17/02/2019
الحكاية دي بدأت في إذاعة المدرسة. بنت عندها 10 سنين في خامسة ابتدائي لأول مرة في حياتها يتطلب منها تعمل ده. طلبوا منها في المدرسة تقف في الطابور الصبح تقرأ الاخبار من الجرنان في إذاعة المدرسة لأن اللي كان المفروض هيعمل كده غاب في اليوم ده.
هي كانت بنت هادية طول عمرها، أصحابها قليلين، خجولة، تربية مدارس أجنبية في بلد تانية، أهلها جُم مصر بسبب ظروف خارجة عن إرادتهم. الظروف دي خليتها على طول حزينة لانها كانت مرتبطة بالبلد اللي اتولدت فيها وعاشت فيها العشر سنين اللي فاتوا من عمرها.
مش هطول عليكوا، البنت وقفت فعلا قدام الميكروفون ومسكت الجرنان وقرأت.
على عكس المتوقع، البنت قرأت الجرنان بثقة، ماغلطتش غلطة، اللغة ممتازة، مخارج الحروف كلها صح، لدرجة إن الناس سقفولها!
طلعت الفصل المُدرسة هنيتها وقالتها ان هي اللي هتقرأ الأخبار بعد كده. البنت طبعا كانت فرحانة بس في نفس الوقت كانت قلقانة. ما هي اصلا طول عمرها منطوية على نفسها، كلامها قليل، مابتعرفش تحكي حاجة لحد، يعني الكلام مش أحسن حاجة تحب تعملها.
المهم إنها جت تاني يوم محضرة ومستعدة بس قلقانة، وقفت قدام الميكروفون مسكت الجرنان وبدأت تقرأ، بس الكلام مش عايز يطلع. بدأت تقلق وتتوتر بس حاولت تاني. بدأت فعلا تقول بس لخبطت وتهتهت كتير أوي، لحد ما خلصت.
رجعت الطابور وهي باصة في الأرض، مش قادرة توري وشها لحد، وخايفة من رد فعل المدرسة. الطابور خلص وطلعوا الفصل. ماحدش علق على اللي حصل وماحدش حتى اتكلم معاها. الغريبة ان كمان المُدرسة ماتكلمتش. الموضوع خلص. بس كمان ماطلبتش منها تقول الأخبار تاني...
البنت دي عمرها ماحكت الموضوع ده لحد، بس عمرها مانسيته، عمرها. البنت دي كبرت واتخرجت واشتغلت كتير، ومع ذلك كان الموقف ده دايما ييجي على بالها.
الموقف ده خلاها تخاف تتكلم قدام جمهور، تخاف لدرجة الفوبيا، لدرجة إنها ضيعت منها فرص مهمة بسبب الخوف ده.
يمكن لو كانت المدرسة طبطبت عليها وحسستها ان أي حد ممكن يغلط واخدت من وقتها شوية وعلمتها وادتها ثقة في نفسها، وادتها فرصة تانية، يمكن كانت حياة البنت دي هتتغير.
يمكن برضه لو كانت البنت دي متعودة إنها تحكي في البيت اللي بيحصلها، كانت هتلاقي تشجيع ودعم وكانت هتلاقي اللي يعلمها ازاي تقف وتتكلم قدام جمهور.
يمكن حاجات كتير. بس اللي انا متأكدة منه إن معظمنا حصلنا مواقف وإحنا صغيرين الكبار ماكانوش فاكرين إن هيكون ليها تأثير بس الحقيقة إنها أثرت على حياتنا كلها، سواء بالسلب أو بالإيجاب.
ولادنا كمان زينا. تفاصيل صغيرة ممكن تغير حياتهم، خلينا ناخد بالنا من التفاصيل دي ونفكر فيها بشكل أكبر وأعمق.