17/09/2025
قَالَ العلامةُ الإمامُ الهمامُ عبدُ الحميد بن باديس رحمهُ اللهُ: " أَحْكَامُ اللهِ تعالَى: أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ وَهِيَ التِي فِيهَا بَيَانُ مَا شَرَعَهُ لِخَلْقِهِ مِمَّا فِيهِ اِنْتِظامُ أَمْرِهِم وَحُصُولُ سَعَادَتِهِم إِذَا سَارُوا عَلَيْهِ، وأحكامٌ قَدَرِيَّةٌ، وَهِيَ التِي فِيهَا بَيَانُ تَصَرُّفِهِ فِي خَلْقِهِ عَلَى وَفْقِ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ، وَماَ سَبَقَ في إِرَادَتِهِ. وَالأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ تَقَعُ مِنَ العِباَدِ مُخَالَفَتُهَا فَيَخْتَلِفُ مُقْتَضَاهاَ مِنَ الفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ، وَالأَحْكَامُ القَدَرِيَّةُ لاَ تَتَخَلَّفُ أَصْلاً وَلاَ يَخْرُجُ المَخْلُوقَاتُ عَنْ مُقْتَضَاهَا قَطْعاً. وَفِي هَذِهِ الآيةِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِ القَدَرِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ قَرْيَةٍ لاَ بُدَّ أَنْ يُصِيبَهَا أَحَدُ الأَمْرَيْنِ المَذْكُورَيْن بِمَا سَبَقَ مِنْ عِلْمِهِ وَمَا مَضَى مِنْ إِرَادَتِهِ، فَلاَ يَتَخَلَّفُ هَذَا الحُكْمُ وَلاَ تَخْرُجُ عَنْهُ قَرْيَةٌ...
وَقَالَ رحمه الله: " اللهُ حَكَمٌ عَدْلٌ حَكيمٌ خبيرٌ، فَمَا مِنْ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ الشّرْعِيَّةِ إِلاَّ وَلَهُ حِكْمَتُهُ، وَمَا مِنْ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ القَدَرِيَّةِ إِلاَّ وَلَهُ سَبَبُهُ وَعِلَّتُهُ. لاَ لِوُجُوبٍ أَوْ إِيجَابٍ عَلَيْهِ، بَلْ ِبمَحْضِ مَشِيئَتِهِ، وَمُقْتَضَى عَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ.".
قُلْتُ: مَنْ تَحَقَّقَّ مِنْ هَذَا الفُرْقَانِ؛ اِنْبَلَجَ أَمَامَهُ فِقْهٌ عَظِيمٌ، وَتعرَّفَ عَلَى وُجُوهِ كَمَالِ رَبِّهِ وَجَلاَلِهِ وَجَمَالِهِ، وَوَقَفَ عَلَى حِكْمَتِهِ البَالِغَةِ، وَعَدْلِهِ المُطْلَقِ، وَنِعَمِهِ السَّابِغَةِ؛ فَاِعْتَرَفَ بِذَلِكَ، وَاِسْتَغْفَرَ لِذَنْبِهِ بَعْدَ الإِقْرَارِ بِهِ. . فالْعَبْدُ المُوَحِّدُ يَصْبِرُ عَلَى الْمَصَائِبِ، ويَسْتَغْفِرُ وَيَتُوبُ مِنْ المَعَائِبِ؛ فَيَجْمَعُ بَيْنَ طَاعَةِ الْمأْمْورِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَقدُورِ، وَالشَّقِيُّ يَجْزَعُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ وَيَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ عَلَى المعائب. وَالقَدَرُ يُحْتَجُّ بِهِ فِي المَصَائِبِ دُونَ المَعَائِبِ قَالَ تَعَالَى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)، وَقَالَ تَعَالَى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ). وَقَالَ تَعَالَى: (وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ).
قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ رحمهُ اللهُ: " اللهُ حكمٌ عدلٌ لا يظلمُ مثقالَ ذَرَّةٍ، وهُوَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لَطِيفٌ لِمَا يشاءُ، سبحانه وتعالى عما يقولُ الظالمون عُلُوًّا كَبِيرًا. وله الحمدُ في الأُولى والآخرةِ ولَهُ الحكمُ وإليهِ ترجعُون.
اللهُ حكمٌ عدلٌ لاَ يظلمُ مثقالَ ذرةٍ وهو عليمٌ حكيمٌ لطيفٌ لما يشاءُ، سبحانه وتعالى عمَّا يقولُ الظالمون علوا كبيرا، وله الحمد في الأولى والآخرةِ، وله الحكمُ وإليهِ تُرْجَعُون.".
وقَالَ العَلاَّمَةُ ابنُ القيم رحمه الله: ".. كلُّ مَا كَانَ منه إلى خلقِهِ وفيهِم حسن جميل، له عليه أتمُّ حمدٍ وأكملُه وأفضلُه. وهو حُكمُ عدلٍ، وقضاءُ فصلٍ. وأنَّه المحمُودُ على ذلكَ كلِّه فلاَ يلحقُهُ منه ظلمٌ ولا جَوْرٌ ولا عَبَثٌ، بل ذلكَ عينُ الحِكْمَةِ، ومَحْضُ الحَمْدِ، وكمالٌ أظهرَهُ في حَقِّهِ، وعِزٌّ أبْدَاهُ، وَمُلْكٌ أعلَنَهُ، ومُرَادٌ لَهُ أَنْفَذَهُ.
وَقَالَ رحمهُ اللهُ: " إنَّ الله ينعم على عباده بالعطايا الفاخرة، فإذا استرجعها كانت عطايا الآخرة، والرب سبحانه قد تجلى لقلوب المؤمنين العارفين وظهر لها بقدرته وجلاله وكبريائه ومضي مشيئته وعظيم سلطانه وعلو شأْنه وكرمه وبره وإحسانه وسعة مغفرته ورحمته وما ألقاه في قلوبهم من الإيمان بأسمائه وصفاته إلى حيث احتملته القوى البشرية ووراءه مما لا تحتمله قواهم ولا يخطر ببال ولا يدخل في خلد مما لا نسبة لما عرفوه إليه.".