15/12/2013
س : ما حكم الدّراسة في معهد أو جامعة مختلطة مع عدم وجود البديل؟
ج : الأصل أن الاختلاط بين الجنسين محرم ، فتحرم الدراسة والعمل في مكان يكون فيه اختلاط بين الرجال والنساء دون فصل و تمايز بينهم ، هذا هو الأصل لكون ذلك ذريعة إلى الفساد والفتنة ، ولكن إن عمّت البلوى في بلاد ما بمثل هذه الدراسة المختلطة ، وتعذر منع الاختلاط وإيجاد أماكن دراسة تخلو منه وكان المسلمون في حاجة لدراسة المسلم أو المسلمة ، كدراسة المرأة الطب ونحو ذلك أو كانت هي في حاجة إلى الدراسة أو العمل ، مع أمن الفتنة أو غلبة الظنّ بعدم حصولها مع التقيد بقيود الشرع والانضباط بضوابطه كغض البصر وتجنب الملامسة والالتصاق بين الرجال والنّساء وعدم الخضوع بالقول أو تزيين المرأة لصوتها بحضرة الرّجال وهكذا جميع ما يجلب الفتنة لها أو بها مع الحرص على مصاحبة الصالحات من زملائها في الدراسة ، فلا بأس حينئذٍ بهذه الدّراسة لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث سودةَ بنتِ زُمْعَة رضي الله عنها : «قَدْ أَذِنَ اللهُ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ » متفق عليه .
ولما قرّره العلماء من قواعد تدلّ على ذلك كقولهم : «مَا حُرِّمَ لِذَاتِهِ يُبَاحُ
عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَمَا حُرِّمَ لِغَيْرِهِ يُبَاحُ عِنْدَ الحَاجَةِ»، وكذا قاعدة: «مَا حُرِّمَ سَدًّا
لِلذَّرِيعَةِ أُبِيح لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ»
ومن أمثلة هذه القـاعدة قـوله تعالى : (﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ
وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾) .
قال ابن القيم رحمه الله : « لَمَّا كان غض البصر أصلاً لحفظ الفرج بدأ بذكره، ولمَّا كان تحريمه تحريم الوسائل فيباح للمصلحة الراجحة، ويحرم إذا خيف منها الفساد، ولم يعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة، لم يأمر سبحانه بغضه مطلقًا بل أمر بالغضّ منه، وأمَّا حفظ الفرج فواجب بكل حال، لا يباح إلا بحقه، فلذلك عمّ الأمر بحفظه » .
ولهذا قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "شرح حلية طالب العلم" ص 110 فيمن ابتلوا في الدراسة مع الاختلاط على وجه نظامي : « يمكن أن يقال بالتفصيل إن دعت الضرورة لذلك بأن لا يوجد جامعات أو مدارس خالية من ذلك فهنا قد تكون هناك ضرورة , وفي هذه الحال يجب على الطالب أن يبتعد عن الجلوس إلى امرأة أو التحدث معها أو تكرار النظر إليها , يعني بقدر ما يستطيع يبتعد عن الفتنة فأما إذا كان يمكن أن يدرس في مدارس أخرى خالية من الاختلاط , أو بها نصف اختلاط بأن يكون النساء في جانب والرجال في جانب آخر , وإن كان الدرس واحدا فليتق الله ما استطاع » والله أعلم .
س : هل يجوز لفتاة في العشرين من عمرها أن تدرس القرآن لذكور يتراوح أعمارهم بين 9 و 10 سنوات .
ج : إذا لم يصل الذكور إلى سن البلوغ أو ما يقاربه حتى يكون مظنة له ـ وهي سن العاشرة ـ فإن الأصل هو جواز تدريسهم من قبل المعلمات لعدم وجود المانع الشرعي من ذلك , لكن إن بلغوا سنّ العاشرة فينبغي عليهن ترك مباشرة تدريسهم لأن هذا السنّ هو مظنة البلوغ الشرعي عند بعض الفقهاء ـ وهو السبب في تفريق المضاجع في حديث ” اضربوهم عليها لعشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع ” لكننا نقول : أن اشتغال النساء بتعليم البنات , واشتغال الرجال بتعليم الفتيان ولو قبيل العاشرة هو الأسلم والأولى ، والحاصل في مسألتكم أن الترك أولى ، والله تعالى أعلم .
س : هل يجوز للزوجة لبس فستان أبيض ليلة الزواج لأنّه ثمّة من يقول
أنّ في ذلك تشبها بالكفار و أن اللون الأبيض معتقد مسيحيّ ؟
ج : الأصل في اللباس الإباحة ما لم يدل على تحريمه الدّليل الشّرعيّ ، والأدلّة الشرعيّة فيها : النهي عن التشبه بالكفار فيما يختصّون به ، لكن فستان العرس وإن كان عادة من عادات النصارى ، فقد صار الآن أيضا من عادات المسلمين بحيث لا يتميّز به كافر من مسلم لشيوع استعماله في بلاد المسلمين أيضًا ، وضابط التشبه المنهيّ عنه هو أن يكون ما يُشبِه شعاراً لهم ، مثل طاقية اليهود ، ولباس الرهبان ، ونحو ذلك ، فإن لم يكن شعارًا لهم يختصّون باستعماله فليس فيه المحظور ولا علّته كفستان العرس فلا تنقله ـ على هذا ـ قاعدة التّشبّه من الإباحة للتّحريم .
والأدلّة الشرعيّة أيضًا فيها : النهي عن اللّباس الذي يخالف لبسه مطلب الّستر للعورة كاملة ، ويكون في هذا تفصيل في جواز لبس الفستان المسؤول عنه بحسب ذلك ، فإن كانت تلبسه في محضر النّساء ومحارمها من الرّجال وهو ساتر لمحلّ عورة المرأة أمام المرأة ومحارمها فهو جائز وإلاّ فلا ، وعورة المرأة على المرأة ومحارمها الرّجال عند المحقّقين من الفقهاء كما هو ظاهر القرآن هي :ما يبدو في مهنتها ويظهرُ غالباً منها من مواضع الزينة ، كالرأس واليدين والعنق والقدمين ، فإذا كان ساترًا لسائر المواضع كان ساترًا للعورة وجاز لبسه ، والله أعلم .
س : هل يجوز أن تلبس المرأة أمام زوجها السّراويل الضّيّقة أو ترفع شعرها كأسنمة البخت أمامه مع ما جاء في الخبر من النّهي العام عن ذلك وأنّه علامة من علامات الساعة ؟
ج : يجوز ذلك أمام الزوج بلا حرج ، لأنّ الخبر المذكور وإن كان مقصودًا منه النهي بل الوعيد على ذلك الفعل ، لكن هذا النهي في باب العادات والنّهي في باب العادات يكون معقول المعنى ؛ ويمكن معرفة العلّة منه ، أمّا علّة النّهي عن لبس الضّيّق فهي : إظهار العورة ، وهذه علّة تنتفي أمام الزّوج فيحلّ لها ذلك أمام زوجها لأنّه لا عورة لأحدهما على الآخر ، وأمّا علّة النّهي عن رفع الشعر فهي : إظهار الزّينة وهي علّة منتفية بحضور الزوج والنّساء وكذلك الرّجال من محارمها كالأب والأخ والعم والخال ، ومن قال أنّه لا يجوز لبس البنطال الضّيّق أمام الزّوج أو رفع الشّعر كأسنمة البخت أمام الزّوج وأمام النّساء فلكون علّة النّهي عنده في كليهما هي التّشبّه بالرّجال في مسألة السّراويل والتّشبّه بهم في العمائم في مسألة رفع الشعر ، وذلك يعمّ النّهي عنه أمام الجميع لأنّ التّشبّه منهيٌّ عنه لذاته ، لكن التّحقيق أنّها ليست هي العلّة ، والمستقرئ للأخبار يعلم أنّ النّساء كنّ يلبسن سراويل تحت ثيابهنّ في عهد النّبوّة فليست السّراويل خاصّة بالرّجال بل العلّة هي إظهار الزينة كما يدلّ عليه سياق الحديث ، فإنه ذكر أنهن كاسيات عاريات، وأنهن مائلات مميلات، وهذه الأوصاف تقتضي أنها تظهر من زينتها ما تفتن به الرجال ، ومن ذلك أنها ترفع شعرها فوق رأسها فيكون بارزًا ظاهرًا فيدعو للفت أنظار الأجانب إليها . والحاصل جواز لبس الضّيّق أمام الزوج وحده ورفع الشعر كأسنة البخت بحضور الزوج والنّساء وكذلك الرّجال من محارمها ، والله تعالى أعلم .
س : هل تغطية المرأة لقدميها في الصّلاة واجب ؟
ج : الأصحّ أن المرأة عورة إلا الوجه والكفين- في الصلاة-، فظهور قدميها من العورة ومن ذلك في الصلاة في قول جمهور الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد خلافا لأبي حنيفة ، ومن أدلّة الجمهور حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ ؟ قَالَ : (يُرْخِينَ شِبْرًا) فَقَالَتْ : (إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ) قَالَ : (فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لا يَزِدْنَ عَلَيْهِ) . أخرجه الترمذي (1731) وقال: حديث حسن صحيح.
قال الباجي في "المنتقى": " وَقَوْلُهَا رَضِي اللَّهُ عَنْهَا فِي إرْخَاءِ الذَّيْلِ شِبْرًا : (إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ) تُرِيدُ أَنَّهُ لا يَكْفِيهَا فِيمَا تَسْتَتِرُ بِهِ ; لأَنَّ تَحْرِيكَ رِجْلَيْهَا لَهُ فِي سُرْعَةِ مَشْيِهَا وَقِصَرِ الذَّيْلِ يَكْشِفُهُ عَنْهَا فَلَمَّا تَبَيَّنَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَالَ : (فَذِرَاعًا لا تَزِيدُ عَلَيْهِ) " انتهى .
ويعززه حديث مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ قُنْفُذٍ، عَنْ أُمِّهِ : أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ الْمَرْأَةُ مِنَ الثِّيَابِ ؟ فَقَالَتْ : " تُصَلِّي فِي الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغ، إِذَا غَيَّبَ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا "وهذا قد روي مرفوعا والصّواب موقوف وله حكم الرّفع .
شيخ أبي عبد الرحمن قيس الخياري
___
z.b