23/10/2013
بند 7- أحكام التزام
المبحث الأول
موضوع التنفيذ العيني
عرفنا في دراستنا السابقة أن الالتزام إما أن يكون التزام بعمل أو بامتناع عن عمل أو بإعطاء, ويختلف موضوع التنفيذ بحسب نوع الالتزام, وذلك على التفصيل الآتي:
أولاً- التنفيذ العيني للالتزام بعمل:
إذا التزم المدين القيام بعمل معين سواء كان التزاماً ببذل عناية أو بتحقيق نتيجة, فإنه يجب عليه الوفاء به عيناً, فالوفاء بالالتزام ببذل عناية يكون بقيام المدين ببذل عناية الشخص المعتاد م 344 مدني يمني, والوفاء بالتزام بتحقيق نتيجة يكون بقيام المدين بتحقيق تلك النتيجة.
وتنفيذ الالتزام بعمل يختلف بحسب طبيعة العمل الذي يلتزم به المدين, وذلك على النحو الآتي:
الحالة الأولى:
وهي الحالة التي تكون فيها شخصية المدين محل اعتبار للدائن, فهو عندما أبرم الاتفاق مع المدين قصد الاستفادة من خبرة المدين وشهرته, كما في الاتفاق الذي يبرمه شخص مع رسام مشهور لرسم لوحة فنية, وكذا الاتفاق الذي يبرمه شخص مع محام مشهور للدفاع عنه في قضية معينة, وكذا الاتفاق الذي يبرمه شخص مع بنَّاء مشهور لبناء بيت للسكن, ففي هذه الأمثلة تصبح شخصية المدين محل اعتبار لدى الدائن, ولولا الشهرة أو الخبرة التي يحظى بها المدين لما أبرم معه الدائن الاتفاق, وبالتالي فإن التنفيذ العيني لمثل هذه الالتزامات يحتاج إلى تدخل المدين شخصياً للقيام بها, وبالتالي فلا يملك القاضي أن يحكم على المدين بوجوب تنفيذ التزامه, لما في ذلك من مساس بحرية المدين الشخصية.
وإذا عرض المدين الذي شخصيته محل اعتبار التنفيذ عن طريق شخص آخر, فللدائن أن يرفض ذلك, وقد قضت المادة (343 مدني يمني) بأنه: «في الالتزام بعمل, إذا كان الطرفان قد اتفقا على أن يقوم الملتزم بنفسه بالعمل, أو كانت طبيعة العمل تستلزم ذلك؛ فإن لصاحب الحق أن يرفض الوفاء بالالتزام من غير الملتزم نفسه».
أما إذا أسقط الدائن الاعتبارات الشخصية في الالتزام, بأن قبل الدائن التنفيذ من شخص آخر, كما لو قبل الدائن تنفيذ الالتزام برسم اللوحة على يد أي رسام مثلاً, أو قبل الدائن تنفيذ الالتزام بالدفاع عنه في القضية من قبل أي محام, أو قبل الدائن تنفيذ الالتزام ببناء بيت على يد أي بناء, فله ذلك, ويجب على القاضي في هذه الحالة أن يحكم بالتنفيذ العيني على نفقة المدين.
أما إذا تمسك الدائن بالاعتبارات الشخصية, وطالب بإلزام المدين بالتنفيذ العيني, ولم تُجد الغرامة التهديدية نفعاً في حمل المدين على الوفاء بالتزامه؛ فلا يكون أمام القاضي إلا الحكم بالتعويض, وهو التنفيذ بمقابل.
الحالة الثانية:
وهي الحالة التي لا تكون فيها شخصية المدين محل اعتبار, فالدائن حينما أبرم الاتفاق مع المدين لم يقصد الاستفادة من شهرة المدين أو خبرته, فيستوي لديه أن يقوم المدين بالتنفيذ العيني أو أن يقوم به غيره, ففي هذه الحالة يحق له أن يطلب من القاضي الحكم له بالتنفيذ العيني على نفقة المدين, ويجوز له التنفيذ على نفقة المدين دون حاجة إلى استصدار حكم من القضاء وذلك في حالة الضرورة.
وفي ذلك قضت المادة (342 مدني يمني) بأنه: «في الالتزام بعمل, إذا امتنع الملتزم عن التنفيذ كان للقاضي أن يرخص لصاحب الحق بتنفيذ الالتزام على نفقة الملتزم, متى كان التنفيذ ممكناً. ويجوز في حالة الاستعجال للضرورة أن ينفذ صاحب الحق الالتزام على نفقة الملتزم دون ترخيص من القضاء، ويكون لصاحب الحق في الحالتين السابقتين الرجوع على الملتزم بما أنفقه والتعويض عما أصابه من ضرر».
الحالة الثالثة:
وهي الحالة التي يقوم فيها حكم القاضي مقام التنفيذ من المدين, ومثال ذلك: التزام المدين بتسجيل عقد البيع, فإذا رفض المدين القيام بهذا العمل, فإن حكم القاضي بصحة البيع يقوم مقام التسجيل, وفي هذه الحالة يغني الحكم عن أي إجراء آخر, وفي ذلك نصت المادة (342 مدني يمني) في عجزها على أنه: «وإذا كان حكم القاضي النافذ يفي بالغرض فيكتفى به دون أي إجراء آخر».
ثانياً- التنفيذ العيني للالتزام بامتناع عن عمل:
إن التزام المدين بامتناع عن عمل يستلزم منه الامتناع عن ذلك العمل, وبالتالي فإن تنفيذ الالتزام بالامتناع عن عمل في حالة الإخلال به من قبل المدين لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى:
وفي هذه الحالة يكون تنفيذ الالتزام عينياً عن طريق الإزالة, وذلك في الحالات التي تسمح فيها طبيعة الالتزام بذلك, ومثاله: التزام الشخص الذي باع محلاً تجارياً بالامتناع عن المنافسة بفتح محل منافس للمشتري يمارس نفس النشاط في نفس الشارع, فإذا كان البائع قد فتح هذا المحل؛ فإن تنفيذ الالتزام يكون عن طريق إغلاق هذا المحل. ومثاله: التزام المالك بعدم التجاوز في أملاك جاره, فإذا كان المالك قد تجاوز فإن تنفيذ الالتزام في هذه الحالة يكون عن طريق إزالة هذا التجاوز, وبطلب من الدائن, وفي ذلك نصت المادة (345 مدني يمني) على أنه: «في الالتزام بالامتناع عن عمل, إذا أخل الملتزم بذلك كان لصاحب الحق أن يطلب إزالة ما وقع مخالفاً لحقه».
وتتم هذه الإزالة بحكم قضائي صادر من محكمة مختصة, ويرى الفقه القانوني أنه لا يجوز لصاحب الحق في حالة الضرورة التنفيذ بالإزالة بنفسه على نفقة المدين, كما في حالة الالتزام بعمل, وذلك للمفاسد التي قد تترتب على ذلك, ومنها الإخلال بالأمن والسكينة العامة في المجتمع.
ونرى أنه ليس للقاضي أن يرخص للدائن بالتنفيذ بالإزالة بنفسه على نفقة المدين سواء في حالة الضرورة أو في الحالة العادية, وذلك لما قد يترتب على ذلك أيضاً من إخلال بالأمن والسكينة في المجتمع.
وبالتالي فإن الحكم الوارد في عجز المادة (345 مدني يمني), والتي أعطت للدائن الحق في طلب الترخيص من القضاء بالإزالة والقيام بها بنفسه على نفقة المدين, حكم معيب, ونقترح حذف هذه الفقرة في التعديلات القادمة.
الحالة الثانية:
وفي هذه الحالة يكون تنفيذ الالتزام عن طريق التعويض لأن طبيعة الالتزام لا تسمح بالتنفيذ العيني, فالالتزام بعدم إفشاء الأسرار, الذي يلتزم به الطبيب تجاه مرضاه, ويلتزم به البنك تجاه عملائه, ويلتزم به العامل تجاه رب العمل, مثل هذه الالتزام إذا أخل المدين به, فلا يمكن تنفيذه عينياً بعد ذلك عن طريق الإزالة, لأن السر إذا خرج ذاع, ولا يكون أمام القاضي إلا الحكم بالتعويض للدائن المضرور.
يتبع التنفيذ العيني للالتزام بإعطاء