23/07/2026
✍️بقلم الأستاذ الدكتور كمال بداري
وزير التعليم العالي والبحث العلمي
✨هل نحن بصدد تغيير الحضارة؟✨
🎯قراءة تحليلية تستشرف ملامح الانتقال الحضاري في عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، وتناقش رهانات الحوكمة التكنولوجية، والسيادة المعرفية، ومستقبل الإنسان في عالم متحوّل.
📜منشورة في صحيفة Le Soir d'Algérie – عدد الإثنين 20 يوليو 2026.
💫في قراءة تحليلية عميقة، يطرح الأستاذ الدكتور كمال بداري إشكالية جوهرية تتجاوز حدود التقدم التكنولوجي، لتلامس طبيعة التحولات التاريخية التي يشهدها العالم، متسائلًا عمّا إذا كانت البشرية تمر بمرحلة تطور ضمن النموذج الحضاري القائم، أم أنها تقف بالفعل أمام انتقال حضاري يعيد صياغة موازين القوة وأنماط العيش ومنظومات القيم.
🔵ويستند هذا الطرح إلى محطات مفصلية في تاريخ الابتكار الإنساني، بدءًا من الكابل التلغرافي العابر للمحيطات سنة 1858، ثم اختراع الهاتف سنة 1876، وصولًا إلى ثورة الطباعة في القرن الخامس عشر، ليؤكد أن التكنولوجيا لم تكن يومًا مجرد أدوات لتحسين الإنتاج، بل كانت القوة المحركة التي أعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية، ورسّخت أنماطًا جديدة للسلطة والسيادة، وأعادت تعريف المكان والزمان في الوعي الإنساني.
🔵ويُميز الأستاذ الدكتور كمال بداري بين مفهوم التطور باعتباره تحسينًا تدريجيًا يحافظ على جوهر النموذج الحضاري، والتحول الحضاري بوصفه انتقالًا نوعيًا يفضي إلى ميلاد نموذج مجتمعي جديد. ويعزز هذا التصور من خلال ثلاث مقاربات فكرية كبرى: رؤية مالك بن نبي التي تجعل الأفكار والثقافة والتنظيم الاجتماعي أساسًا للعمران الحضاري، ونظرية ابن خلدون القائمة على دور العصبية ودورات الصعود والانحدار، والتحليل البنيوي لـ كارل ماركس الذي يربط التحولات التاريخية بتطور أنماط الإنتاج. ومن خلال هذه القراءات، يخلص إلى أن أفول الحضارات لا ينتج غالبًا عن حدث منفرد، وإنما عن تآكل قدرتها على التكيف وفقدانها للمرونة المؤسسية أمام التحولات الكبرى.
🔵ويرى المقال أن الأزمات التي يشهدها العالم اليوم ليست مجرد اختلالات ظرفية، بل تعكس ملامح مخاض حضاري شامل؛ فاقتصاديًا تتسارع الأتمتة ويعاد تشكيل سوق العمل بفعل الذكاء الاصطناعي، وجيوسياسيًا تتصاعد المنافسة على السيادة الرقمية والأمن السيبراني والحروب المعرفية، فيما تتعمق بيئيًا تحديات التغير المناخي واستنزاف الموارد، وتتفاقم اجتماعيًا أزمة المعنى وتراجع المرجعيات الجامعة وصعود الفردانية الرقمية.
🔵وفي ظل احتكار القوى الكبرى لمفاتيح الثورة التكنولوجية، يبرز النموذج الجزائري بما يحمله من عمق حضاري متعدد الروافد، يجمع بين الأبعاد الأمازيغية والعربية الإسلامية والفينيقية والنوميدية والأندلسية والإفريقية والمتوسطية. ويترجم هذا الرصيد الحضاري في السياسة الخارجية الجزائرية من خلال تبني الحياد الإيجابي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بما يعزز قيم التوازن والاستقرار والحوار والتعاون بين الأمم.
🔵ويختتم الأستاذ الدكتور كمال بداري بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي لم يعد مقتصرًا على امتلاك التكنولوجيا أو السباق نحو تطويرها، بل أصبح رهانًا أخلاقيًا وسياسيًا وحضاريًا بامتياز. فمع تصاعد تأثير الذكاء الاصطناعي اليوم، واستشراف التحولات التي قد تقودها الفيزياء الكمية غدًا، تبرز الحاجة إلى حوكمة إنسانية رشيدة تضمن توجيه التكنولوجيا نحو خدمة الإنسان، وترسيخ العدالة، وصون القيم، وحماية حقوق الأجيال القادمة.
💥إن التحول الحضاري الذي نعيشه اليوم لا يُقاس بسرعة الابتكار فحسب، بل بقدرتنا على توجيه هذا الابتكار ليظل الإنسان غايته الأولى، لا مجرد أحد مخرجاته💥