05/06/2025
قال الطرطوشي المالكي رحمه الله :
فصل
في اجتماع الناس في سائر الآفاق يوم عرفة
قال ابن وهب:
" سألت مالكا عن الجلوس يوم عرفة؛ يجلس أهل البلد في مسجدهم، ويدعو الإمام رجالا يدعون الله تعالى للناس إلى غروب الشمس؟
فقال: ما نعرف هذا، وإن الناس عندنا اليوم ليفعلونه ".
قال ابن وهب: " وسمعت مالكا يسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر، واجتماعهم للدعاء؟
فقال: ليس هذا من أمر الناس،
وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع ".
قال مالك في " العتبية ":
" وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس للدعاء؛ فلينصرف، ومقامه في منزله أحب إلي، فإذا حضرت الصلاة؛ رجع فصلى في المسجد ".
وروى محمد بن وضاح أن الناس اجتمعوا بعد العصر من يوم عرفة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يدعون، فخرج نافع مولى ابن عمر، فقال :
" يا أيها الناس! إن الذي أنتم فيه بدعة وليست بسنة، أدركت الناس لا يصنعون هذا ".
قال مالك بن أنس:
" ولقد رأيت رجالا ممن اقتدي بهم يتخلفون عشية عرفة في بيوتهم ". قال:
" وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع، ولا أحب للرجل الذي قد علم أن يقعد في المسجد في تلك العشية؛
مخافة أن يقتدى به، وليقعد في بيته ".
قال الحارث بن مسكين:
" كنت أرى الليث بن سعد ينصرف بعد العصر يوم عرفة،
فلا يرجع إلى قرب المغرب ".
وقال إبراهيم النخعي:
" الاجتماع يوم عرفة أمر محدث ".
وقال عطاء الخراساني:
" إن استطعت أن تخلو عشية عرفة بنفسك؛ فافعل ".
وكان أبو وائل لا يأتي المسجد عشية عرفة.
فاعلموا رحمكم الله أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة لا في غيرها، ولم يمنعوا من خلا بنفسه فحضرته نية صادقة أن يدعو الله تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظن العوام أن من سنة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن يدخل في الدين ما ليس منه.
[أبو بكر الطرطوشي، الحوادث والبدع، صفحة ١٢٨].