الكتاب والحكمة

الكتاب والحكمة الكتاب والحكمة الصفحة الرسمية لوقف السليمانية/مركز أبحاث الدين والفطرة في اسطنبول.

التفريق بين الكتاب والسنة، واعتبار السنة مصدرا تشريعيا مستقلا عن القرآن الكريم أدى لظهور أحكام تتعارض صراحة مع نصوص القرآن الكريم. كما أن تجاهل الربط بين القرآن والفطرة أدى إلى إغفال العلاقة بين آيات الله المنزلة وتلك المخلوقة. وقد رأينا في وقف السليمانية إجراء البحوث الفقهية اعتمادا على القران الكريم وما يوافقه من السنة؛ حيث نرى أن السنة تابعة للقرآن لا قاضية عليه. يتشارك الباحثون في المركز للوصول إلى حكم الكتاب المؤيد بالسنة، وهم لا يألون جهدا في إظهار ما يرونه موافقا للكتاب.
مركز بحوث الدين والفطرة يعتمد النظر في آيات الله المسطورة في الكتاب العزيز وآيات الله المنثورة في آفاق هذا الكون الممتد، ليصل إلى النتائج الرائعة في ذلك الربط العجيب الذي ميز الإسلام عن غيره من الأديان المحرفة والنظريات المادية المجردة. وقد استلهمنا هذا الربط من خلال استقراء الآيات الكثيرة في الكتاب العزيز والتي تدعو المسلم إلى ملاحظة آيات الله في الكون. يقول الله تعالى { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم، 30)
ولهذا كثرت الإشارة في القرآن إلى الفطرة , وأحكام القرآن الكريم كلها تراعي عناصر النظام الذي يحكم حركة الإنسان، وتتحسس كل ما يصلحه في الدنيا والآخرة وصدق الله إذ يقول:{ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك، 14)
إنّ المشكلات الهامّة التي نواجهها في عصرنا هذا, تتمركز حول علاقة الدين بالعلم ومعلوم أنّ أساس العلم هو الفطرة، وفي حال الربط المباشر بين الدين والفطرة، فإنّ العلم سيقدم خدمة جليلة للإنسانية.
ونرجو أن تكون أعمال مركزنا قد نجحت في إنجاز تلك الخدمة.
المواقع التي ينشر منها وقف السليمانية أعماله:
www.hablullah.com
www.suleymaniyevakfi.org
www.kurandersi.com
www.musulmanlar.com
www.koranika.com
www.muselmanlar.com
www.islamundkoran.com
www.islamandquran.com
www.fetva.net
www.kuranformu.com


09/08/2026

رواية رزية الخميس:
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما حضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال، فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي ﷺ: «هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده» فقال عمر: إن النبي ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي ﷺ كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي ﷺ، قال رسول الله ﷺ: «قوموا» قال عبيد الله: فكان ابن عباس، يقول: «إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم».

هذا الحديث المشهور بـ رزية الخميس فيه إشكالات وعلل خطيرة تمس كمال الرسالة، ويمكن تلخيص نقده في النقاط الآتية:
1- مناقض لاكتمال الدين:
يقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. فلو كان النبي ﷺ يريد أن يكتب "كتابًا" لا تضل الأمة بعده، لكان معنى ذلك أن الرسالة لم تكتمل بعد، وأن تمام الدين متوقف على وصية مكتوبة، وهذا يقدح في صريح القرآن. أما مسألة الأمر السياسي من بعده، رتب ذلك بنص قرآني للأمة كلها ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾.
2- إساءة إلى النبي ﷺ:
الرواية في صيغة أخرى تتضمن أن بعض الحاضرين نسب إليه أنه "هجر"، أي خلط وهذى من شدة المرض. وهذا لا يليق بمقام النبوة، ولا بمن حوله من أهله.
3- إساءة إلى عمر بن الخطاب:
إذ تجعله الرواية في صورة المعترض المانع لأمر النبي، وكأنه حال بين الأمة وبين وصية عظيمة تحفظها من الضلال.
4- إساءة إلى الصحابة الذين كانوا حوله:
ففي الرواية أنهم أكثروا "اللغط والاختلاف" عند رسول الله ﷺ في مرض موته، حتى أمرهم بالقيام. وهذا يتنافى مع حرصهم على تنفيذ أوامره، وتعظيمهم له في حياته وبعد وفاته، وخاصة أن الحديث هنا عن نخبتهم ممن كان حول النبي أيام مرضه ووفاته.
اتخذ الشيعة هذه الرواية مستندًا للقول بأن النبي ﷺ كان يريد أن يوصي بالإمامة لعلي بن أبي طالب، وأن عمر هو الذي حال دون ذلك، فبنوا عليها طنعهم في الخلفاء الثلاثة. والحقيقة أن مثل هذه الروايات صنعت في سياق الجدل المذهبي والسياسي بعد وفاة النبي ﷺ، والعلة الأولى كافية في الحكم بردها.
#الدكتور عبدالله القيسي

اختص الله تعالى لسان العربية ليكون وعاءً لرسالته الخاتمة؛ لما يتمتع به هذا اللسان من اتساع في الألفاظ، ودقة في التراكيب،...
29/07/2026

اختص الله تعالى لسان العربية ليكون وعاءً لرسالته الخاتمة؛ لما يتمتع به هذا اللسان من اتساع في الألفاظ، ودقة في التراكيب، ومرونة في الاشتقاق، وإحكام في الإبانة، وهي خصائص فريدة جعلته صالحاً لترجمة مضامين الوحي ونقلها للبشرية كافة على اختلاف ألسنتها؛ غير أن حصر ثنائية (عربي/أعجمي) في دلالتها العرقية أو القومية فحسب، يضيق ويقلل من عالمية الخطاب القرآني الموجه للبشرية كافة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [ص: 87] ليصبح الخطاب كأنه امتياز خاص بالعرب دون غيرهم، ومن هنا دعت الحاجة للقراءة المعرفية المبنية على البيان القرآني.

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحبتي في الله، يقول الله عزَّ وجلَّ في سورة فصلت: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آ...

المتدبر في كتاب الله تعالى يجد أن الله سبحانه قد بين أن اجتماع الناس على أمرٍ ما ليس بالضرورة صكاً لصحته، بل قد يكون الع...
25/06/2026

المتدبر في كتاب الله تعالى يجد أن الله سبحانه قد بين أن اجتماع الناس على أمرٍ ما ليس بالضرورة صكاً لصحته، بل قد يكون العكس هو الصحيح في كثير من الأحيان؛ إذ يقول تعالى:
﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 100]
فالعبرة ليست بالعدد، بل بموافقة الحق والتقوى.
ويتجلى ذلك حين نبأنا العليم الخبير في مواضع عديدة أن أهل الحق والشاكرين الصادقين هم دائماً الأقلية، بينما الغالبية قد تضل عن السبيل، حين قال:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]
لذا، فإن الحق لا يُعرف بالرجال ولا بكثرة الأتباع، وإنما يُعرف بذاته حين يُعرض على ميزان الله المعصوم، ومن هنا يتبين أن “إجماع” البشر – مهما بلغت مكانتهم – يظل اجتهاداً يُعرض على النص، فإن خالفه، فالحق أحق أن يُتبع، وقد حذرنا عز وجل من اتباع هوى الغالبية إذا خالف بصيرة الوحي بقوله:
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ، إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 116] عرض أقل

السؤال: كيف يمكنني التوفيق بين الحديث الذي يقول «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة» وبين ما أراه من واقع ملموس، حيث قام “أهل الحديث” و”أهل الفقه” عبر القرون ببناء أحك....

20/05/2026

من مركزية القرآن إلى هيمنة الرواية

د. وائل كريم

قراءة نقدية في تحولات الوعي الإسلامي بين القيم المؤسِّسة وإغراق التفاصيل

مقدمة

حين نزل القرآن الكريم، لم ينزل بوصفه كتاب طقوس مغلقة، ولا موسوعة تفصيلية لإدارة الجزئيات اليومية، بل نزل مشروعًا لتحرير الإنسان من التبعية العمياء، وبناء وعي قائم على التدبر، والعقل، والمسؤولية الأخلاقية.

لقد كانت الرسالة القرآنية في جوهرها ثورةً على أنماط التفكير الجامد، وعلى تحويل الدين إلى ميراث اجتماعي يُتبع دون فهم.

فالقرآن لم يكتفِ بالدعوة إلى الإيمان، بل جعل من التفكير شرطًا للإيمان الحقيقي، ومن مراجعة الموروث مدخلًا للتحرر الوجودي. ولذلك تكررت فيه آيات مثل:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
﴿أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ﴾

غير أن المتأمل في مسار الحضارة الإسلامية يلاحظ تحوّلًا تدريجيًا من مركزية القرآن بوصفه مرجعية قيمية وتشخيصية، إلى هيمنة الرواية والسرديات التفصيلية، حتى غرق العقل الإسلامي في كمٍّ هائل من القصص والأحاديث والخلافات الجزئية، بينما تراجعت القيم القرآنية الكبرى في الواقع العملي.
ومن هنا يبرز السؤال الإشكالي:
كيف انتقل الوعي الإسلامي من مشروع قرآني تحرري إلى بنية مذهبية يغلب عليها التلقين والتفاصيل والطقوس؟
وهل كان هذا التحول نتيجة تطور طبيعي للمجتمع الإسلامي، أم نتيجة عمليات اختراق ثقافي وسياسي ومعرفي شاركت فيها عوامل داخلية وخارجية؟

أولًا: القرآن كمشروع لتحرير الوعي

إن القراءة المتأنية للقرآن الكريم تكشف أن معركته الأساسية لم تكن مع “الوثنية الحجرية” فقط، بل مع آلية التقليد الأعمى ذاتها.
فالقرآن انتقد الذين يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم دون تدبر:
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾
وبذلك أسّس لمفهوم الإيمان القائم على الاقتناع لا الوراثة، وعلى البحث لا التسليم الاجتماعي.
ولهذا كانت “الحنيفية” في جوهرها خروجًا من أسر الموروث نحو حرية الوعي.
فالإنسان القرآني ليس تابعًا للجماعة، بل مسؤولًا عن قراره المعرفي والأخلاقي:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
ومن هنا فإن مركزية القرآن لا تعني مجرد تلاوته، بل جعله المرجعية العليا في بناء القيم والوعي والسلوك.

ثانيًا: التحول من النص المؤسس إلى الرواية المؤسِّسة

بعد وفاة النبي ﷺ، دخل العالم الإسلامي مرحلة توسع سياسي واجتماعي هائل، فاختلطت الثقافات، ودخلت أمم متعددة بخلفياتها الفكرية والدينية والأسطورية.
وفي هذا السياق نشأت حاجة متزايدة إلى:
* تفسير النصوص،
* تنظيم السلطة،
* تبرير الصراعات السياسية،
* إنتاج شرعية دينية للأنظمة،
* والإجابة عن الأسئلة الجديدة.
وهنا بدأت الرواية تتحول تدريجيًا من أداة شرح إلى سلطة موازية للنص المؤسس.
فبدل أن يبقى القرآن هو المركز، أصبحت آلاف الروايات تحيط بالعقل المسلم من كل جانب، حتى بات الوصول إلى النص القرآني يمر أحيانًا عبر طبقات كثيفة من التفسير والموروث والمذهبية.
ومع مرور الزمن، انتقل الدين من:
* “افهم ثم آمن”،
إلى:
* “سلّم ثم لا تسأل”.

ثالثًا: الإسرائيليات وإغراق الوعي بالتفاصيل
من أبرز الظواهر التي أثّرت في الوعي الإسلامي ما عُرف بالإسرائيليات، وهي الروايات المنقولة عن بعض من أسلموا من أهل الكتاب، أو التي تسربت من التراث اليهودي والمسيحي إلى كتب التفسير والسرد الديني.
ولا يعني هذا أن كل ما نُقل كان مؤامرة منظّمة، بل إن جزءًا كبيرًا منه جاء نتيجة:
* الانبهار بالقصص،
* الحاجة إلى التفاصيل،
* الفراغ المعرفي،
* والرغبة الشعبية في تحويل المجمل القرآني إلى مشاهد سردية مفصلة.
فالقرآن حين يذكر قصة موسى أو نوح أو أصحاب الكهف، يركّز على البعد القيمي والوجودي، بينما اتجه العقل الروائي لاحقًا إلى أسئلة مثل:
* ما لون كلب أصحاب الكهف؟
* كم كان طول سفينة نوح؟
* كيف كان شكل الجنة والنار بالتفصيل الحسي؟
* ماذا قال فلان لفلان؟
وهكذا تحوّل الدين تدريجيًا من مشروع وعي إلى مشروع سرديات.
وهنا تتجلى خطورة “إغراق الوعي بالتفاصيل”، لأن كثرة التفاصيل تستهلك طاقة العقل في الجزئيات، وتمنعه من إدراك المقاصد الكبرى.
رابعًا: السلطة السياسية وتكريس الوعي النقلي
لا يمكن فهم تضخم الروايات دون فهم دور السلطة السياسية في ذلك.
فالحاكم يحتاج دائمًا إلى:
* إنتاج طاعة،
* تقليل مساحة السؤال،
* وتحويل الدين إلى منظومة استقرار اجتماعي.
ومن هنا ازدهرت روايات:
* السمع والطاعة المطلقة،
* تحريم الخروج،
* تقديس السلف،
* وتحويل الاختلاف إلى تهديد ديني.
ومع الوقت، أصبح التفكير الحر خطرًا، بينما تحوّل النقل إلى فضيلة بحد ذاته.
فكلما تراجع العقل النقدي، أصبح المجتمع أكثر قابلية للقيادة الأيديولوجية.

خامسًا: الطقوس بدل القيم
أخطر نتائج هذا التحول كانت انتقال مركز التدين من القيم إلى الطقوس.
فالقرآن ركّز على:
* العدل،
* الأمانة،
* تحرير الإنسان،
* إطعام الفقير،
* رفض الظلم،
* تحريم أكل أموال الناس بالباطل،
* والصدق في التعامل.
لكن جزءًا كبيرًا من الخطاب الديني انشغل لاحقًا بـ:
* شكل اللباس،
* عدد الحركات،
* التفاصيل الشكلية،
* مسائل الاختلاف الفقهي الجزئي،
* والهوية المذهبية.
حتى أصبح الإنسان قد يؤدي الطقوس بدقة، لكنه يمارس الظلم والفساد والكراهية دون شعور بالتناقض.
وهنا انفصل الدين عن مقصده القرآني الأصلي.

سادسًا: هل المشكلة في اليهود أم في قابلية العقل للاستلاب؟
إن اختزال أزمة الوعي الإسلامي في “اليهود” وحدهم يُنتج قراءة تبسيطية للتاريخ، ويُعفي الذات من مسؤوليتها.
فالقرآن نفسه يرفض التعميم:
﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾
كما أن كل حضارة تحمل داخلها قابلية للجمود حين تتحول المعرفة إلى سلطة مغلقة.
لذلك فإن الأزمة الحقيقية ليست وجود “آخر” يحاول التأثير، بل استعداد العقل للتخلي عن مسؤوليته النقدية.
فالاستلاب يبدأ عندما:
* يخاف الإنسان من السؤال،
* يقدّس الموروث،
* ويستبدل التدبر بالتلقين.

سابعًا: العودة إلى القرآن بوصفه مشروع وعي
إن استعادة مركزية القرآن لا تعني إلغاء التراث أو إعلان الحرب على التاريخ، بل تعني إعادة ترتيب العلاقة معه.
فالقرآن يجب أن يبقى:
* المرجعية العليا،
* والمعيار القيمي،
* والميزان الذي تُعرض عليه الروايات والأفكار.
كما أن التدبر لا يعني الفوضى الفكرية، بل تفعيل العقل ضمن القيم القرآنية الكبرى.
فالقرآن يريد إنسانًا:
* يفكر،
* يبحث،
* يراجع،
* يصحح مساره،
* ويتحمل مسؤولية وعيه.
ولهذا فإن النهضة الإسلامية الحقيقية لن تبدأ بتكثير الطقوس، بل بإعادة بناء الإنسان القادر على التفكير الحر ضمن أخلاق الوحي.
خاتمة
إن التحول من مركزية القرآن إلى هيمنة الرواية لم يكن حدثًا بسيطًا، بل مسارًا تاريخيًا طويلًا تشابكت فيه السياسة بالموروث بالسلطة بالثقافة الشعبية.
وقد أدى هذا التحول إلى إغراق العقل الإسلامي في بحر من التفاصيل والسرديات، حتى تراجعت القيم القرآنية الكبرى لصالح الطقوس والانقسامات والهويات المغلقة.
لكن القرآن ما زال حاضرًا بوصفه مشروعًا مفتوحًا لتحرير الإنسان من الخوف والتبعية والجمود.
فالعودة إلى القرآن ليست عودة إلى الماضي، بل عودة إلى الوعي.

26/04/2026

هل وصلنا القرآن ككتاب PDF أم عن طريق الرواية؟

هذا السؤال المتكرر ولكن بصيغة حديثة؛ يكشف خللًا عميقًا في تصورنا لطبيعة القرآن الكريم ومصدر تلقيه. وقد سبق أن قررتُ في أكثر من موضع أن القرآن ليس “مادة روائية” تُتداول بالأسانيد كما تُتداول الأخبار، بل هو كتاب إلهي متعالٍ على منطق الرواية، محفوظ بنصه، مجموع بأمر ربه، قائم بذاته لا يفتقر إلى وسائط الظن والاجتهاد.

فالصحابة لم “يرووا” القرآن بالمعنى الاصطلاحي الذي نعرفه في علم الحديث، وإنما تلقّوه كتابًا يُكتب بين يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويُراجع بإشراف الوحي، ويُحفظ في الصدور والسطور معًا، حتى استقر في صورته الكلية التي بين أيدينا اليوم.

وأي دعوى تجعل القرآن في مرتبة الرواية، تخالف حقيقتين واضحتين:

الأولى: الواقع المشاهد
فالقرآن كتاب واحد، متطابق في جميع أنحاء العالم، لا اختلاف في نصه، ولا تعدد في نسخه، ولا اضطراب في بنيته. وهذه خاصية لا يمكن أن تتحقق في نص خاضع للرواية البشرية، التي تقوم بطبيعتها على التعدد والاختلاف والاحتمال.

الثانية: النص القرآني نفسه
إذ يصرح الله تعالى بحفظه وجمعه وقراءته:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)﴾

فهذه الآيات لا تتحدث عن “نقل روائي”، بل عن فعل إلهي مباشر: جمع، وقراءة، وحفظ. وهذا يخرج القرآن من دائرة الظن إلى دائرة القطع.

ومع ذلك، لو سلّمنا جدلًا بأن القرآن نُقل بالطريقة نفسها التي نُقلت بها الروايات، فإن هذا الافتراض ينهار أمام جملة من الأسئلة الجوهرية:

أولًا: أين دور كبار رواة الحديث من الصحابة في نقل القرآن؟
فلو كان القرآن مرويًا، لبرزت أسماء مثل أبي هريرة وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك في أسانيده، كما برزت في الحديث. لكننا لا نجد للقرآن أسانيد تدور على هؤلاء، ولا يُعرف القرآن من خلالهم أصلاً.

ثانيًا: لماذا لم تُنقل الأحاديث بنفس درجة الإحكام التي نُقل بها القرآن؟
إذا كان الناقلون واحدًا، فلماذا هذا التفاوت الهائل بين نص محفوظ لا اختلاف فيه، ونصوص يغلب عليها الاضطراب والاختلاف؟

ثالثًا: لماذا لم يُخضع المحدّثون القرآن لقواعدهم؟
لو كان القرآن نصًا روائيًا، لوجب أن تُبحث أسانيده، وتُدرس علله، ويُنظر في رجاله، كما فعلوا في الحديث. لكن هذا لم يقع، لأنهم يدركون – عمليًا – أن القرآن ليس من هذا الباب.

رابعًا: أين أسانيد الآيات والسور؟
إذا كان “السند من الدين”، فأين أسانيد الفاتحة والبقرة وآل عمران؟ ولماذا لم يُنقل القرآن بصيغة: حدثنا فلان عن فلان؟

خامساً: لماذا جاءت بعض الروايات في الصحاح، بدل أن تمدح القرآن بوصفه نصًا محفوظًا، أساءت إليه من حيث دعوى النقص أو الاضطراب، وكان مآلها الرفض والاستنكار عند عامة الأمة، وعلى رأسهم من يدعون رواية القرآن؟

وأخيرًا، كيف نفهم هذه الآيات في عصر النبوة، والقرآن يقرر هذه الحقيقة:
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: 77–78]
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21–22]
فهذه النصوص تؤسس لمفهوم “الكتاب” المحفوظ، لا “النص المروي” المتناقل.
إن الخلل الحقيقي لا يكمن في السؤال ذاته، بل في القياس الفاسد الذي يجعل القرآن كالرواية، ويخضعه لنفس المنطق. فالقرآن ليس خبرًا يُنقل، بل وحيٌ يُتلى، وكتابٌ قائم بذاته، ومعجزة محفوظة بحفظ الله، لا بحفظ الرواة.

فالله يقرر أن القرآن محفوظ في كتاب ولوح، بينما وصل بنا الانحراف المرجعي إلى إبطال دلالة هذه الآيات، لننتصر لرواية تُقارع النص القرآني وتزاحمه في مصدرية الهداية.

ورحم الله العلواني عندما أشار إلى أن بعض أهل الحديث عندما أرادوا أن يرفعوا من شأن الرواية ويعززوا من منهاجها؛ أكدوا أن القرآن مروي.

أسأل الله العظيم أن يعيد لهذه الأمة أمر رشدها في الغيرة على كتاب ربها والعودة إليه.

د. عمار الحريري

24/01/2026

التمسك بالكتاب هو سبيل المصلحين

جاء في سورة الأعراف قوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: 170].

تدبّرت هذه الآية وكأنها تنزل اليوم، في ظل ما تعيشه الأمة من تراجع عن مركزية كتاب الله تعالى، لا من حيث التلاوة، بل من حيث المرجعية والاحتكام. والعجيب في هذه الآية أنها ربطت التمسك بالكتاب بالإصلاح ربطًا حصريًا؛ فلم تقل: أجر المؤمنين، ولا أجر العاملين، بل خصّت المصلحين دون غيرهم.
وفي مواضع أخرى، يقرر القرآن قاعدة عامة في الجزاء، كقوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]،

لكن حين يتعلّق الأمر بالإصلاح – وهو فعل يتجاوز الفرد إلى المجتمع – فإن القرآن يشترط التمسّك بالكتاب شرطًا أوليًا لا بديل عنه.

ولزيادة المعنى زاد المبنى، فجاء التعبير مشدّدًا في قوله: ﴿يُمَسِّكُونَ﴾، لا مجرد “يمسكون”، في إشارة إلى تمسّك واعٍ، دائم، مقاوم للتفريط والضغوط، لا تمسّكًا شكليًا ولا انتقائيًا. فالكتاب هنا ليس مصدر إلهام عام، بل ميزان حكم، ومعيار تصحيح، وأداة إصلاح.

ثم قرن الله ذلك بإقامة الصلاة؛ لأن المصلح لا يستغني عن تزكية نفسه، ولا عن الصلة بالله تعالى، ولا عن الاستعانة بالصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتحفظ على المصلح بوصلته الأخلاقية وسط الفتن والصراعات.
إن التمسك بكتاب الله تعالى ليس خطابًا وعظيًا، ولا شعارًا يُرفع عند الأزمات، بل هو منهج إصلاحي متكامل، يبدأ بإعادة الاعتبار للقرآن مرجعًا أعلى، وينتهي بإصلاح الإنسان والمجتمع على هديه. ومن هنا كان الإصلاح الحقيقي – في منطق القرآن – لا يقوم على الأشخاص، ولا على الرموز، ولا على كثرة الشعارات، وإنما يقوم على الكتاب الذي لا يضل من تمسك به ولا يخيب من احتكم إليه.

Address

Fatih

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when الكتاب والحكمة posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share