منتدى الفكر والدعوة -فداء

منتدى الفكر والدعوة -فداء Contact information, map and directions, contact form, opening hours, services, ratings, photos, videos and announcements from منتدى الفكر والدعوة -فداء, Educational Research Center, Istanbul.

الهجرة النبوية: رسالة متجددة لحفظ الهوية الإسلاميةد سامح الجبةمقدمةتُعد الهجرة النبوية من أعظم الأحداث في تاريخ الإسلام،...
18/06/2026

الهجرة النبوية: رسالة متجددة لحفظ الهوية الإسلامية
د سامح الجبة
مقدمة
تُعد الهجرة النبوية من أعظم الأحداث في تاريخ الإسلام، ليس لأنها مثّلت انتقالًا جغرافيًا من مكة إلى المدينة فحسب، بل لأنها جسّدت نموذجًا عمليًا للحفاظ على العقيدة والهوية الإسلامية في مواجهة محاولات الإقصاء والتشويه والاستئصال. وقد شكّلت الهجرة نقطة تحول في مسيرة الدعوة الإسلامية، حيث انتقلت من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين، ومن حالة الاضطهاد إلى بناء مجتمع يحمل رسالة الإسلام ويحافظ على خصائصه وقيمه.
وفي ظل ما تتعرض له الهوية الإسلامية اليوم من تحديات فكرية وثقافية وإعلامية، تبرز الهجرة النبوية باعتبارها رسالة متجددة تقدم للأمة دروسًا عملية في الثبات على المبادئ، وصيانة الهوية، والتفاعل الإيجابي مع المتغيرات دون التفريط بالثوابت.
أولًا: مفهوم الهوية الإسلامية وأهميتها:
الهوية الإسلامية هي مجموعة الخصائص العقدية والقيمية والأخلاقية والحضارية التي تميز الأمة الإسلامية، وتجعلها محافظة على شخصيتها المستقلة المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية.
وتنبع أهمية الهوية الإسلامية من كونها:
مصدر الانتماء والاعتزاز بالدين، والضامن لوحدة الأمة رغم اختلاف الأعراق واللغات، والحصن الذي يحفظ المجتمع من الذوبان في الثقافات المخالفة، والأساس الذي تقوم عليه نهضة الأمة ورسالتها الحضارية
ومن هنا كانت المحافظة على الهوية الإسلامية واجبًا شرعيًا وحضاريًا؛ لأن ضياع الهوية يؤدي إلى ضياع الرسالة والقيم والانتماء.
ثانيًا: الهجرة النبوية نموذج لحماية الهوية الإسلامية:
1 ــ الهجرة حفاظًا على العقيدة:
لم تكن الهجرة بحثًا عن مكاسب دنيوية أو مصالح سياسية، وإنما جاءت لحماية الإيمان وتمكين المسلمين من ممارسة شعائرهم بحرية. فقد تعرض المسلمون في مكة لألوان من الاضطهاد بهدف إجبارهم على التخلي عن دينهم، لكنهم صبروا وثبتوا حتى أذن الله لهم بالهجرة. وهذا يدل على أن الحفاظ على العقيدة والهوية مقدم على التعلق بالأوطان والمصالح الشخصية إذا تعارضت مع الثوابت الدينية.
2 ــ الثبات أمام محاولات التشويه:
واجه النبي ﷺ وأصحابه حملات متواصلة من التشويه والسخرية والتضليل، ومع ذلك لم يتنازلوا عن مبادئهم ولم يسعوا إلى إرضاء خصومهم بالتفريط في ثوابت الدين. وهنا يظهر درس مهم للأمة المعاصرة، وهو أن مواجهة حملات التشويه لا تكون بالتخلي عن الهوية، وإنما بالوعي والثقة بالنفس وحسن عرض الإسلام.
3 ــ بناء المجتمع الحافظ للهوية:
بعد الوصول إلى المدينة بدأ النبي ﷺ في تأسيس مجتمع متكامل يحفظ الهوية الإسلامية من خلال:
بناء المسجد ليكون مركزًا للإيمان والتربية، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لترسيخ الوحدة، وإقامة نظام اجتماعي قائم على العدل والتكافل، وتعزيز القيم الأخلاقية والسلوكية الإسلامية، فحفظ الهوية لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل ببناء المؤسسات والقيم التي تدعمها.
ثالثًا: التحديات المعاصرة التي تواجه الهوية الإسلامية
تواجه الهوية الإسلامية اليوم جملة من التحديات، من أبرزها:
1 ــ الغزو الثقافي والفكري:
أدت العولمة والانفتاح الإعلامي إلى تدفق أفكار وأنماط حياة قد تتعارض مع القيم الإسلامية، مما جعل بعض المسلمين يعيشون حالة من الاغتراب الثقافي والانبهار بالآخر.
2 ــ تشويه صورة الإسلام:
تسهم بعض وسائل الإعلام والمنصات المختلفة في ربط الإسلام بالتطرف أو التخلف، الأمر الذي يؤثر في وعي بعض الشباب ويضعف ثقتهم بهويتهم.
3 ــ ضعف الوعي الشرعي:
إن الجهل بالدين وقلة المعرفة بتاريخ الأمة وحضارتها يجعل بعض الأفراد أكثر عرضة للتأثر بالشبهات والأفكار المنحرفة.
4 ــ الذوبان القيمي:
ويتمثل في التخلي التدريجي عن القيم الإسلامية لصالح أنماط سلوكية مستوردة، حتى تصبح المرجعية الثقافية للأفراد بعيدة عن الإسلام.
رابعًا: دروس الهجرة النبوية في حفظ الهوية الإسلامية
1 ــ ترسيخ الانتماء للعقيدة:
علمتنا الهجرة أن الانتماء الأول للمسلم هو لدينه وقيمه، وأن العقيدة هي الأساس الذي تُبنى عليه جميع الانتماءات الأخرى.
2 ــ الجمع بين الثبات والتجديد:
لم تكن الهجرة انعزالًا عن الواقع، بل كانت انتقالًا إلى واقع جديد مع الحفاظ على الثوابت. وهذا يرسخ مبدأ التفاعل مع العصر دون الذوبان فيه.
3 ــ أهمية التربية الإيمانية:
لقد أعد النبي ﷺ جيل الصحابة بالتربية الإيمانية العميقة قبل مرحلة التمكين، مما يؤكد أن حماية الهوية تبدأ من بناء الإنسان.
4 ــ العمل الجماعي والمؤسسي:
أظهرت الهجرة أن حفظ الهوية مسؤولية جماعية تشارك فيها الأسرة والمدرسة والمسجد والمؤسسات الثقافية والإعلامية.
5 ــ الثقة بالمستقبل:
رغم شدة الظروف التي صاحبت الهجرة، ظل النبي ﷺ واثقًا بوعد الله ونصره. وهذه الثقة ضرورة للأمة في مواجهة التحديات المعاصرة.
إن الهجرة النبوية ليست ذكرى تاريخية تُستعاد كل عام فحسب، بل هي مدرسة متجددة تقدم للأمة دروسًا عملية في الحفاظ على هويتها الإسلامية. فقد أثبتت أن قوة الأمة تكمن في تمسكها بعقيدتها وثوابتها، وأن مواجهة التحديات لا تكون بالانسلاخ من الهوية، بل بالوعي بها وتعزيزها وتجديد حضورها في الواقع.
ومن هنا فإن استلهام معاني الهجرة النبوية اليوم يقتضي العمل على ترسيخ الإيمان، وتعميق الانتماء للإسلام، وبناء الأجيال القادرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، حتى تظل الهوية الإسلامية محفوظة وقادرة على أداء رسالتها الحضارية في العالم.
وصلَّ الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين

ملامح النصر وعوامل التمكين في هجرة خاتم المرسليند. رمضان خميسلقد كانت هجرة الرسول ﷺ من مكة المكرمة  إلى المدينة التي نور...
17/06/2026

ملامح النصر وعوامل التمكين في هجرة خاتم المرسلين
د. رمضان خميس

لقد كانت هجرة الرسول ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة التي نورها ﷺ علامة فارقة بين مرحلتين مرحلة الدعوة ومرحلة الدولة بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالة فلقد عاش الرسول ﷺ وصحبه في مكة المكرمة ثلاث عشرة سنة يرسخ فيهم الإيمان الصافي والعقيدة الصحيحة ويتحمل ويتحملون معه من الأذى والبلاء مالا يصبر عليه إلا أصحاب الدعوات الراسخة الذين يعيشون لها ويموتون في سبيلها.
ولقد كان الصحب الكرام على وعي وفقه بما تحمله الهجرة من انطلاق إلى نشر الدعوة في ربوع العالمين والمتأمل لهذه الهجرة يجد أنها حملت معالم وملامح التمكين الحضاري الذي انتشرت منه كلمة الإسلام في العالمين وفي نقاط سريعة نحيا مع هذه الملامح علي النحو التالي:
1 ــ التضحية والفداء: فإن أي دعوة من الدعوات أو رسالة من الرسالات لا يمكن لها أن تنتصر أو يُمكّن لها بمجرد الشعارات الرجراجة أو الهتافات الفضفاضة وإذا كانت أشجار الحياة ترتوي بالمياه فإن شجرة الإسلام لا ترتوي إلا ببذل الدماء في سبيل الله
دنيا المجاهد كلها محن لصهر رجالها لشوك ملء سهولها والورد فوق هضابها
وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾
ولقد عاش الرسول ﷺ وأصحابه هذا المعلم من معالم التمكين في الهجرة فضحى وضحوا وأعطى وأعطوا حتى لم يبق في قوس العطاء منزع وتمثل ذلك في تركهم للوطن الذي ربوا في أفناءه ونموا في مرابعه وما أدراك ما الوطن وعلاقة المرء به بل علاقة كل حي بمكانه الذي نشأ فيه وتربى بين قوادمه وخوافيه وقد قال شوقي:
عصفورتان في الحجاز حلتا على فنن في خامل من الرياض لا ند ولا حسن
مر على أيكهما --- ريح سرى من اليمن حيا وقال درتان في وعاء ممتهن
لقد رأيت حول صنعاء وفي ظل عدن خمائلا كأنها بقية من ذي يزن
الحب فيها سكروالماء شهد ولبن هيا اركباني نأتها في ساعة من الزمن
يا ريح أنت ابن السبل ما عرفت ما الوطن هب جنة الخلد عدن لاشيء يعدل الوطن
ولقد أحس النبي ﷺ لوعة الفراق وألم الحزن وهو يفارق مكة فيقول لها:( إنك لأحب بلاد الله إلى الله وأحب بلاد الله إلي ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرت).
ومع كل هذا الحب الفطري إلا أن حب العقيدة أعلى وأغلى وأعز وأقوى فتغلب على هذه العاطفة فترك مكة وهاجر نصرة لدينه وتمكينا لعقيدته.
وأصحابه الكرام عانوا من الفراق ما عانوا حتى قالت أم المؤمنين عائشة (ما رأيت القمر في مكان أضوأ منه في مكة وما استقر فؤادي في مكان كما كان يستقر في مكة) ولاحظ هذه الزاوية النفسية والارتباط الشعوري بذلك البلد الأمين وأبو بكر عندما تأخذه الحمى يقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة --- بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة --- وهل يبدون لي شامة وطفيل
وعبد الله بن أم مكتوم وهو كما نعلم كفيف البصر يقول:
ألاحبذا مكة من وادي --- أرض بها أهلي وعوادي
أرض بها ترسخ أوتادي أرض بها أمشي بلا هادي
ورغم كل هذه العاطفة يتعالون عليها تمكينا لدين الله حتى ينمو في أرض أخصب ومجال أرحب وهواء أرطب حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله
2⃣ التضحية بالمال في سبيل نصرة العقيدة وقد كان من النبي ﷺ وصحبه فقد تركوا أرضهم ودورهم وتجاراتهم نصرة للدين وبحثا عن التمكين وما موقف صهيب الرومي منا ببعيد هذا الذي انخلع من ماله دون تردد وبذله في غير من حتى يتركه المشركون وهجرته وعندما استشرفه الرسول ﷺ قال له: ربح البيع أبا يحى ربح البيع أبا يحيى. نعم وقد كان.....قد بعتها لله والله اشترى
وهذه سمة أهل التمكين عطاء دون بخل وبذل دون منٍ
2 ـ الأخذ بالأسباب: من ملامح التمكين في الهجرة المباركة الأخذ بالأسباب: هذا المعلم الذي أصله الرسول ﷺ فقد استخلف عليا وصحب أبا بكر واتخذ دليلا واستعمل عبد الله بن أبي بكر للتورية وخالف الطريق المعروف إلى المدينة.
3 ـ التخطيط: فمن ملامح التمكين أيضًا التخطيط الجيد والنظر في مآلات الأمور وانظر -رعاك الله– إلي تخطيط النبي ﷺ لهذه المرحلة تتعلم الكثير.
4 ـ استمداد العون من الله تعالى: فمن ملامحه الاعتماد الكامل على الله – عز وجل – وانظر إليه ﷺ في الغار وهو يسمع أبا بكر؟ يقول: (يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا فيقول: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما.
5 ــ الذكاء والألمعية: ويتضح ذلك من أكثر من موقف منها كلام أبي بكر لمن يسأله عن النبيﷺ من هذا يا أ با بكر فيقول (هاد يهديني الطريق).
6 ــ توقير القيادة: واذكر أبا بكر وهو يصب الماء ليشرب النبي ﷺ ويقول شرب النبي ﷺ حتى ارتويت
7 ــ الثقة في النصر: واذكر كلام النبي ﷺ لسراقة:(عد يا سراقة ولك سوارا كسرى)
إلي غير ذلك من الملامح التي تتجدد ولا تتبدد والتي لو عاشها المسلمون وفقهوها لتغير حالهم لأن سنة الله في التمكين لا تحابي ولا تجامل.
والله من وراء القصد

يدعوكم منتدى الفكر والدعوة للمشاركة في المؤتمر العالمي لعلماء الأمة  بعنوان ( كي نعود أمةً واحدة )وذلك يوم الجمعة 5 ذو ا...
19/05/2026

يدعوكم منتدى الفكر والدعوة للمشاركة في المؤتمر العالمي لعلماء الأمة بعنوان ( كي نعود أمةً واحدة )
وذلك يوم الجمعة 5 ذو الحجة الموافق م22/5/2026، في تمام الساعة 2 ظهراً بتوقيت تركيا، يبث المؤتمر على برنامج الزوم للمنتدى : https://us06web.zoom.us/j/87853370899?pwd=bheQNNuLmbEXlK8Mc3Ajm9rP5NYTO3.1
نسعد بحضوركم ومشاركتكم

يدعوكم منتدى الفكر والدعوة بالتعاون مع المؤسسات العلمائية الأخرى للمشاركة في المؤتمر العالمي لعلماء الأمة  بعنوان (إغلاق...
01/04/2026

يدعوكم منتدى الفكر والدعوة بالتعاون مع المؤسسات العلمائية الأخرى للمشاركة في المؤتمر العالمي لعلماء الأمة بعنوان (إغلاق الأقصى...إنذارٌ للأمة ومسئولية لا تُؤجّل)
وذلك لنصرة الأقصى، الذي يستغيث بأمته تجاه هذا الإغلاق الشامل الذي يفرضه الاحتلال،
وذلك يوم الخميس الموافق 2 أبريل، في تمام الساعة 2 ظهراً بتوقيت مكة، يبث المؤتمر على برنامج الزوم وصفحة المنتدى على الفيس بوك
رابط الزوم : https://us05web.zoom.us/j/85196357205?pwd=v6fKXyfC6sznP20UmzusQHc3LJGKHl.1
رابط الفيس:
HTTPS://WWW.FACEBOOK.COM/PROFILE.PHP?ID=61577635593030&LOCALE=AR_AR
مشاركتكم إعلان أن:
الأقصى أمانة... ورفع الإغلاق واجب

ندوة رمضان وتعزيز هوية الأمة - د.عبد الرحمن حمد
25/02/2026

ندوة رمضان وتعزيز هوية الأمة - د.عبد الرحمن حمد

Nyd de videoer og den musik, du holder af, upload originalt indhold, og del det hele med venner, familie og verden på YouTube.

تحويل القبلة وواجب المسلم أن يدور مع أمر الله حيث دارد / أحمد عبد الحميد عبد الحقالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام ع...
10/02/2026

تحويل القبلة وواجب المسلم أن يدور مع أمر الله حيث دار
د / أحمد عبد الحميد عبد الحق
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين، وبعد...
فإن احياجات البشر تتغير بتغير الأزمان والأماكن، فما كان مناسبا لهم بالأمسي قد لا يناسبهم اليوم، وما يناسبهم اليوم قد لا يناسبهم غدا، وما يناسب الإنسان في صغره قد لا يناسبه في كبره، مع بقاء الأطر العامة ثابتة لا تتغير مهما امتد الزمن وتوالت القرون، فالإنسان مثلا يحتاج منذ بداية وجوده على الأرض وحتى تقوم الساعة إلى الطعام والشراب والكساء والسكن، ولكن حاجة الإنسان لنوعية الطعام والشراب والكساء والسكن تتغير من عصر لعصر ومن مكان لمكان بل من مرحلة عمرية لأخرى، وكذلك الحال في مسائل الدين والعبادة، فثمة أمور لا تتغير بتوالي الأنبياء بداية من آدم عليه السلام وحتى نبيا محمد ﷺ، فالأمر بعبادة الله وتقواه جاء على لسان كل الأنبياء، كما قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء: 25]{يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ}[النحل: 2].
ولكن تفاصيل العبادات اختلفت من نبي لآخر حسب قدرة الناس واحتياجاتهم، ومن الشرائع ما ظل ممتدا مع البشرية منذ مهدها، ومنها ما عدل أو نسخ بحكمة من الله عز وجل ظاهرة أو خفية نعلمها أو نجهلها، والمسلم الورع التقي عليه أن يسلم لله في حكمته وإرادته وأن يدور مع أوامر الله ونواهيه حيث درات، وهكذا كان صاحبة النبي ﷺ، وهكذا كان حالهم مع تحويل قبلة الصلاة من جهة بيت المقدس إلى جهة بيت الله الحرام موضوع حديثنا في تلك المقالة، تلكم الحادثة التي وقعت ما بين شهري رجب وشعبان من السنة الثانية للهجرة على اختلاف بين الرواة إلا ما شذ عن موسى بن عقبة أنها كانت في جمادى.
ولكي يعرف القارئ ملابسات ذلك الحادث أقول: إن رسول الله ﷺكان يستقبل في صلاته قبل الهجرة بيت الله الحرام، ويجعل أمامه بيت المقدس مقر الأنبياء السابقين من أولاد إبراهيم عليه السلام، بحيث يكون مستقبلا للقبلتين معا.
فلما انتقل إلى المدينة المنورة أصبح الجمع بين القبلتين محالا؛ لأنهما في اتجاهين مختلفين بالنسبة للمدينة المنورة، فصلى هو وأصحابه تجاه بيت المقدس بأمر من الله عز وجل، وهو يود داخل نفسه أن يتجه بصلاته تجاه بيت الله الحرام؛ لكن الأمر أمر امتثال لله عز وجل، ودورانه معه حيث دار، فظل يصلي هكذا قرابة ستة عشر شهرا أو سبعة أشهر؛ حتى أمره الله عز وجل أن يتوجه في صلاته تجاه البيت الحرام كما ورد في قوله تعالى:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}( سورة البقرة:144).
فانقسم الناس المعاصرون للحادث في الزمان والمكان تجاه هذا الأمر إلى ثلاث طوائف، طائفة استغلت الحادثة في النيل من الإسلام والتشكيك في أوامره ونواهيه وهديه وشرعه، وهي طائفة المعاندين لله ودينه المحاربين له، وطائفة ارتابت وتذبذبت وارتدت على أعقابها بمجرد السماع بالحادث الذي لم تتقبله تصوراتهم، متأثرين بما أحدثته الطائفة الأولى، وطائفة ازدادت إيمانا مع إيمانها، وهم صحابة رسول الله ﷺ الذين ينقادون لكل ما يأمر به الله سبحانه وتعالى. وفي ذلك يقول أبو السعود في تفسيره (5/ 207): فإن تحويل القبلة قد ترتب عليه تحزب الناس إلى متبع ومنقلب.
وقد قام الله عز وجل وجل بتفنيد حجج الطائفة الأولى ودحض افترائها بطريقة مقنعة يستفيد من عرضها أفراد الطائفة الثانية المتذبذبة التي لما يدخل الإيمان في قلوبها.
فعندما صار أفراد الطائفة الأولى يرددون في كل مكان ينزلونه أو يقيمون فيه عبارات مثل " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " وما بال محمد يصلي مرة إلى بيت المقدس، ومرة إلى بيت الله الحرام، ولم يكن ذلك من قبيل الاستفسار، أو محاولة العلم لأمر يجهلونه، ولا حتى استنكارا منهم لما حدث، وإنما لبث الشك في قلوب المؤمنين، فكان رد الله سبحانه وتعالى عليهم بحقيقة مقنعة" قل لله المشرق والمغرب " و" أينما تولوا فثم وجه الله " أي تجاه قبلة الله عز وجل، وهو الذي يوجهكم حسبما شاء وأراد.
فلجئوا لفرية أخرى لعلهم يجدون من يتأثر بها، فقالوا: إذا كانت قبلته الأولى صحيحة فلماذا غيرها، وإذا كانت خطأ فما حكم صلاة من مات قبل أن تحول القبلة، وهذا سؤال ينم عن غبائهم غير المتناهي؛ لأن الله عز وجل إذا كان هو الآمر الناهي فكيف يحاسب الناس على أمر لا يملكونه وإنما هو الذي أمرهم به؛ ولذا جاء التوكيد منه سبحانه وتعالى " وما كان الله ليضيع إيمانكم (أجر صلاتكم) إن الله بالناس لرءوف رحيم ".
ثم بين للمسلمين أن الحكمة من وراء بقاء رسول الله ﷺ متجها إلى بيت المقدس طوال الستة عشر شهرا هو اختبار المسلمين في أمر الطاعة المطلقة لله؛ وليعلم من يدور منهم مع أمر الله عز وجل ومن يرتد على عقبيه، لذلك قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143] يقول النسفي: "أي إلا امتحانا للناس وابتلاء لنعلم الثابث على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقلته، يرجع فيرتد عن الإسلام عند تحويل القبلة" (تفسير النسفي :1/ 138) وهو ما حدث مع الطائفة الثانية.
ويقول ابن جريج قلت لعطاء:"إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن ينقلبُ على عَقبيه"؟ فقال: يبتليهم، ليعلم من يُسلم لأمره. ويقول أيضا (أي ابن جريج): بلغني أنّ ناسًا ممن أسلم رَجعوا فقالوا: مرة هاهنا ومرة هاهنا!".
وهؤلاء هم الذين يريدون من الإسلام ما يوافق هواهم وتصوراتهم دون الاستسلام التام لأوامر الله ونواهيه، ولذلك كان هذا الأمر ـ أمر تحويل القبلة ـ كبيرا عليهم فاستنكروا حدوثه؛ ولذا قال الله عز وجل: (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ).
يقول ابن عبد السلام:" لكبيرة: ثقيلة على من كان اتباعه لهواه، دون أمر أمر به، إلا على الذي يتبع أمر اللَّه فيها ويعتقد طاعته فإنها ليست بثقيلة عليه ولا كبيرة (تفسير العز بن عبد السلام: 1/ 170).
نعم ليست بكبيرة على من يدور مع أمر الله ونهيه حيث دار، فهؤلاء حالهم الثبات على الإيمان والسير على أمره حيث كان، يقول النسفي: {إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله} أي هداهم الله أي إلا الثابتين الصادقين في اتباع الرسول " (تفسير النسفي:1/ 139) وهم الطائفة الثالثة.
تلك الطائفة التي قال عنها أنس بن مالك فيما رواه عنه أبو داود في سننه (2 / 277):"إن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس فلما نزلت هذه الآية: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] فمر رجل منِ بني سَلِمَة فَنَاداهم وهم ركوع في صلاة الفجر نحو بَيتِ المقدسِ: ألا إنَّ القِبلةَ قد حُوِّلت إلى الكعبةِ، مرتين، قال: فمالوا كما هم ركوع إلى الكعبة " مما يدل على سرعة استجابتهم لأمر الله عز وجل.
يقول السبكي في شرح هذا الأثر:"... وقد وقع بيان كيفية التحوّل في خبر تويلة بنت أسلم عند الطبراني وفيه قالت فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء (قال الحافظ) وتصويره أن الإِمام تحول من مكانه في مقدمة المسجد إلى مؤخر المسجد؛ لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار في مكان لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحول الإِمام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال" (المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود: 6/ 179 وما بعدها).
وقال ابن عباس {مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} يعني: أهل اليقين من أهل الشك والريبة، ومن يوافق الرسول فِي التوجه إلى الكعبة ممن يرتد عن الدين فيرجع إلى ما كان عليه، والانقلاب على العقب: عبارة عن الانصراف إلى حيث أقبل منه. وتلك هي الأمة العدل المستقيمة التي تدور مع أمر الله حيث دار ولذلك قال الله عنهم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}. أي: عدلاً. الهداية الى بلوغ النهاية (1/ 478).
وفي ذلك يقول أبو عبيد في كتابه (الإيمان):" فلو أنهم عند تحويل القبلة إلى الكعبة أبوا أن يُصلّوا إليها وتمسكوا بذلك الإيمان الذي لزمهم اسمه، والقبلة التي كانوا عليها لم يكن ذلك مغنياً عنهم شيئاً، ولكان فيه نقض لإقرارهم؛ لأن الطاعة الأولى ليست بأحق باسم الإيمان من الطاعة الثانية، فلما أجابوا الله ورسوله إلى قبول الصلاة كإجابتهم إلى الإقرار صارا جميعاً معاً هما يومئذٍ الإيمان، إذ أضيفت الصلاة إلى الإقرار"(شرح كتاب الإيمان: يوسف الغفيص 3/ 5).
وبلغ من سرعة بعض الصحابة للاستجابة لهذا الأمر أن صاروا يهرلون لصلاة نافلة تجاه بيت الله الحرام قبل أن يفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خطبته ليأتموا به في صلاتهم، ففي تفسير القرطبي( 2/ 149) أن أول صلاة إلى الكعبة العصر ـ والله أعلم ـ وروي أن أول من صلى إلى الكعبة حين صرفت القبلة عن بيت المقدس أبو سعيد بن المعلى، وذلك أنه كان مجتازا على المسجد فسمع رسول الله ﷺ يخطب الناس بتحويل القبلة على المنبر وهو يقرأ هذه الآية: "قد نرى تقلب وجهك في السماء" حتى فرغ من الآية، فقال قلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى فتوارينا نعما(أي خلف النعم) فصليناهما، ثم نزل رسول الله ﷺ فصلى بالناس الظهر يومئذ ".
هكذا كان حال المسلمين الأوائل مع أوامر الله ونواهيه، أما الإنسان الذي لا يدور مع أوامر الله عز وجل ويشغل نفسه بالبحث وراء السبب من تلك الأوامر فقط دون أن ينقاد لها فقد يصل به الأمر إلى السفاهة لأنه لا يعلم أن الله لا يريد بأوامره إلا الخير، ولذلك وصفهم الله عز وجل بالسفاهة فقال:{سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} والسفهاء: جمع سفيه، وهو الخفيف إلى ما لا يجوز له أن يخف فِيهِ. التفسير الوسيط للواحدي (1/ 224).
أما الإنسان المسلم الذي يدور مع أمر الله حيث دار فلا ينشغل إلا بتنفيذ أمر ربه وإن خالف هواه وإن لم يصل بإدراكه إلى الفائدة من وراء ذلك، وإنما هو تحقيق الإيمان ومع تحقق الإيمان سيعرف الإنسان الفائدة المرجوة من وراء ذلك.
وأخيرا فإن دوران المسلم مع أوامر الله ونواهيه حيث دارت لا يعني أن يتشدد على نفسه في أمور دينه ولا أن يتنطع، وإنما يجتهد قدر استطاعته فقط في تحري ذلك، فإن اجتهد وأخطأ فلا شيء عليه، حتى ولو كان الخطأ في تحري قبلة الصلاة التي هي عماد الدين وأساسه، وفي ذلك يقول ابن عباس رضي الله عنهما: خرج نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في سفر وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة فأصابهم الضّباب فحضرت الصّلاة فتحروا القبلة وصلّوا فمنهم من صلّى إلى المشرق ومنهم من صلّى إلى المغرب. فلما ذهب الضّباب استبان لهم إنّهم لم يصيبوا. فلمّا قدموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فنزلت هذه الآية: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115].
وصار هذا حال الصحابة جميعا لا يتطور حكم شيء إلا وداروا معه، فعندما تدرج الله عز وجل معهم في حكم تحريم الخمر خطوة بخطوة حتى ينتشلهم من إدمانها سارعوا في المرحلة الأخيرة بالاستجابة التامة وداروا مع أحكام الخمر من التحليل المؤقت حتى التحريم الكلي، ففي حديث أنس بن مالك أنه قال: "كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب شراباً من بطيخ وتمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت". (موطأ مالك رواية أبي مصعب الزهري 2/ 52).
وصلِّ اللهم على محمد وآله وصحبه.

يدعوكم منتدى الفكر والدعوة للمشاركة في فاعلية الاستعداد لشهر رمضان بعنوان: رمضان وتعزيز هوية الأمة في زمن التحديات بالتع...
10/02/2026

يدعوكم منتدى الفكر والدعوة للمشاركة في فاعلية الاستعداد لشهر رمضان بعنوان: رمضان وتعزيز هوية الأمة في زمن التحديات بالتعاون مع اتحاد علماء الأتراك وهيئة علماء فلسطين، فأهلا وسهلا بكم من كل مكان ..
رابط البث المباشر على صفحة المنتدى
https://www.facebook.com/profile.php?id=61577635593030&locale=ar_AR
وموقع الفاعلية لمن يشرقنا بالحضور
الموقع: https://maps.app.goo.gl/5oJ7U3eNULK3mrSq6

يدعوكم «منتدى الفكر والدعوة» باسطنبول، لحضور فعالية بعنوان « الإسراء والمعراج في ميزان السنن الإلهية»، ضيف اللقاء الأستا...
13/01/2026

يدعوكم «منتدى الفكر والدعوة» باسطنبول، لحضور فعالية بعنوان « الإسراء والمعراج في ميزان السنن الإلهية»، ضيف اللقاء الأستاذ الدكتور رمضان خميس ، أستاذ التفسير وعلوم القرآن،.
وذلك بمشيئة الله تعالى يوم الجمعة الموافق 16 يناير 2026م، الساعة الثامنة مساءً.
عبر برنامج زووم على الرابط التالي:
https://us05web.zoom.us/j/85196357205?pwd=v6fKXyfC6sznP20UmzusQHc3LJGKHl.1

يدعوكم «منتدى الفكر والدعوة» باسطنبول، لحضور فعالية بعنوان « واجب المسلمين تجاه القدس»، ضيفة الندوة الدكتورة أمل خليفة ا...
13/01/2026

يدعوكم «منتدى الفكر والدعوة» باسطنبول، لحضور فعالية بعنوان « واجب المسلمين تجاه القدس»، ضيفة الندوة الدكتورة أمل خليفة الباحثة والمختصة بالشأن الفلسطيني.
وذلك بمشيئة الله تعالى يوم الخميس الموافق 15 يناير 2026م، الساعة السادسة مساء ، بمقر منتدى الفكر والدعوة
العنوان: بناية رقم 1 ، الدور الثامن ، شقة 35
https://maps.app.goo.gl/3HLwmWYdujZdd9Lx9

Address

Istanbul

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when منتدى الفكر والدعوة -فداء posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share