26/08/2026
من المصطلحات التي تبدو، للوهلة الأولى، أكثر تعقيدًا مما هي عليه في أصلها، مصطلح "الأمر المطلق" عند إيمانويل كانط. فكثيرًا ما يرد هذا المصطلح في كتب الأخلاق والفلسفة القانونية مقرونًا بصيغ مجردة عن الواجب والعقل والقانون الكلي. غير أن الفكرة التي تقف وراءه تبدأ من مسألة بسيطة نسبيًا:
إذا أردنا أن نصف فعلًا بأنه أخلاقي، فلا يكفي أن نقول إن صاحبه أراده، أو أنه حقق منفعة، أو أن المجتمع استحسنه. لا بد من مبدأ يمكن أن يتجاوز رغبات الفرد وظروفه الخاصة.
ولهذا جاءت الصيغة الأشهر عند كانط:
اعمل فقط وفق القاعدة التي تستطيع في الوقت نفسه أن تريد لها أن تصبح قانونًا كليًا.
وفي صيغة أخرى: تصرف كما لو كانت القواعد التي تختارها لأفعالك ستصبح في الوقت نفسه قانونًا عامًا.
ويعرض جيلبرت ليونغ هاتين الصيغتين في مقاله المنشور على منصة Critical Legal Thinking في 13 آب/أغسطس 2026، قبل أن ينتقل منهما إلى سؤال أوسع يتعلق بطبيعة القانون والحرية والسلطة.
لفهم الفكرة، يمكن أن نبدأ بمثال بسيط. قد يرى شخص أنه يجوز له الكذب متى كان الكذب مفيدًا له. كانط يطلب منه أن يتصور القاعدة التي اعتمدها وقد أصبحت قاعدة عامة. ماذا يحدث إذا أصبح من المقبول أن يكذب كل إنسان حين يجد في الكذب منفعة؟ في هذه الحالة تفقد الوعود والعهود كثيرًا من معناها، لأن الثقة التي تجعل الكذب نفسه ممكنًا تكون قد انهارت. وهكذا يكشف تعميم القاعدة عن تناقض فيها.
ليس المهم هنا المثال نفسه بقدر ما هو طريقة التفكير. الأخلاق عند كانط لا ينبغي أن تقوم على المزاج، ولا على المصلحة الآنية، ولا على اختلاف رغبات الأفراد. المطلوب مبدأ يستطيع العقل أن يعترف به على أنه صالح للجميع.
ومن هنا تصل المسألة إلى الحرية.
فالإنسان، لكي يكون مسؤولًا أخلاقيًا، يجب أن يكون قادرًا على الاختيار. إذا كانت أفعاله مجرد نتيجة آلية لأسباب طبيعية لا يستطيع الخروج عليها، فلن يكون للمدح واللوم معنى كبير. الحجر يسقط بفعل الجاذبية، ولا نسأله إن كان سقوطه أخلاقيًا أو غير أخلاقي. الإنسان مختلف لأننا نفترض أنه يستطيع أن يفعل شيئًا، وأن يمتنع عنه، وأن يختار بين إمكانات متعددة.
لهذا يجعل كانط الحرية في قلب فلسفته الأخلاقية. لا يمكن للقانون الأخلاقي أن يخاطب كائنًا لا يستطيع أن يتصرف على نحو آخر. ولا معنى للأمر: "يجب عليك"، إذا كان المخاطَب غير قادر أصلًا على أن يختار.
غير أن هذه العلاقة بين الحرية والقانون تحمل مفارقة واضحة. فالحرية تبدو في الاستعمال العادي كأنها غياب القيود، بينما يظهر القانون الأخلاقي عند كانط في صورة إلزام شديد. الإنسان حر، ومع ذلك يجد نفسه أمام واجب لا يستمد قوته من رغبته، ولا من مصلحته، ولا من خوفه من العقوبة.
وهنا تبدأ إحدى أهم المشكلات التي يتناولها مقال ليونغ.
هل الأمر المطلق قاعدة بلا مضمون؟
من أشهر الاعتراضات على أخلاق كانط أنها أخلاق شديدة الصورية. فالأمر المطلق يخبرنا بالشكل الذي ينبغي أن تكون عليه القاعدة الأخلاقية. يجب أن تكون قابلة للتعميم. لكنه لا يعطينا، في ظاهره، قائمة محددة بما ينبغي أن نفعله في كل ظرف.
وهذا ما دفع هيغل إلى الحديث عن "الصورية الفارغة". فإذا أفرغنا القانون الأخلاقي من كل مضمون اجتماعي وتاريخي، فمن أين تأتي الأحكام الفعلية التي نستخدمها في حياتنا؟
المشكلة تصبح أوضح حين ننظر إلى الأمثلة التي استعملها كانط نفسه. فقد استنتج من الأمر المطلق واجبات تتعلق بالكذب والانتحار واستعمال الإنسان لمواهبه. لكن بعض هذه الأمثلة يعكس أيضًا أفكارًا أخلاقية واجتماعية كانت سائدة في زمنه. ويشير مقال ليونغ، مثلًا، إلى أحد أحكام كانط الذي يحمل نظرة متعالية إلى سكان جنوب المحيط الهادئ، وهو ما يفتح الباب أمام الاعتراض القائل إن المضمون لم يخرج من الشكل العقلي الخالص وحده، وإنما دخلت إليه افتراضات ثقافية سابقة.
أدورنو ذهب أبعد من ذلك. فقد رأى أن فلسفة كانط تبدأ من الحرية، لكنها قد تنتهي إلى إخضاع الإنسان للواجب إلى درجة تكاد تضيق فيها مساحة الاختيار. فالإنسان مطالب بأن يتبع القانون الذي يمليه العقل، حتى يبدو وكأن الحرية التي بدأ منها كانط قد تحولت إلى طاعة.
ويظهر نقد قريب من هذا في الفكر القانوني النقدي عند كوستاس دوزيناس وروني وارينغتون. فحين تتحول الصورية القانونية إلى غاية في ذاتها، يصبح من السهل افتراض أن احترام الشكل القانوني يكفي لتحقيق العدالة. وهنا يقع الخلط بين القانونية والعدالة. قد يكون القرار صحيحًا من الناحية الإجرائية، ومع ذلك يكون ظالمًا في مضمونه.
هذه ملاحظة مهمة في دراسة القانون. فالتاريخ مليء بأنظمة قانونية تمتعت بدرجة كبيرة من التنظيم والصياغة والإجراءات، دون أن يجعلها ذلك عادلة. القانون لا يصبح أخلاقيًا لمجرد أنه اتخذ صورة القانون.
ولكن ماذا لو كان الفراغ مصدرًا للقوة؟
المثير في مقال ليونغ إنه يقترح قراءة أخرى. ماذا لو كان غياب المضمون عن الأمر المطلق جزءًا من قوته؟
فالقاعدة الأخلاقية الكانطية لا تعد الإنسان بمكافأة، ولا تهدده بعقوبة، ولا تقول له إن الالتزام سيجلب له السعادة. إنها تطالبه بالفعل لأنه واجب. وهذا يجعلها مختلفة عن الأمر الشرطي الذي يقول: إذا أردت النتيجة "س"، فعليك أن تفعل "ص".
في الأمر المطلق لا توجد عبارة "إذا أردت". الأمر قائم بذاته.
ومن هذه النقطة ينتقل المقال إلى سلافوي جيجك وقراءته للاكانية، ثم جورجيو أغامبن وجان لوك نانسي.
والفكرة التي تجمع هذه القراءات ليست أن هؤلاء الفلاسفة يقولون الشيء نفسه، وإنما أنهم يضعوننا أمام صورة غريبة للسلطة. قد تكون القاعدة أقوى حين لا نستطيع تحديد مركزها أو مضمونها تحديدًا كاملًا.
عند جيجك تظهر فكرة "الآخر الكبير". النظام الرمزي الذي نتصرف كما لو أنه موجود ويراقب ويمنح القواعد معناها. وقد لا يكون لهذا "الآخر" وجود مادي مستقل، ومع ذلك تبقى سلطته حاضرة لأن الناس يتصرفون على أساس وجوده. وفي هذه النقطة يقارن ليونغ بين هذا البناء وبين القانون الأخلاقي الكانطي. القانون يعمل حتى حين لا يكون مضمونه معطى سلفًا بصورة كاملة.
هذه الفكرة تحمل وجهًا مقلقًا. فالقانون الذي لا نعرف حدوده قد يصبح أكثر إخافة من القانون الواضح. الإنسان يستطيع أن يتعامل مع قاعدة معلنة؛ يعرف ما تسمح به وما تمنعه. أما حين يكون الإنسان داخل نظام يشعر فيه دائمًا بأنه قد يكون مذنبًا، من غير أن يعرف بدقة أي قاعدة انتهك، فنحن أمام شكل مختلف من السلطة.
ولهذا يستدعي المقال قصة كافكا القصيرة "أمام القانون".
يقف الرجل القادم من الريف أمام باب القانون، والباب مفتوح، ومع ذلك لا يدخل. لا يحتاج القانون في هذه الحالة إلى جدار حقيقي. تكفي سلطة الباب والحارس وانتظار الإذن. يصبح الإنسان جزءًا من القانون وفي الوقت نفسه مستبعدًا منه.
وعند أغامبن تتخذ هذه الفكرة صورة "القانون النافذ من دون دلالة"؛ قانون حاضر بقوته، حتى حين يصبح من الصعب تحديد ما يأمر به فعلًا.
هنا تظهر خطورة الصورية. فالفراغ لا يعني دائمًا الضعف. أحيانًا يسمح الفراغ للسلطة بأن تتمدد، لأن الحدود التي كان يمكن أن تقيدها لم تعد واضحة.
القانون لا يخاطب إلا الحر
لكن جان لوك نانسي يفتح طريقًا آخر للقراءة.
إذا كان الإنسان غير حر، فلا حاجة أصلًا إلى قانون أخلاقي يخاطبه. الطبيعة لا تحتاج إلى أوامر أخلاقية لكي تعمل وفق قوانينها. النار لا تختار أن تحرق، والماء لا يقرر أن يتجه إلى الأسفل.
الإنسان وحده هو الذي يمكن أن يقال له: كان بإمكانك أن تفعل غير ما فعلت.
ولهذا يصبح وجود القانون الأخلاقي مرتبطًا بوجود الحرية. القانون يخاطب الإنسان لأنه يستطيع مخالفته. ومن المفارقات أن إمكانية العصيان ليست نقيضًا للقانون الأخلاقي، وإنما شرط لوجوده.
في هذه القراءة لا يكون القانون خصمًا خارجيًا للحرية. القانون والحرية ينشآن داخل علاقة واحدة. الحرية تجعل المخالفة ممكنة، وإمكان المخالفة يجعل القانون ضروريًا.
وهنا تخرج المسألة من حدود الأخلاق الفردية إلى فلسفة القانون.
من كانط إلى كلسن
في الجزء الأخير من المقال تظهر مقارنة لافتة مع النمساوي هانس كلسن ونظريته في القاعدة الأساسية، أو Grundnorm
كان كلسن يريد تفسير وحدة النظام القانوني. فكل قاعدة تستمد صلاحيتها من قاعدة أعلى منها. القرار الإداري يستند إلى القانون، والقانون يستند إلى الدستور. لكن هذه السلسلة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. في النهاية نصل إلى قاعدة لا تستمد صحتها من قاعدة أعلى.
هذه هي القاعدة الأساسية.
المشكلة أن القاعدة الأساسية ليست مادة دستورية موجودة في وثيقة نستطيع فتحها وقراءتها. إنها افتراض يحتاجه النظام القانوني لكي يستطيع تفسير نفسه كنظام متماسك.
وهنا تظهر عبارة "كما لو"
نحن نتصرف كما لو كانت هذه القاعدة الأساسية موجودة. ويستحضر ليونغ في هذا السياق هانس فايهنغر وفلسفته الشهيرة في "كما لو"، التي تقوم على أن الفكر الإنساني يحتاج أحيانًا إلى افتراضات نعلم أنها ليست أشياء مادية قائمة في الواقع، لكننا لا نستطيع الاستغناء عنها في تنظيم معرفتنا.
وهذا يقرب كلسن، بطريقة غير متوقعة، من كانط.
فكانط يقول: تصرف كما لو كانت القاعدة التي تحكم فعلك ستصبح قانونًا كليًا.
وكلسن يحتاج، لفهم النظام القانوني، إلى قاعدة نفترضها كما لو كانت الأساس الذي يمنح بقية القواعد وحدتها.
ليست المقارنة هنا بين الأخلاق والقانون الوضعي من حيث المضمون. المقارنة تقع في مستوى أعمق، يتعلق بالطريقة التي يعمل بها الفكر القانوني والأخلاقي. أحيانًا نحتاج إلى افتراض لا نستطيع إثبات وجوده كشيء واقعي، لكن من دونه لا نستطيع بناء النظام الذي نفكر من خلاله.
من أساس القانون إلى علاقاته
من أجمل التحولات التي يقترحها المقال أنه يدعونا إلى تخفيف انشغالنا بالسؤال التقليدي: ما أساس القانون؟
السؤال الأهم هو: في أي علاقة يوجد القانون؟
القانون والحرية علاقة.
القانون والسيادة علاقة.
القانون والطاعة علاقة.
القانون والاستثناء علاقة
وحين ننظر إلى المسألة بهذه الطريقة، قد لا يكون للقانون "أساس" ثابت نصل إليه في نهاية البحث. قد يكون الأساس نفسه شبكة من العلاقات التي لا يستطيع أحد أطرافها أن يوجد بالمعنى نفسه من دون الآخر.
وهنا تتغير قراءة الأمر المطلق. لا يعود مجرد اختبار مدرسي نسأل بواسطته إن كان الفعل قابلًا للتعميم. يصبح مدخلًا إلى مشكلة أوسع.
لماذا يحتاج الإنسان الحر إلى القانون أصلًا؟ وكيف يستطيع القانون أن يكون ضروريًا من غير أن يكون كل قانون عادلًا؟
هذه التفرقة الأخيرة شديدة الأهمية.
القول بضرورة وجود القانون لا يعني إعطاء الشرعية لكل قانون قائم. فالقانون قد يكون ضروريًا لتنظيم العلاقات الإنسانية، ومع ذلك تبقى القواعد التي يتكون منها قابلة للنقد والتغيير والرفض. ويشدد ليونغ في خاتمة مقاله على الفصل بين ضرورة القانون من حيث الشكل وبين مضمونه التاريخي المتغير. ضرورة القانون لا تصحح تلقائيًا أي تشريع معين.
وهذا يعيدنا، بعد رحلة طويلة عبر كانط وهيغل وأدورنو وجيجك وأغامبن ونانسي وكلسن، إلى نقطة أساسية.
نحن نحتاج إلى القانون، لكن حاجتنا إليه لا تعفينا من نقده.
ونحتاج إلى قواعد عامة، لكن عموم القاعدة لا يكفي وحده ليجعلها عادلة.
ونحتاج إلى الحرية لكي يكون للواجب معنى، لكن الحرية نفسها تجعل العصيان ممكنًا.
وفي هذه العلاقة تبقى المشكلة مفتوحة. القانون يحتاج إلى الحرية حتى يستطيع أن يأمر، والحرية تكشف دائمًا أن الإنسان يستطيع أن يقول للقانون: لا.
ربما لهذا بقي "الأمر المطلق" حيًا في الفلسفة بعد أكثر من قرنين من صياغته.
..........
جميل سالم (مراجعة مفهوم)، الأمر المطلق عند كانط: من الحرية إلى ضرورة القانون، 25 آب/أغسطس 2026.
المرجع
Gilbert Leung. “Immanuel Kant: Categorical Imperative.” Critical Legal Thinking, August 13
الرابط في التعليق.