09/08/2026
رواية رزية الخميس:
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما حضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال، فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي ﷺ: «هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده» فقال عمر: إن النبي ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي ﷺ كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي ﷺ، قال رسول الله ﷺ: «قوموا» قال عبيد الله: فكان ابن عباس، يقول: «إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم».
هذا الحديث المشهور بـ رزية الخميس فيه إشكالات وعلل خطيرة تمس كمال الرسالة، ويمكن تلخيص نقده في النقاط الآتية:
1- مناقض لاكتمال الدين:
يقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. فلو كان النبي ﷺ يريد أن يكتب "كتابًا" لا تضل الأمة بعده، لكان معنى ذلك أن الرسالة لم تكتمل بعد، وأن تمام الدين متوقف على وصية مكتوبة، وهذا يقدح في صريح القرآن. أما مسألة الأمر السياسي من بعده، رتب ذلك بنص قرآني للأمة كلها ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾.
2- إساءة إلى النبي ﷺ:
الرواية في صيغة أخرى تتضمن أن بعض الحاضرين نسب إليه أنه "هجر"، أي خلط وهذى من شدة المرض. وهذا لا يليق بمقام النبوة، ولا بمن حوله من أهله.
3- إساءة إلى عمر بن الخطاب:
إذ تجعله الرواية في صورة المعترض المانع لأمر النبي، وكأنه حال بين الأمة وبين وصية عظيمة تحفظها من الضلال.
4- إساءة إلى الصحابة الذين كانوا حوله:
ففي الرواية أنهم أكثروا "اللغط والاختلاف" عند رسول الله ﷺ في مرض موته، حتى أمرهم بالقيام. وهذا يتنافى مع حرصهم على تنفيذ أوامره، وتعظيمهم له في حياته وبعد وفاته، وخاصة أن الحديث هنا عن نخبتهم ممن كان حول النبي أيام مرضه ووفاته.
اتخذ الشيعة هذه الرواية مستندًا للقول بأن النبي ﷺ كان يريد أن يوصي بالإمامة لعلي بن أبي طالب، وأن عمر هو الذي حال دون ذلك، فبنوا عليها طنعهم في الخلفاء الثلاثة. والحقيقة أن مثل هذه الروايات صنعت في سياق الجدل المذهبي والسياسي بعد وفاة النبي ﷺ، والعلة الأولى كافية في الحكم بردها.
#الدكتور عبدالله القيسي