22/08/2026
يا حامل القرآن، ماذا بعد أن تختم القراءات العشر؟
هنيئًا لك هذا الفضل، فقد جمعت القراءات في صدرك، وأتقنتَ الشاطبيةَ والدُّرّةَ والطيبة، وكثرة عندك الأسانيد، وصار لك في كتاب الله نصيبٌ تتشرّف به في الدنيا، وتُرجى به الكرامة في الآخرة.
ولكنّي أسألك سؤالًا، لا أريد منك أن تجيبني عنه بلسانك، بل أجبني عنه بقلبك، ماذا بعد ذلك؟
أين يأخذك القرآن بعد أن أحسنتَ تلاوته؟
بعد أن عرفت وجوه الأداء روايةً ودراية، هل ستقف هنا؟
ألا تعلم أن من أقبح الغبن أن يحمل المرء كتاب الله، ثم يجهل معانيه.
وقد نبه لهذا الإمام القرطبي فقال:
"ينبغي له أن يتعلّم أحكام القرآن، فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه، فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه؟! وما أقبح أن يُسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه"
فتأمل قوله!
ما أقبح أن يُسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه...
فكيف بمن جمع القراءات العشر، وحمل أسانيدها، وأتقن وجوهها، ثم سُئل عن آيةٍ من كتاب الله ما معناها؟
فلم يجد في محفوظاته جوابًا لها!
ولذا أنصحك يا حامل القرآن...
1- أن تتعلّم العربية، فإن في العربية مفاتيح لأبوابٍ من القرآن لا تُفتح لمن جهل لسانه.
2- وتفقّه في الدين، فإن اختلاف القراءات ليس اختلافًا في الأداء، بل وراءه من دقائق المعاني، ووجوه الاستنباط، واتساع الدلالة، ما يفتح للفقيه من أبواب النظر ما لا يفتحه لغيره.
3- واجعل لك نصيب من علم الحديث، فإن من حمل الإسناد ينبغي أن يعرف قدر الإسناد، ورجاله، وطرقه، وعلله، وما يُقبل منه وما لا يُقبل.
4- ثم اخرج بعدها إلى سعة الحياة، واقرأ التاريخ، وسترى فيه أممًا قامت وسقطت، ورجالًا صعدوا وهبطوا، وسننًا تتكرر أمام عينيك.
واعرف زمانك، فليس من تمام العلم أن تكون ابن كتبك، بل أن تكون ابن زمانك، تعرف أسئلته، وشبهاته، ولغته، وما يختلج في صدور أهله، وقد قيل في وصف العالم الحصيف
"عارفًا بزمانه، مقبلًا على شأنه" وهذا من تمام الفقه والبصيرة.
أن تعرف ما تقول، ولمن تقول، ومتى تقول، وكيف تقول.
ولسنا في هذا الزمان بحاجة إلى قارئٍ يُبهرنا بمحفوظه وأدائه، بل إذا تلا أحيا القلوب، وإذا تكلم أنار العقول، وإذا سُئل أبصر، وإذا نزلت بالناس نازلةٌ وجدوا عنده فقهًا وحكمةً ورحمة.
كن من أهل القرآن الذين إذا قرأوا عُرف القرآن فيهم.
ومن أحبَّ أن يجعل له مع علوم القرآن صحبةً لا تنقطع، فهذه قناتنا على التليجرام، نضع فيها ما ننتقيه من الكتب والبحوث والفوائد.
https://t.me/MuhammadibnAlialQahiri
كتبه: د. محمد بن علي الشافعي
القاهرة - 1448/3/7
شرف العلم بشرف المعلوم، ولا علم أجل من كتاب الله تنزيلا وترتيلا