23/03/2026
أسماء سور القرآن ومقاصدها | لكل سورة اسمان أو عنوانان:
لكل سورة اسمان أو عنوانان يعبّران عن محتوياتها بطريقتين مختلفتين. الاسم الأول هو اسم السورة، ويشير إلى الإطار الجامع الذي يضم موضوعات السورة في بناء متكامل ومتناسق حول مقصدها. أما العنوان الثاني فهو مقصد السورة، وهو الموضوع الرئيسي الذي تتضافر حوله جميع آياتها في نسيج بديع متجانس ومتكامل يشمل القصص والأمثال والآيات وأمور الهداية والدّين. فعلى سبيل المثال، في سورة البقرة، تُعَد قصة ذبح البقرة الإطار الأمثل الذي يعبر بوضوح عن سهولة أمر الله وبساطة هداه، مقارنة بكثرة جدال اليهود وتحايلهم على الهدى والتشريع، بينما يمثل مقصدها العنوان الرئيس الذي تدور حوله محتوياتها، وهو بيان طريق الهدى.
سميت بعض السور باسم واحد، وبعضها بأسماء متعددة، كما سُميت سور عديدة باسم واحد، مثل: "الحواميم"، و"الرائيات"، و"آلم". ويمثل تعدد أسماء السور جانبًا آخر من جوانب إعجاز القرآن الكريم، إذ يدل على غزارة معانيه واتساعها؛ فبإمكان القارئ تدبر مقاصد السور التي تحمل أكثر من اسم من خلال سياقات متعددة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك سورة الفاتحة، فلها خمسة وعشرون اسماً، ومقصدها الأساسي هو الثناء والدعاء وطلب الهداية. ويمكننا استيعاب مقصدها العظيم من خلال تعدد السياقات التي تتناسب مع كثرة أسمائها؛ فمن أسمائها "فاتحة الكتاب" و"فاتحة القرآن"، وهذا يتناسب مع قراءة آياتها كأنها الفقرة الأولى في الكتاب العظيم (القرآن). ومن أسمائها "القرآن العظيم"، وهذا يتناسب مع موضوعاتها ومحتواها الذي يشمل معاني القرآن كلها. ومن أسمائها "الحمد"، فتُقرأ آياتها على خلفية أنها محامد رب العالمين. ومن أسمائها "الصلاة"، فتقرأ في سياق توقف الصلاة عليها، مستدلّين بالحديث: "قُسِّمَت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين". وهكذا يمكننا تدبر السورة من عدة سياقات. كما أن كثرة الأسماء دليل على غزارة المعاني وشرف المسمى. ومن أسمائها أيضاً: "النور"، و"الشكر"، و"الراقية"، و"الشفاء"، و"الشافية"، و"الدعاء"، وقد أوضحتُ ذلك في مدونتي: "تسهيل فهم وتدبر القرآن".
معنى كلمة "السورة" هو: الجمع والإحاطة لآياتها كما يسمّى سور البيت لإحاطته بالمنزل، ومعناها الإبانة والإرتفاع لإمكان رؤية كل ما دونها. وأسماء السور ثابتة بوحي من الله تعالى وبالأحاديث والآثار النبوية، ويُنسب بعضها إلى اجتهاد الصحابة. وكثرة الأسماء دليل على غزارة معاني السورة وعِظَم مقصدها، وهو وجه آخر من وجوه إعجاز القرآن، فالاسم له شأن عظيم لأهميته في التعريف والبيان والتعليم، وقد ميّز الله به الإنسان بقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا (31)} البقرة. وينطبق هذا على القرآن الكريم، فقد سمّاه الله تعالى بخمسة وخمسين اسماً ذكرت صراحة في القرآن، وكلها تتضافر وتتناسب مع بيان مقصده العظيم، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم، وبذلك يُقرأ ويُفهم القرآن من خمسة وخمسين زاوية أو اتجاه مختلف. ومن أسمائه: كلام الله، ونور، ومبين، وهدى، ورحمة، وشفاء، ومثاني، وبصائر، وغيرها؛ وينشأ عن كل اسم سياق بياني مختلف يُقرأ من خلاله القرآن، مما يثري معانيه ومقاصده حول الهداية ويوسّع مجالات المعرفة لتشمل حاجات الإنسان ومدركاته: العقل والقلب والجوارح. وقد ركزت في مدونتي "تسهيل فهم وتدبّر القرآن" على إظهار سياق القرآن باعتبار أسمائه؛ فهوَ هدى ورحمة للمؤمنين في قوله تعالى: {هدى ورحمة للمؤمنين}، وهو أحسن القصص في قوله: {أحسن القصص}، وهو أحسن الحديث ومثاني ومتشابه في قوله: {الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني}، وأشرت إلى سياقات أخرى حسبما اقتضاه الشرح والبيان.
إن علم الأسماء بحر واسع لا تُدرَك شواطئه. يشمل هذا العلم أسماء الله وصفاته التي أثبتها لنفسه في القرآن، والتي تُعدّ الطريق إلى معرفته عز وجل. كما يشمل علم أسماء جميع المخلوقات كالبحار والجبال والحيوانات، وكذلك أسماء الناس التي تحمل في اللغة العربية دلالات عديدة، ومن ذلك الاعتقاد بأن لكل إنسان من اسمه نصيبًا. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتفاءل بالأسماء الحسنة ويُغيّر القبيحة. ومن السنة أن يختار الأب لولده الاسم الحسن، وربما كان هذا من معاني قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا (31)} البقرة، وهذه ميزة خصّ الله بها الإنسان عن سائر المخلوقات، حيث علّمه البيان وأن لكل شيء اسمًا يدل على محتواه وصفاته وترابط أجزائه. لهذا السبب: كثرت أسماء القرآن، وأسماء سوره وأوصافه، للدلالة على عظمته وكماله، وإحاطته بالمعاني والأفهام. والله أعلم.
اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علمًا إنك أنت العليم الحكيم.
لكل سورة اسمان أو عنوانان يعبّران عن محتوياتها بطريقتين مختلفتين. الاسم الأول هو اسم السورة، ويشير إلى الإطار الجامع الذي يضم موضوعات السورة في بناء متكامل و...