذكره ونبه عليه العلامة ابن عاشر والإمام اللقاني ذكره أيضا الإمام الدردير والعلامة الأخضري وشيخ مشايخ المالكية العلامة علي العدوي الصعيدي وتلميذه محمد بن محمد بن عبد القادر الأمير الكبير الجامع لأسانيد المصريين في كتابه ( سد الأرب من علوم الإسناد والأدب ) وغيرهم كثير .
وكأن هذه المكونات الثلاثة ( العقيدة الأشعرية و الماتريدية – والمذهبية – والتصوف النظيف ) أمر موجود ومقرر في نفوس علماء الأزهر الشريف ولا يزالون يُلمحون ويصرحون به في مصنفاتهم فلا نـقرأ متنا أو شرحا أو حاشية إلا ونجد المصنف ينبه على هذه المكونات الثلاثة .
فلا أدري الآن كييف يقدح بعض المعاصرين المنسوبين للأزهر وغيرهم في عقائد الأزهر أو في قضية المذهبية أو في قضية التصوف السني لا البدعي ويكر عليها بالبطلان ثم يزعم – واهما – أنه يمثل الأزهر الشريف و وسطيته .
لقد أصبحت كلمة الوسطية كلمة ( مطاطة ) يدعيها كل صاحب فكر أو منهج أو رؤية , ولا أعلم كلمة لِكَت بالألسن مثل هذه الكلمة , فلا أجد إذن منصفا سوى العلماء المعتمدين من السابقين واللاحقين وكذلك عموم المؤمنين في المشارق والمغارب فلو نظرت لوجدت الجماهير الغفيرة منهم تـقر بوسطية الأزهر , وحتى التيارات العلمانية والليبرالية والحداثية والمذاهب المختلفة من أصحاب الأديان السماوية و اللادينية يهرعون إلى الأزهر باحثين عن وسطيته عندما يواجَهون بالتنطع والتشنج والتعصب من قبل التيارات المختلفة المنسوبة للإسلام .
ولكن هنا سؤال دقيق: إذا كان الغالب من العلماء والعوام يـقر بوسطية الأزهر , فما المقصود بالأزهر هنا ؟
أتُرى أن المقصود به هنا جدرانه أو أبنية مدارسه وكلياته ؟ أم أن المقصود هو منهجه ؟
والجواب قطعاً أن المعني بالوسطية هو المنهج إذا كان كذلك فالنتيجة الحتمية أن هذه المكونات ( العقيدة الأشعرية و الماتريدية – والمذهبية – والتصوف السني ) هي التي تمثل وسطية الإسلام لأنها هي المنهج الأزهري .
ثم أضيف إلى ما سبق أن الأزهر الشريف منهج يسير بين الناس علما وعبادة ودعوة .
وإننا نـعض بنواجذنا على هذا المنهج ولا نقبل الالتفاف حوله ولا الالتفاف حول مبادئه , وفي الوقت ذاته نرحب بكل من يتعاون معنا على هذه المبادئ أو يتعلم في أروقتنا الأزهرية على هذه المناهج .
ومع تمسكنا بعقيدتنا التي تعلمناها ( عقائد الأشاعرة و الماتريدية ) نرى في الوقت ذاته أن كل من يعمل على خدمة الإسلام ويقوم على شؤون الأمة ومصالحها من التيارات والطوائف من إخواننا هو أيضا من أهل السنة والجماعة دون أن نقبل أي دَخَل على مناهج الأزهر الشريف .
وفي الختام أعيذ بالله نفسي وإخواني من طلاب العلم الشرعي الشريف ومشايخنا من أن نتلقى الأمانة كاملة عن مشايخنا كابرا عن كابر وجيلا بعد جيل بالسند المتصل ثم تنقطع هذه الأمانة عندنا.
فاللهم كما أعنتنا على تحملها نسألك العون على أدائها , فأنت المستعان وعليك التكلان .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته ومن سار على الدرب إلى يوم الدين .
منتصف ليلة السابع من شوال سنة ( 1433 ) ه
بقلم
محمد عبد الله أحمد الأزهري