17/11/2025
*هذا النصُّ في أصله مقطعٌ صوتيٌّ - لسماحة الوالد الشيخ المفيد أ.د أحمد عبد السلام سوادغو- مدته اثنتان وعشرون دقيقة وثلاث ثوانٍ، يتضمّن مناقشةً علميّةً لحديث الافتراق من جهة القَبول والرَّد.*
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
تساءل الناس كثيرًا هذه الأيام عن صحة حديث افتراق الأمة إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، وهو حديثٌ رواه معاوية بن أبي سفيان، وله روايات عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعن أنس بن مالك، والحديث في سنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم.
وقد جرى السؤال عن صحته هذه الأيام، فحقَّ لنا أن نبيِّن لطَلَبة العلم الموقف الصحيح منه، لنعلم أن الذين رَدّوا الحديث أو شكَّكوا في صحته يعتمدون في الغالب على عللٍ عقلية، إذ يقول بعضهم:
إن الأمة هذه لا يُعقل أن تتعرّض لهذه القِسمة العجيبة التي تفوق افتراق اليهود والنصارى، وأن هذه الأمة قد فضَّلها الله سبحانه وتعالى على الأمم، فلا يُعقل أن يكون افتراقها فائقًا لافتراق الأمم السابقة.
وقالوا أيضًا: إن العدد المذكور في الحديث وهو (73) فرقة لا يتناسب مع الواقع، لأن الواقع يدل على انقساماتٍ أكثر من ذلك.
وطلبة العلم يتساءلون، فوجب علينا أن نبيّن لهم موقف أهل السنة والجماعة، لأن الموقفين مختلفان بسبب اختلاف المنهج. فهناك منهجٌ يقدِّم العقل على النص، فإذا تعارض العقل والنص قدَّموا العقل، وهذا هو منهج المعتزلة. وللأسف الشديد، دخل هذا المنهج في كثيرٍ من الطوائف الإسلامية في مناهجهم، فيشككون في صحة الحديث – حتى وإن كان في البخاري – بمجرد أنه خالف العقل.
هذا دَيْدَن المعتزلة، وللأسف تسرَّب إلى كثيرٍ من الفئات الإسلامية اليوم. فاختلاف المنهج أدّى إلى هذا الانقسام العجيب بين من يتعلّل بالعِلَل العقلية فيردّ الحديث، وبين من يتمسّك به مفضّلًا النص على العقل.
ومع احترامي للذين أنكروا الحديث، ومنهم ابن حزم الظاهري، والإمام الشوكاني، وفي العصر الحديث الدكتور يوسف القرضاوي، فهؤلاء كلهم وغيرهم ممّن شكّكوا في صحة الحديث تعلّلوا بهذه العلل التي ذكرتُ لكم.
أما عندنا – أهل السنة والجماعة – فالحديث صحيح، نقدِّم النقل على العقل.
فقد صحّحه جمعٌ من الأئمة، أذكر منهم:
الترمذي نفسه الذي رواه، وابن ماجه، وأبو داود. وقال الحاكم: “الحديث صحيح على شرط مسلم”. وصحّحه شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: “هو حديث صحيح مشهور”. وكذلك صحّحه ناصر الدين الألباني في السلسلة الصحيحة، والإمام الذهبي، وابن كثير، والحافظ ابن حجر، والإمام الشاطبي.
ويقول الحاكم في موضع آخر: “هو حديث كبير في الأصول”.
الله أكبر!
وأقرأ عليكم نصًّا لابن باز رحمه الله. فقد سأله أحد الناس سؤالًا بعد أن استمع إلى فتوى للدكتور يوسف القرضاوي فاشتبه عليه الأمر، فجاء يسأل الشيخ ابن باز – مفتي الديار المقدسة سابقًا – يرحمه الله رحمةً واسعة، طالبًا منه أن يبيّن الأمر مما يُهدِّئ رَوْعه.
فقال رحمه الله كلامًا طويلًا، ثم قال:
> “فالواحدةُ المذكورة في الحديث – أي الفرقة الناجية – هم أهل السنة والجماعة، وهم الصحابة واتباعهم بإحسان، أهل التوحيد والإيمان.
وأما الثنتان والسبعون فرقة فمتوعَّدون بالنار، فيهم الكافر، وفيهم العاصي، وفيهم المبتدع.
فمن مات منهم على الكفر فله النار مخلَّدًا فيها، ومن مات على بدعة دون كفر، أو على معصية دون كفر، فهو تحت مشيئة الله تعالى، وهو متوعَّد بالنار.
فبهذا يُعلم أنهم ليسوا كلهم كفّارًا، بل فيهم الكافر، وفيهم غيره من العصاة والمبتدعة.”
فقال السائل: جزاك الله خيرًا يا شيخ، نتمسّك بهذا.
إذًا الحديث صحيح، وقد تفضّل شيخنا الجهبذ ابن باز بشرح الجزء المهم منه، وهو أن الفرقة الواحدة هي الناجية.
هذا موقفنا الأول يا طلبة العلم.
وأذهب بكم إلى الوقفة الثانية، لأن هذا الحديث يتناسب مع آياتٍ قرآنيةٍ كثيرة.
فمفاد الحديث أن الفرقة تؤدّي إلى النار، والوحدة سبيلٌ إلى الجنة.
فانظر رعاك الله، واستمع إلى قوله تعالى في سورة الأنعام، الآية (153):
> ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ، وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
الصراط هنا واحد فقط، فقد استعمل المفرد في “صراطي”، واستعمل الجمع في “السبل”، مما يدل على أن صراط النجاة صراط واحد، أما سبل الهلاك فهي متفرقة وكثيرة.
وجاء في تفسير هذه الآية أن النبي ﷺ لما قرأها خطَّ خطًّا مستقيمًا، وعن يمينه ويساره خطوطًا كثيرة، وقال:
> “هذا صراط الله المستقيم، وهذه السبل على يمينه وشماله، على كل سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه.”
فهذه الآية دعمٌ قويٌّ للحديث.
ثم نتقدّم إلى آية أخرى تتحدث عن افتراق أهل الكتاب، قال تعالى في سورة البيّنة (الآية 4):
> ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾
أي أن أهل الكتاب تفرّقوا بعد مجيء البينة، والحديث يقول: “تفرّقت اليهود… وتفرّقت النصارى…”، فالآية تؤيد الحديث.
ثم ننتقل إلى قوله تعالى في سورة هود (118-119):
> ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
فـ “لا يزالون” تفيد الاستمرار والتجدّد، أي أن الناس سيظلون في اختلافٍ مستمر، كما قال الحديث: “وتفترق أمتي”، فكلٌّ في النار إلا واحدة.
وهذه الآية أيضًا دعمٌ قويٌّ للحديث، إذ تُبيّن أن الاختلاف سنّة كونية، ولكن الهداية والنجاة برحمة الله.
ثم إلى الوقفة الثالثة:
هذا الحديث يتوافق مع أحاديث نبويةٍ كثيرة، منها حديث العِرْباض بن سارية رضي الله عنه، المشهور:
> “وعظنا رسولُ الله ﷺ موعظةً بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودِّعٍ، فأوصِنا.”
فقال ﷺ:
“أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبدٌ حبشيٌّ.
ومن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.”
فانظروا كيف أن قوله: “ومن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا” موافقٌ تمامًا لحديث الافتراق، إذ قال: “وتفترق أمتي…”،
وقوله في نهاية الحديث: “فعليكم بسنتي” هو نفس معنى “إلا واحدة” في حديث الافتراق.
فكلا الحديثين يُفسّر أحدُهما الآخر.
أما الوقفة الرابعة، فسبب الافتراق كما دلّت الأحاديث هو البدع.
وما أكثرها بعد النبي ﷺ! حتى إنه في خطبة الحاجة التي كان يفتتح بها أموره الكثيرة، كان دائمًا يذكر التحذير من البدع، مما يدل على شدّة حرصه على حفظ الأمة من هذا الوباء.
وقد ورد في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في صحيح مسلم، أن النبي ﷺ قال:
> “ما بعث الله من نبيٍّ قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحابٌ يأخذون بسنته ويهتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.”
فالخلوف ضدّ السلف، والسلف مدح، والخلف ذمّ.
هؤلاء الخلوف هم أصحاب البدع الذين يقولون ما لا يفعلون، ويعملون بما لم يُؤمروا به.
ثم قال ﷺ:
> “فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل.”
فهذا الحديث أيضًا دعمٌ قويٌّ لحديث الافتراق، إذ يبيّن أن البدع سببٌ في اختلاف الأمة وهلاكها.
وفي الوقفة الخامسة، نذكر حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين، قال ﷺ:
> “إن الله يقول لآدم يوم القيامة: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك. فيقول: أخرج بعث النار.
فيقول: وما بعث النار؟
قال: من كل ألفٍ تسعمائةٍ وتسعةٌ وتسعون.
قال ﷺ: فذاك يومٌ يشيب فيه الصغير، وتضع كل ذات حملٍ حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد.”
فاشتدّ الأمر على الصحابة حتى بكى بعضهم، فخرج إليهم النبي ﷺ فقال:
> “إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة.”
قالوا: الحمد لله.
قال: “بل ثلث أهل الجنة.”
قالوا: الحمد لله.
قال: “بل والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة.”
ثم قال ﷺ:
> “ما أنتم في الناس إلا كالشعرة البيضاء في جلد ثورٍ أسود.”
فانظر كيف أن الحديث يبيّن أن الناجين قليلون جدًّا، وهذا يوافق حديث الافتراق:
فرقةٌ واحدة ناجية، والباقون هالكون.
أما الوقفة السادسة والأخيرة، فنقول:
منهجنا كأهل السنة أن نقدِّم الدليل على العقل، كما قال الإمام أحمد رحمه الله:
> “لأن أعمل بالحديث الضعيف أحبّ إليَّ من أن أعمل بعقلي.”
هذا هو منهجنا.
فنقول في الختام:
إن اختلاف المناهج هو سبب البَون الشاسع بين الجماعات الإسلامية.
يظن بعضهم أن الخلاف فقط في القَبْض والإرسال، أو في الاحتفال بالمولد، ونحوها، وهذه أمور بسيطة،
لكن الخلاف الحقيقي بين الجماعات الإسلامية – في بوركينا وغيرها – هو في الأساسيات والمناهج والعقائد، وهذا هو الخلاف العميق.
ومع ظهور العلم بإذن الله تعالى، سيتبيّن أن هذا الخلاف كبير، وأن الحاجة إلى وحدة الأمة تتطلب عملًا جادًّا لمعالجة الجذور وجمع الناس على الحق.
قال تعالى:
> ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
فأختم قائلًا:
إن العدد المذكور في الحديث قد يُذكر في اللغة العربية ولا يُراد به العدد بعينه.
فـ “73” – والله أعلم – قد يكون النبي ﷺ ذكره من باب المبالغة في التكثير، كما في قوله تعالى في سورة التوبة:
> ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾
قال كثيرٌ من المفسرين: إن “السبعين” هنا ليست عددًا محددًا، بل المراد المبالغة، أي مهما بالغت يا محمد في الاستغفار لهم فلن يُغفر لهم.
ومثل ذلك قوله تعالى في شأن اليهود:
> ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾
فليس المراد مرتين فقط، بل المراد التكرار، أي كلما انتهى فسادهم عادوا إلى فسادٍ جديد.
وكذلك قوله تعالى:
> ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾
أي مرارًا، وليس مرتين فقط.
وكذا قولنا في التلبية: “لبيك اللهم لبيك”، فالتثنية هنا للاستمرار في التلبية، لا لتحديد العدد.
إخواني في الله، وأخواتي في الله، ما أردتُ بهذا إلا بيان الحقيقة وموقف أهل السنة والجماعة من هذا الحديث.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبّل منا صالح العمل، ويتجاوز عن سقطاتنا.
بارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
✍️ *قام بتفريغه أبو العز عبد العزيز الضابي*