19/05/2025
# Academy #
الصمت ، تلك اللغة التي لا تُدرَّس في المدارس ، ولا تُكتب في القواميس ، ولا تُترجمها الحروف ، ومع ذلك يفهمها الجميع بشكل مختلف..
إنّه سلاح غامض ، قد يُطلق شرارة الحرب ، أو يُخمد نيرانها..
تارة يكون درعًا منيعًا يحمي صاحبه ، وتارة يكون قيدًا يكبّل صوته..
فهل الصمت قوّة؟ أم هو ضعفٌ متوارٍ خلف ستار الوقار؟
في وجه الغضب يُقال إن الصامت حكيم يمتلك زمام نفسه ، يختار أن لا يُنزل كلماته إلى ساحة المعركة ، لأنّه يدرك أن بعض المعارك تُخاض بالفكر لا باللسان..
في هذه الحالة الصمت قُوّة ، بل نوع من الإنتصار الصامت ، فليس كل من صاح أو زمجر كان قويًّا ، وليس كل من سكت كان عاجزًا..
أحيانًا لا ينطق الإنسان لأنه فوق مستوى ما يُقال ، لا تحقيرًا لأحد ، بل حفاظًا على وقاره..
غير أنّ الصمت ليس دائمًا بطولة ، حين يصمت المرء عن الحق خوفًا ، أو عن الظلم جبنًا ، فإنّ صمته يصبح شكلًا من أشكال الخيانة لنفسه وللحق..
وهنا يتحوّل الصمت إلى ضعف ، وربما إلى ذلّ ، فالصوت أمانة ، وإنكار الباطل حتى بأضعف الإيمان لا يكون بالصمت المتخاذل ، بل بالسكوت الحكيم الذي يتبعه فعل..
ولعلّ أبلغ أنواع الصمت ذاك الذي نحمله في أعماقنا ، حين لا نجد من يفهمنا ، أو حين نُرهَق من الشرح فنلوذ إلى الداخل ، نحاور أنفسنا بصمت ، ونشكو إلى الله ما في قلوبنا من همّ وهمس..
إنّ هذا الصمت الداخلي ليس هروبًا ، بل هو لحظة نقاء نرتّب فيها أفكارنا ، ونعيد فيها ترتيب قلوبنا ، ونكتشف فيها أننا نملك من القوّة ما يكفي لنتجاوز دون ضجيج..
الصمت في بعض الأحيان لا يعني اللامبالاة ، بل يعني أن صاحبه رأى كثيرًا ، وفهم كثيرًا ، فلم يعد بحاجة للكلام..
وهناك من يصمت لأنه يعرف أن لا فائدة تُرجى من الحديث ، أو لأنّه أدرك أن الزمن وحده كفيل بالرد ، وأن الصبر أبلغ من كل احتجاج..
علينا أن نتعلّم فن الصمت ، لا بوصفه انسحابًا بل وعيًا..
وأن نُحسن التمييز متى يكون الصمت حكمة ، ومتى يكون خذلانًا؟
متى يكون احترامًا للذات ، ومتى يكون خيانة للحق؟
فالصمت في جوهره ليس غياب الكلام ، بل حضور المعنى دون ضوضاء.....