لغتنا العربية الجميلة

لغتنا العربية الجميلة

Share

دروس تعليمية للتعليم الأساسي المرحلة الثالثة الابتدائية لغة : قراءة و انتاج كتابي و قواعد لغة

05/01/2021

بقلم: ايناس حسيني
العلاقة الموضوعية بين الشكل والمضمون في العمل الادبي
وجهان لعملة واحدة ..
لا شك ان كلمتي »الشكل« و»المضمون« جديدتان على النقد العربي على الاقل فيما يختص باستعمالهما الفني، فالواضح من كتب النقاد العرب القدامى (وبعض المعاصرين الذين سلكوا سبلهم) ان تناولهم لهذه القضية كان من صورة »اللفظ« و»المعنى« ـ وكانوا يقصون باللفظ عامة التركيب اللغوي الذي ينظم نوع الكلمات من حيث جديتها او قدمها، او من حيث شيوعها او اقتصارها على الخاصة، او اتصالها بدلالات (او بنوع من المدلولات) مبتذلة كانت ام سامية.
وكان يقصد بالمعنى اما فكرة تعبر عنها الالفاظ او المغزى الاخلاقي الذي يرمي اليه الكاتب او قد تعنى كلمة »معنى« في بعض المواضع ما نسميه الان صورة فنية.

ولا شك ايضا ان كلمتي (الشكل) و(المضمون) لم يعودا يترادفان مع اللفظ والمعنى على الاطلاق، وانما انسحب كل منهما على دلالات ذات صلة بالمفهومات الفنية الجديدة، والنظرة التي تغلغلت الى دقائق عملتي الخلق والتذوق الفنيتين، وتوسلت بالعلوم الحديثة مثل علم دلالة الالفاظ، وعلم النفس وعلم الجمال.

لقد جرت العادة على اعتبار الشكل نوعا من »ملحق زخرفي« يوفر قيمة ترفيهية بينما كانت عملية الارشاد (التي ترتبط بالمضمون) تسير قدما. او، مستخدمين تشبيها اخر، كان الشكل وعاء يصب فيه المضمون، ونظريا كان الوعاء ذاته قادرا على استقبال مضامين شتى. فاذا حدث تغيير في الشكل كان ذلك استجابة لمقتضيات المضمون. لقد ادى ذلك كله الى التأكيد على المضمون، وكان بالتالي مسئولا عن بعض الدراسات الادبية.

غير المتجانسة، اما النظرية الشكلانية فقد عكست اولية المضمون على الشكل، وقصرت اهتمامها على الشكل، وبذلك يصبح المضمون متوقفا على الشكل دون ان يكون له اي وجود مستقل ضمن الادب ليس بوسع التحليل الادبي استقراء المضمون من الشكل اذ ان الشكل لا يتقرر بفعل المضمون وانما بفعل الاشكال الاخرى. غير ان العامل الحاسم، الذي يغيب عن انظارنا بسبب الاستمرار في استخدام هذه المصطلحات، هو العلاقة الدينامية والتفاعلية القائمة بين المادة والاداة. تفعل الادوات فعلها في المادة، وهي، بوضعها المواد الخام قيد استعمال معين، غالبا ما تحول مظهرها الخارجي.
كما ان النظرة الحديثة الى العمل الفني في جميع صوره تحتم اعتباره وحدة مترابطة لا تنفصل الى شكل ومضمون، وانما يستغرق صاحبه ويحتم وجوده فلا نستطيع بأي حال ان نقسم المسرحية مثلا الى مضمون انساني او اخلاقي او فلسفي.. الخ وشكل درامي مجرد من هذا المضمون. وانما يمكننا افتراض وجودهما في حالة من الاندماج التام يستعصي معها مناقشة احدهما دون التعرض للآخر.
كما ان اعتبار الاعمال الفنية كائنات عضوية اي نامية متكاملة ـ لا نستطيع بتر جزء منها دون ايذاء العمل او حتى قتله ـ هذه النظرة العضوية يتلاشى امامها الحاجز الموهوم بين الشكل والمضمون.

ضرورة ملحة الشكل الفني ضرورة ملحة في اي فرع من فروع الفن، مضمون العمل الفني مرتبط بخط اساسي. والشكل الفني الناجح هو النتيجة المباشرة لنجاح الفنان في استيعاب مضمونه الفكري، واخضاعه للمقومات الدرامية التي تعتمد على الادوات الفنية، مثل: الحوار والشخصية والموقف والحدث.. الخ عند الاديب، والالوان والالحان والايقاعات عند الموسيقي. والهدف النهائي يتمثل في الشكل الفني الجميل المتميز والادوات تستخدم في اكثر من فن بحكم تداخلها. والشكل الفني بصفة عامة ليس مجرد زخارف خارجية مظهرية يضيفها الفنان او الاديب ليرغب القارئ او المتلقي في الاطلاع على مضمونه.

المضمون الفكري او معنى العمل الادبي او الرسالة الانسانية التي يريد توصيلها الاديب للمتلقي. وهو الوجه الاخر للشكل الفني، ويجب على الناقد دراسة المضمون الفكري من خلال العمل الفني الذي جسده وليس منفصلا عنه. وكما رأى افلاطون في دور الفن كمحاكاة للحقيقة المعيشية، فإن الفنان لا يحاكي الفكرة المجردة وانما يحاكي الظاهرة او التجسيد المادي للفكرة. فهو يحاكي محاكاة سابقة وليست له رسالة فلسفية مبتكرة خاصة به. وارسطو قال ان الفنان يحاكي الفكرة المجردة اي انه يحاكي الاصل، خاصة فيما يتصل بالجوهر او الفكرة.

ففي العلم ينتهي دور المضمون بمجرد استيعابه عقليا، اما في الادب فالمضمون الفكري، من خلال تفاعله مع الشكل الفني.
وغالبا ما يرتبط المضمون الفكري في ذهن القراء، بل والنقاد، بالمعنى او الهدف الذي يقصده الاديب من عمله، ويحاولون تحديده وتفسيره. والمعنى في المضمون الادبي لابد ان تتعدد دلالاته ومعانيه واتحاداته من متلقٍ الى آخر. ولابد ان يستقل معنى العمل الادبي عن هدف الاديب بمجرد الانتهاء من ابداعه، ذلك ان الهدف الذي ادى الى ابداعه مجرد دافع. انه وسيلة ينتهي دورها بمجرد ان يصبح معنى العمل جزءا عضويا منه، لا ينفصل عنه، ولا يستمد في الوقت نفسه دلالاته من افكار الاديب واتجاهاته الخاصة. حتى الكلمة المفردة بمجرد دخولها النص الادبي تكتسب معنى جديدا يختلف عن معناها التقليدي.

الشكل الفني ليس مجرد قالب نقوم بصب المضمون فيه وليس هناك الشكل الفني المسبق المحدد الذي يمكن فرضه على اي عمل فني. والاشكال الفنية تختلف باختلاف بصمات الاصابع. ومن هنا تبرز اهمية وعي الفنان بمضمونه. ونحن لا نطلب منه ان يكون واعيا باستمرار، والا تحولت التلقائية الفنية عنده الى حرفية تسود فيها الصنعة على الفن، ولكن طالما ان الشكل يجسد جزئيات المضمون الفكري على المستوى الفني فإنه يتحتم على الفنان الا يتدخل في توجيه السياق وجهة معينة، بل عليه ان يترك العمل الفني يشكل نفسه بنفسه طبقا للتسلسل المنطقي والتلاحم الدرامي بين جزئيات المضمون.
ويتدخل الوعي الفني كي يوجه الاحداث، ويطور الشخصيات. من خلال الوعي الناجح الشامل بالشكل الفني يرى الفنان الجزء في ضوء الكل. وليس من الخطأ ان يقوم الفنان بنقد العمل الفني اثناء عملية الخلق. حتى يختار ما يتلاءم مع طبيعة عمله، ويرفض ما يتنافى معها.

والمضمون الفكري ــ حتى لو كان فكرة شائعة او قضية يعلمها الجميع ــ متى تفاعل مع الشكل الفني للعمل الادبي اصبح خاصا به وليس له امتداد خارجه، او اتصال بأي شيء اخر. فالاديب الواعي هو الذي يجسد التفاعل بين هذه الافكار والمضامين وبين تطورات العصر الذي يعيشه، والذي يلقى عليها اضواء جديدة، وينظر اليها من زوايا معاصرة. والاديب ابن عصره فاذا فشل في استيعاب روحه فلن ينجح في استيعاب اي عصر اخر.

ادباء العصر الواحد اذا ما تناولوا مضمونا واحدا فلابد ان يأتي مختلفا اختلاف بصمات الاصابع.. فالمضمون ملك للجميع لكن متى انصهر في بوتقة الشكل الفني فإنه يصبح ملكا للعمل الادبي وحده.
ولا نقول ملكا للأديب الذي ابتدعه. والاديب الذي يقتفي اثر من سبقوه او معاصريه في الاضواء والزوايا التي ينظر منها الى المضمون المعالج ــ لابد ان يدفع الثمن غاليا، لأن اعماله ستدخل تحت بند التقليد الاعمى، وستسقط من حساب التقاليد الادبية، لأنها لم تضف اليها جديدا.

وبصرف النظر عن المدارس الادبية والمذاهب النقدية المتتابعة والمتعددة من الكلاسيكية الى العبثية، فإن الناقد ــ اي ناقد ــ في مواجهة اي عمل فني لابد ان يلقي على نفسه ثلاثة اسئلة، تعد بمثابة مفاتيح لمغاليق العمل. السؤال الاول: ما الهدف الذي يسعى اليه الفنان كي يتحقق من خلال عمله الفني؟ والثاني: ما الوسيلة التي استخدمها الفنان في تحقيق هذا الهدف وتوصيله الى المتلقي؟ والثالث: هل نجحت الوسيلة في توصيل الهدف ولماذا؟ او فشلت ولماذا؟ سواء كان النجاح أم الفشل كليا او جزئيا.

فاذا استطاع الناقد ان يجيب عن هذه الاسئلة بموضوعية تحليلية، فلابد ان يضع يده على مصادر الجمال والابداع، او القبح والركاكة في العمل المطروح للتحليل والتقويم، ولابد ايضا ان يساعد المتلقي على الاقتراب من العمل واستيعابه وتذوقه، بل والمرور بنفس التجربة الجمالية والسيكولوجية التي مر بها الفنان خلال ابداعه لعمله، عندئذ لن تقتصر المسألة على التقاط مضمون فكري معين وفهمه، بل ستتحول الى تجربة حسية وشعورية وعقلية، لابد ان تغير شيئا ما في داخل المتلقي، فالمعنى لا يوجد في المضمون فحسب، بل في المضمون والشكل في آن واحد، ويبدأ مع العمل الادبي من اول كلمة فيه، ثم يتنامى ويتطور ويتصاعد حتى يكتمل تماما مع اخر كلمة فيه.

لكن لا يوجد مضمون صالح للقصيدة او المسرحية او للرواية، واخر غير صالح، لأنه لا توجد مضامين مسبقة وسابقة التجهيز لزوم الاستعمال الفوري، وانما المضمون الفكري في العمل الفني لا يكتسب هذه الصفة او الخاصية الا اذا انصهر تماما في بوتقة الشكل الفني، واصبح جزءا عضويا لا يتجزأ منه، فالعمل الادبي يستمد عناصره من الحياة لكنه ليس صورة لها، وهو ليس معادلا للحياة او بديلا عنها، لأن ما يزودنا به يختلف عما تزودنا به الحياة، فهو لا يمكن ان يزودنا بشيء خارج عن نطاقه، لأن قيمة العمل الادبي ليست فيما يمدنا به من معلومات او خبرات، وانما في الاثر المعين الذي يحدثه في نفوسنا كما هو، كاملا محددا كما خلقه الفنان.

الحياة منبع العمل الادبي وليس هناك شك في ان الحياة هي المنبع الذي يصدر عنه العمل الادبي، كما انه منبع اي شيء، اخر، لكن مضمون الحياة بما يحتويه من مشاعر وخبرات مختلفة ــ خلق منها الفنان العمل الادبي، وهو مضمون الحياة ــ لا تبقى عناصره بعد عملية الخلق الفني كما كانت، بل تمتزج امتزاجا تاما من شأنه ان يحيلها الى شيء يختلف في طبيعته وفي اثره فينا عن نفس هذه العناصر كما نعرفها في الحياة. ولذلك فإنه من الخطأ البين ادراك العمل الادبي على انه مجرد ترجمة للمضامين والحقائق الموجودة خارج العمل الادبي نفسه، برغم انها كانت السبب الاولي في خلقه، اذ انها لم تعد نفس المضامين والحقائق بعد ان اندمجت وامتزجت وكونت العمل الادبي.

ونظرا لكل هذا التخبط في مجال ايجاد مفهوم جامع مانع للمضمون الفكري في العمل الادبي، خصص الناقد ايريك بنتلي في كتابه »حياة الدراما« فصلا كاملا عن هذه القضية، اوضح فيه ان المضمون الفكري في الدراما من اكثر المفاهيم اضطرابا بالافكار الجاهزة والاهواء المسبقة. ولعل منشأ هذا الاضطراب يكمن في الفصل بين الفكر والشعور، والتركيز على احدهما دون الاخر.

لكن المضمون الفكري في حد ذاته ليس امرا يهنئ الاديب نفسه عليه، ذلك ان معظم الفكر، كمعظم الشعور، لا يتميز بالروعة التي قد نتصورها، فالافكار لا تتساوى كلها في الرفعة والموضوعية، ولا يعنى بها الا الكتاب والنقاد من ذوي البرودة الذهنية. وتاريخ الفكر الانساني يوضح لنا ان الافكار كانت دائما ـ ولاتزال ـ الوقود الذي يشعل المشاعر الهوجاء للجماهير.

فلم ينتشر العنف على نطاق واسع الا بفعل الافكار التي تحض عليه. وما من شيء حتى اليوم يمكنه ان يقلل التوازن الذهني والشعوري للانسان مثل نظرية من النظريات، ولذلك فالمشاعر هي المظهر الأرق، والافكار هي المظهر الاعنف، والدليل على ذلك ان حدة المتعصب لا تلطفها فكرة تنافس فكرته، بل بملامسة شافية بينه وبين المشاعر الرقيقة الرقراقة فوق جمرات افكاره. فأسوأ الناس هم الذين ينقادون للأفكار دون تحفظ، ثم يتوهمون ان حياتهم حياة فكرية راقية، لأنه لا يهمهم من الحياة سوى الافكار، اما المشاعر في نظرهم فهي الشغل الشاغل لمن هم اقل منهم وعيا ونضجا وفكرا.
واذا كانت الافكار تمتلك هذه القدرة على تهييج المشاعر التي قد تكون فجة وهوجاء في احيان كثيرة. فإنه من الخطأ، بل من الخطر، ان يرضى الانسان بالاثارة العاطفية بغض النظر عن المصدر الفكري المحرك لها، خاصة ان هذه هي الوسيلة المفضلة التي يلجأ اليها ادب الدعاية المباشرة الساذجة الفجة، الذي يدفع كاتبه الى استخدام كل الوسائل الممكنة، بل غير الفنية وغير الدرامية، كي يحاول اقناع قرائه ودفعهم دفعا من وجهة نظر الى اخرى، ومن ثم الى العمل الفوري، وربما العمل العنيف. ومن هنا كان اعتراض كثير من الكتاب والنقاد الموضوعيين على ما يسمع بأدب الافكار، لأنه غالبا ما يستخدم الافكار لأغراض دعائية غير فنية وغير جمالية.

ونحن نعترف ان الفن بصفة عامة يعلمنا شيئا ما، ومع ذلك فهو لا يمكن ان يكون تعليميا بحتا، لو اراد مبدعه له ان يكون ناضجا ونابضا بالحياة. فالنظرة الى المضمون الفكري لعمل ما، تتفاوت من متلق الى آخر، ومن زمن الى اخر، ولذلك فإن اعداء التعليمية على الاطلاق، وكذلك انصارها، على خطأ بين. فاذا كان الشاعر والناقد الانجليزي صمويل جونسون قد قال: »واجب الكاتب دوما هو ان يجعل العالم افضل« فلابد انه كان يعنى انه اذا بالغ الانسان في حماسه للدعاية او الدفاع عنها، فإنه قد يبالغ ايضا في عدائه للدعاية التعليمية والاغراض التثقيفية بصفة عامة. والفن الناضج الواعي يرفض التطرف الى هذا الموقف او ذاك، لأن الفن يعلم ولكن بطريقته الفنية والدرامية والسيكولوجية والجمالية الخاصة به.
والشكل هو الذي يمنح العمل الفني معناه من خلال التتابع الحتمي بين مراحله النهائية. فالقصة مثلا لها بداية ووسط ونهاية، تبدأ من نقطة معينة تتضمن خطوطا محددة، تتوازى ثم تتشابك بحيث تؤدي الى النقطة التي تليها، وهكذا حتى نهاية القصة. والقارئ يستمتع لأنه يثير فيه الفضول والشوق لمعرفة ما سوف يلي، ثم يقوم باشباعها على نحو يرضي القارئ ويمتعه.

والحديث عن الشكل لابد ان يجرنا الى الحديث عن المضمون بحكم استحالة الفصل بينهما، فهما وجهان لعملة واحدة، هي العمل الفني نفسه. فالمضمون في العمل الفني يختلف اختلافا جذريا عن المضمون في مجالات المعرفة والتعبير التي نمارسها في حياتنا العملية. فعندما نقرأ مقالة في صحيفة يومية مثلا، فإننا ننتهي منها بمجرد ان نستوعب مضمونها المتمثل في وجهة نظر كاتبها، اما شكلها فلا يهم في كثير او قليل طالما انه قام بدور الموصل الجيد لافكار الكاتب، فالشكل عبارة عن وسيلة لغاية متمثلة في توصيل المضمون فحسب، اما في العمل الفني فالشكل والمضمون هما الوسيلة والغاية في اللحظة نفسها، فالمضمون لا تنتهي جدته بمجرد معرفته كما يحدث في المقال او الخبر الصحفي او البحث العلمي، بل يستمد جدته من الشكل الفني الذي لابد ان يكون جديدا بالضرورة. فمثلا استعار شكسبير مضمون مسرحياته من الاساطير والقصص التاريخية المعروفة، اي ان المضمون او الخبر فيها ليس جديدا او مهما في حد ذاته.
لكنه يستمد اهميته الجديدة من اندماجه في نسيج المسرحية لاحداث احساس معين، او تجربة نفسية يمر بها المتذوق، وهي التجربة التي تمثل الجانب العملي لمفهومنا المجرد عن الشكل الفني.

والمضمون من خلال الشكل لا يزود المتذوق بمعلومات جديدة عن شيء غامض، فهذه ليست مهمة الفن الذي يعتمد في جانبه العملي السيكولوجي على تزويد المتذوق بمنفذ للتنفيس عن نزعاته المكبوتة، وتنسيقها داخل البناء الفكري والخيالي للعمل الفني، وهي العملية التي اسماها إ. أ. ريتشاردز »بالقيمة« او القدرة على اشباع الاحساس والرغبة المثارة بطريقة او بأخرى.

فالفنان يستطيع ان يثير في نفس الجمهور حالات ذهنية وشعورية لاتقف عند مرحلة الاثارة، بل تنتقل الى مرحلة التناسق، حين تتخلص نزعات النفس من التشويش والاضطراب والتشتيت الذي تعاني منه من جراء ضغوط الحياة اليومية، وهي المرحلة التي تبدو فيها نزعات النفس وكأنها توشك على ان تتحقق، وبذلك يعوضنا الفكر والخيال عن النقص الذي نعاني منه في حياتنا العملية، والذي يمنعنا من التعبير عن هذه النزعات بطريقة عملية وصحيحة في آن واحد.
فالانغام والالحان ليست لها قيمة في حد ذاتها، وانما تنبع قيمتها من تتابعها في نظام معين، يحقق اثارة احساس المتلقي بالتوافق الطبيعي ولا يتأتى هذا الاحساس الا من خلال الشكل الفني. ويعتمد عند الحتمية في الشكل الفني على المفارقة، او التوازي، او المقارنة، او التنويع، او التوحيد، او التكرار، او المقابلة، او اي شكل اخر، يكسب العمل فردية، ويجعله يثير في نفوسنا احساسا يشبعه فيما بعد.

ولذلك هناك فارق اساسي بين الحادث والحدث، فالحادث الذي نقرأ عنه في صفحة الحوادث في الصحيفة اليومية هو غاية في حد ذاته، اما الحدث الذي يواكب الاحداث في قصته مثلا، فلا قيمة له في حد ذاته، ذلك ان قيمته لا تنفصل عن النسيج العام لأحداث القصة، ومن ثم عن شكلها الفني الذي لا يسعى وراء الحقائق والوقائع في ذاتها ولذاتها، وانما يخضع هذه الحقائق والوقائع لاثارة احساس معين واشباعه. والعمل الفني الناضج قادر في النهاية على اشباع رغبة المتلقي عن طريق الشكل العضوي المتكامل للعمل.

فصل الشكل عن المضمون ان الزعم بأن هناك »مضمون« في العمل الفني يمكن فصله عن الشكل الذي يصوغه الى تجربة مفهومة او معنى مفهوم، او بأن هناك شكلا فنيا يوجد منفصلا عن التجربة التي يتشكل من خلالها لهو قول غريب حقا. اذ ان الانسان يعرف على ابسط المستويات في الحديث العادي بأن الصيغة هي المعنى ـ فصيغة اي سؤال ـ على سبيل المثال ـ تحدد معنى السؤال، وهدفه، بل وايضا اذا كان سؤالا حقا ام لا.

فهناك صيغة انكارية، وصيغة تحدد الجواب الذي تريده مسبقا بحيث يحتوي السؤال على جوابه، وهناك صيغة استفهام حقيقي ـ بمعنى ان ذهن طارح السؤال يكون حقا في حالة بحث عن اجابة.. وهكذا. قد تظل كلمات السؤال واحدة، ولكن معناها يتحدد من خلال الصياغة الصوتية.

وهكذا في الفن ايضا: الشكل هو صياغة التجربة ومعناها في آن واحد. فمادة الحياة توجد حولنا، وتظل هلامية لا شكل لها ولا معنى طالما لم نعترك معها في صراع يتحدد من خلاله مفهوم كل منا لطبيعتها وطبيعة علاقتنا بها. والمفهوم الذي نصل اليه هو في نفس الوقت تصورنا لشكل هذه المادة الهلامية ـ اي هو في اساسه تشكيل نحاول توصيله الى الاخرين.

ان محاولة استخلاص قوانين فنية من اعمال فنية سابقة وفرضها فرضا تعسفيا على نزعة الابداع الفني او استقبال المتلقي للعمل الفني ـ اي محاولة استخلاص اساليب صياغة من ابداع سابق وفرضها باعتبارها قانون ابداع عالمي ـ انما هي في حقيقة الامر جهد ايديولوجي لا فني، فهي تمثل محاول ترسيخ طريقة صياغة معينة (ينبغي ان يلتزم بها كل مبدع ويتوقعه كل متلقي) بغرض ترسيخ تفسير معين للتجربة البشرية وتقييم حد لها في زمن ولى، واصبح يتهدده في زمن لاحق تفسير جديد ورؤية جديدة ــ اي اسلوب صياغة جديد. اي ان محاولة الحفاظ على اسلوب فني هي في حقيقة الامر محاولة للحفاظ على تصور معين للوجود الانساني ولمعنى التجربة الانسانية.

الفن نسق رمزي يلخص تجربة انسانية حياتية وهذا النسق الرمزي لا يكتسب وجوده الحي الا عندما يتصل بالحياة ليصبح من خلال تفاعله معها تجربة فنية. وعلى هذا، فمن الاجدى لنا عند الحديث عن الفن الا نتحدث عن شكل او مضمون، بل عن تجربة فنية. ويصدق هذا سواء كنا نتحدث عن الفن من وجهة نظر المبدع او المتلقي. واذا نظرنا للفن باعتباره تجربة تتشكل فنيا ومعنويا من خلال جدلها مع الحياة اصبحت قضية الفن للفن ام للحياة نوعا من السفسطة واختلاقا لعراك لا معنى له.

ولا يمكن تجاهل العنصر الفكري في الحيوية التي يجب ان تتمتع بها الدراما الناضجة. فالمضمون بالنسبة للشكل بمثابة الروح بالنسبة للجسد، واذا انفصل المضمون الفكري عن الشكل الفني فإن العمل الفني يسقط جثة لا حراك فيها (لا روح فيها)، وبالتالي فإنه يشطب من على خريطة الفن الانساني بعد ان فقد مبررات وجوده عليها.
الحقيقة الفنية أفلاطون يتهم الفنان بأنه لا يعرف شيئا يستحق الذكر من الموضوعات التي يصورها، والفن مجرد نوع من اللهو الذي لا ينبغي ان يؤخذ مأخذ الجد ـ فإن ارسطو حاول ان يدافع عن اهمية الفن بأن اكد ان للشعر وظيفة رفيعة وفلسفية، لأنه يعبر عما هو كلي وشامل.

وعندما ادعى انصار المذهب البيوريتاني (التطهري) من الانجليز في القرن السادس عشر ان الادب مزيف ومفسد، ومن ثم لا يمكن تبريره اخلاقيا، كتب الشاعر الانجليزي سير فيليب سيدني مقالته الشهيرة »دفاع عن الشعر«، وفيها استشهد بنظرية »الكلية او الشمول« الارسطية، التي ايد بها مفهومه الذي يؤكد ان الشعر يمد الذهن بمعرفة، وهو فن التعاليم الصحيحة. وفي القرن التاسع عشر هوجم الادب على اساس ان النهضة العلمية قد جعلت منه اثرا عميقا، عديم الجدوى، من بقايا طفولة المجتمع المتحضر، لكن الادب لم يعدم ـ كالعادة ـ من يدافع عنه من كبار الادباء والنقاد، من امثال شيللي وماثيو ارنولد وغيرهم من الذين تصدوا لتوضيح ما يكشفه الشعر من »حقيقة« و»معرفة« و»فكر«. لكن الحقيقة الفنية تختلف عن الحقيقة الواقعية بمعناها المألوف، الذي يجعل من الحقيقة صفة العبارات الواقعية المباشرة عن العالم. واذا كان كونراد يقول ان الفنان يشبه المفكر او العالم في البحث عن الحقيقة ـ فإنه يؤكد فارقا مهما بين هؤلاء الباحثين عن الحقيقة وبين الفنان الذي لا يهتم بالوقائع والنظريات، بقدر ما يهتم بقدرتنا على الابتهاج والتعجب،! والاحساس بالغموض الذي يغلف حياتنا.

فلابد للفنان ان يرغم الناس على ان يروا »المنظر المحيط بهم، بما فيه من شكل ولون، ونور وظلال، ويجعلهم يتوقفون كي يلقوا عليه نظرة. ويرى كونراد ان في هذا العمل كشفا »لكل حقيقة الحياة«، واحساسا حيا بنسيج العالم، لكن يظل الفنان غير منوط بتقديم وقائع ونظريات باعتراف كونراد نفسه.

كذلك يعترف فيليب سيدني بأن الشاعر لا يدلي بعبارات واقعية مباشرة، وقد تكون هناك بعض الاقوال غير الحقيقية في عمل الشاعر، لكن هذا لا يمس قيمة ما ينجزه، لأنه لا يقولها على انها حقيقة. وبذلك صد سيدني هجوم البيوريتانيين الذين يتهمون الشاعر بالكذب، واكد ان الشاعر لا يكتب بطريقة واقعية صريحة، مما يشكل فارقا مهما بين الحقيقة الفنية والحقيقة الواقعية بمعناها المألوف. ولذلك يوضح سيدني اننا نكتسب معرفة بالانفعالات البشرية عندما تتجسد امامنا بصورة عينية في الشعر، فاذا اردنا ان »نعرف قوة ما نشعر به من حب لبلادنا«، فيجب ان نقرأ عن يوليسيس، واذا »سعينا الى وعي بالغضب الانساني«، فلابد ان نرى آجاكس مجنونا.

ومع ذلك تظل »الحقيقة الفنية« من اشد الالفاظ غموضا، واكثرها تضليلا. وكل ما يمكن ان نستنتجه عنها من كلام سيدني او كونراد او غيرهما، انها شيء اشبه »بحيوية الخيال« او »المعنى الرمزي« او »القوة الانفعالية« لكننا لا نملك اليقين الذي يؤكد لنا ان هذه هي المعاني المقصودة على وجه التحديد، فأحيانا تدل على وحدة الشكل الفني للعمل، وتفترض ارتباط هذه الاجزاء فيما بينها ارتباطا عضويا، من خلال روح الاتساق والاحكام في العمل، وفي احيان اخرى تدل على الصدق الذي تفرضه نظرية المحاكاة المباشرة او الحياة النابضة، وفي احيان ثالثة تعنى »الماهية«. او التعبير عن سمعة مشتركة او شاملة في الوجود من خلال تصوير موضوع جزئي فيه، كذلك قد تعني عظمة العمل او عمقه الذي يشعرنا بالواقعية الفنية. وعلى هذا فإنه من الممكن التوسع في قائمة المعاني بلا حدود او قيود.

الفن ينفذ الى داخل المتذوق من خلال الحواس. خلال تأثيرات معينة في الجهاز العصبي. فالفكرة هي التي تشكل هذا الكيان لحظة بلحظة اي ان شكل العمل الفني ليس مجرد قالب يصب فيه المضمون. والا كان الانفصال العضوي بينهما سهلا. والعملية النقدية هي القيام بتحليل العمل للحكم على كيانه وقيمته والعمل الفني الناضج بطبيعته شديد التعقيد الا بتحليل نسيجة وارجاعه الى عوالمه الاولى.
والتحليل الموضوعي عن طريق دراسة العنصر بطريقة ارتباطه بالعناصر الاخرى. وعناصر الشكل والمادة والتعبير، بالنسبة الى العمل الواحد، لا وجود لها الا في داخل ذلك العمل، ففيه يؤثر بعضها في البعض ويتفاعل معه، وهي لا تكون على ما هي عليه، ولا تكون لها قيمتها الا نتيجة لعلاقتها المتبادلة. فالعمل الفني اكثر من مجرد ترتيب لعناصر مادية بهدف الوصول الى الشكل.
اذن الشكل والمضمون هما وجهان لعمله واحدة هي العمل الفني نفسه. فالمضمون في العمل الفني يختلف عن المضمون في مجالات المعرفة والتعبير التي نمارسها في حياتنا العملية. الشكل والمضمون في العمل الفني هما الوسيلة والغاية في نفس اللحظة.
والفنان الذي نجد في عمله فجوة بين الشكل الفني والمضمون الفكري للعمل الفني يعد فنانا ضعيفا ولم يستخدم ادواته ووعيه بشكل جيد. والمضمون الفكري من اول لحظة الى اخر لحظة هو جزء من العمل الفني.

وجهان لعملة واحدة ..

03/01/2021

http://www.blindarab.net/read/story-txt/%C8%C7%D1%ED%A1%20-%20%C5%C8%D1%C7%E5%ED%E3%20%C3%CD%E3%CF%20%DA%ED%D3%EC.%20.txt
رواية
باري
أنشودة سَودان
إهداءٌ إلى ذلك الجزءِ النقيِّ بنفوسِنا... اثبتْ!
أنشودة سَودان مِن وإلى التاريخِ

www.blindarab.net رواية باري أنشودة سَودان إهداءٌ إلى ذلك الجزءِ النقيِّ بنفوسِنا... اثبتْ! أنشودة سَودان مِن وإلى التاريخِ (1) ابتلعَ الغيمُ شمسَ العَشِيةِ، وتلاحمتْ سُحبه مزمجرةً بر....

19/12/2020
11/11/2020

بنیة العقل العربي-الإسلامي
موضوع بحث الكتاب:
أولاً تمثل ظاھرة الثقافة العربیة الإسلامیة العالمة منذ عصر التدوین حتى عھد ابن خلدون موضوع الكتاب الثاني في سلسلة (نقد العقل العربي) الذي أصبح محور اھتمام المفكر المغربي محمد عابد الجابري، وتشمل كلمة العالمة ھنا التراث الثقافي المعرفي في المكتوب الذي أنتجتھ شخصیات ومذاھب ومدارس فكریة عربیة اسلامیة ذات مكانة مرموقة في عالم المعرفة، ومن ثم (فبنیة العقل العربي) لیس بكتاب العقل وتحلیل بنیة العقل العربي-الإسلامي ونقد لعقل سواد الشعب للأمة العربیة الاسلامیة، وإنما ھو نقد وتحلیل لآلیات العقل العربي المثقف حتى عصر ابن خلدون، فالكتاب بھذا الاعتبار یمكن وصفھ بأنھ بحث متعمق ینتسب إلى عالم الاجتماع الثقافي بالمعنى المعاصر لھذا المصطلح. وھكذا فھو یختلف على عدة مستویات عن بعض الكتب الأجنبیة التي تمت بدراسة العقل العربي في الحقبات الأخیرة. ـ الأنظمة المعرفیة للثقافة العربیة الاسلامیة العالمیة.
ثانیاً : مما لا شك فیه أن مؤلفات الثقافة العربیة الاسلامیة العالمة تمثل تراثاً معرفیاً ضخماً، وأن مشروع الجابري یمثل في الحقیقة خطوة جادة لعلمنة ھذا الزاد المعرفي وجعلنا نقترب أكثر من فھم منظم لظاھرة الثقافة العربیة الاسلامیة العالمیة. فبعروض وتحلیلات وتعلیقات اضافیة على أمھات كتب وأطروحات ھذه الثقافة بین عصر التدوین وعھد صاحب المقدمة توصل المؤلف إلى تحدید ثلاثة أنماط من الأنظمة المعرفیة التي عرفتھا الثقافة العربیة الاسلامیة العالمة، وھي النظام البیاني (البیان) والنظام المعرفي (العرفان) والنظام البرھاني (البرھان). فینتسب إلى النظام المعرفي البیان كل من اللغویین والنحاة وعلماء البلاغة وأصول الفقھ والكلام، ویستند ھذا النظام المعرفي في الأساس إلى النص (القرآن والحدیث) والإجماع والاجتھاد كسلطات مرجعیة في تشییده لتصوره للعالم ومن ثم خدمة العقیدة الاسلامیة وبالأحرى فھمھا. بنیة العقل العربي-الإسلامي 2020 أما العرفان فھو في نظر الكاتب (جملة التیارات الدینیة التي یجمعھا كونھا تعتبر أن المعرفة الحقیقیة با وأمور الدین ھي تلك التي تقوم على تعمیق الحیاة الروحیة واعتماد الحكمة في السلوك، مما یمنح القدرة على استعمال القوى التي ھي من میدان الإرادة فالعرفان یقوم على تجنید الإرادة بدیلاً عن العقل). فإن النظام البرھاني یرى أن اكتساب المعرفة بالكون ككل أو كأجزاء لا یتم إلا بواسطة قوى وأخیراً في نشر الانسان الطبیعیة من حس وتجربة ومحاكمة عقلیة، ویؤكد الجابري أن لأرسطو دوراً كبیراً منھج النظام البرھاني في تراث الثقافة العربیة الاسلامیة العالمة. وھكذا یتضح أن عقل ھذه الثقافة لیس بالعقل المتجانس، وإنما یتفرع في الحقیقة إلى ثلاثة عقول كما رأینا، ونتجت عن ذلك مصادمات غیر ّھینة بین ھذه الأنظمة المعرفیة كان أخطرھا في رأي صاحب الكتاب تراجع العقل البرھاني أمام العقل البیاني الذي عرف العالم العربي الاسلامي منذ عھد الانحطاط حتى العصر الحدی
ثالثا : أمثلة لطبیعة العقل البیاني: إن واحدًة من الأطروحات الرئیسة التي شغلت بال العقل البیاني ھي بالتأكید ـ في نظر المؤلف ـ إشكالیة اللفظ والمعنى، فسیبویھ، عالم النحو العربي المعروف، یشیر بوضوح إلى وجود ھذه الإشكالیة في اللغة العربیة الفصحى، فیلاحظ سیبویھ أن المتكلم باللسان ـ العربي الفصیح لا یمكن أن یعبر بھذا الأخیر بطریقة صحیحة إلا إذا أعطي الاھتمام اللازم للمعنى، أي أن المتحدث بلغة الضاد الفصیحة ینبغي علیھ أن یفك بنیة العقل العربي-الإسلامي وھو یتكلم أو یتكلم وھو یفكر فمنطق المعاني متداخل حتمیاً مع اللفظ اللغوي عند سیبویه. في ھذا الصدد، یسوق الجابري المناظرة الشھیرة التي جرت في بغداد بین المنطقي أبي بشر متى بن یونس (ت: 940م) من ناحیة، وأبي سعید السیرافي النحوي المعتزلي من ناحیة ثانیة، والمسألة المطروحة ھنا ھي في رأي الكاتب مسألة منطقیة بحتة، وبالرغم من ذلك فإن أبا سعید السیرافي لجأ إلى منطق النحو في القضیة المطروحة بین المتناظرین، فالنحاة على العموم طالما ربطوا بین منطق اللغة ومنطق العقل في تفكیرھم وأبحاثھم. وھكذا تتبین إشكالیة اللفظ والمعنى عند العقل كما یراھا مؤلف الكتاب. أما علماء أصول الفقھ فإن النص القرآني أو الحدیثي یھیمن عندھم على استعمال واستدلال العقل. إن الدلالة والاستدلال عندھم عملیتان مترابطتان: أي أن تصرف العقل في معنى اللفظ محدود إلى حد كبیر. وبعبارة أخرى، فإن صاحب الكتاب لا یتردد في القول لأن وظیفة العقل عند علماء أصول الفقھ وظیفة ثانویة بالنسبة لمدلول النص. (فالاجتھاد ھو إذن عبارة عن استشعار للنص. وأن المعقول ھو أیضاً معقول النص). تتضح ھیمنة القواعد اللغویة أو أبواب الخطاب، كما كانت تسمى، على مؤلفات علماء أصول الفقھ؛ فأبواب الخطاب ھذه تشغل ما لا یقل عن ثلث حجم الكتاب. وكمثال على ذلك یمكن ذكر الكتاب (المعتمد في أصول الفقھ) لأبي الحسین البصري المتوفى في عام 436ھـ، علماً بأن ھذا الكتاب ُ یعّد أھم أربعة كتب في أصول الفقھ المعتزلي الممثل الرسمي والمخلص للنظام المعرفي والبیاني؛ ومن ثم یخلص الجابري إلى القول بأن النشاط العقلي في علم أصول الفقھ ھو نشاط وحید الاتجاه: الانطلاق من اللفظ إلى المعنى كما ھو الشأن في في علوم النحو واللغة والبلاغة: لذلك أصبح ـ في رأي المؤلف ـ الاجتھاد في علم أصول الفقھ اجتھاداً اللغة التي نزل بھا الذكر الحكیم وھذا الانشغال بالمسائل اللغویة لدى ھؤلاء العلماء تم على حساب اھتماماتھم بقضایا مقاصد الشریعة. یرى المؤلف أن علم الكتاب كجزء من النظام المعرفي البیاني لم یتحرر ھو الآخر من سطوة إشكالیة اللفظ والمعنى؛ فقد وضع المتكلمون المسلمون، والمعتزلة على وجھ الخصوص، حدوداً لا ینبغي تجاوزھا في تأویل الخطاب القرآني. إن كتاب (المغني في أبواب التوحید والعدل) لأبي الحسن القاضي عبدالجبار (ت: 415ھـ/1062م) یفصح عن تأثر علم الكلام بإشكالیة اللفظ والمعنى إلى حد كبیر؛ وھذا مثال آخر یسوقھ الجابري للتدلیل على أن العقل العربي تم إقصاؤه عن الممارسة الفعالة العقلیة المستقلة عن الخطاب الشرعي. إن حال البلاغیین من قضیة اللفظ والمعنى تشبھ وضعیة المتكلمین والنحاة المشار إلیھا أعلاه؛ أي أن علماء البلاغة بقوا سجیني إشكالیة اللفظ والمعنى، ونظریة النظم التي جاء بھا عبدالقاھر الجرجاني مصداق لذلك. إن ھذه النظریة مزدوجة الطبیعة: نظام الخطاب ونظام العقل. لكن علاقة ھذین الأخیرین الواحد بالآخر تضامن علاقة اللفظ بالمعنى؛ إذ إن النظم ھي تناسق دلالات الألفاظ وتلاقي معانیھا على الوجھ الذي یقتضیھ العقل. وباختصار، فإن تكوین العقل البیاني یركز اھتمامھ في الأساس على نظام الخطاب ولیس على نظام العقل وذلك یعني أن البیاني لا یعتمد على نظام السببیة كما ھو الأمر في نظام العقل. ومن نتائج طبیعة العقل البیاني، كما یشیر صاحب الكتاب، إلى ظاھرة الاھتمام من جھة، یتجنب التنافر بین الكلمات في الثقافة العربیة الاسلامیة العالمة ومن ناحیة أخرى، عرفت ھذه الثقافة ظاھرة التنافر بین الأفكار. وما الاعتناء بفن في العصر العباسي) إلا ملمح من ملامح ھیمنة اللفظ على المعنى، الأمر البدیع في الخطاب (خصوصاً الذي أدى إلى إغفاء عقلي في ھذه الثقافة في رأي الجابري. وبالاضافة إلى إشكالیة اللفظ والمعنى التي عرقلت تحرر العقل البیاني وصفاء تفكیره العقلاني فإن المؤلف یرى أن (لا یعني استخراج نتیجة تلزم ضرورة عن مقدمتین أو أكثر بل یعني إضافة أمر إلى أمر آخر بنوع من المساواة. إنھ لیس عملیة جمع وتألیف بل ھو عملیة مقایسة ومقاربة. إن القائس لا یصدر حكماً من اعتماداً على ما یجده ھو من شبھ بینھما یبدد أو نفیاً عنده لا یبتدعھ بل یمدد حكم الأصل إلى الفرع، إثباتاً القیاس). إن لزوم قیاس العقل البیاني لزوماً غیر ضروري؛ إذ إن العلة غیر الم ّصرح بھا بل یلتمسھا المستدل من إلى مطلوبھ؛ ومن ثم ملامح (أمارات) یعتقد أن الشارع أناط الحكم بھا من أدلة في الشاھد یتخذھا مرشداً یتضح أن اللزوم البیاني ھو لزوم یقوم على مجرد الجواز وفي أحسن الأحوال على الترجیح وبالتالي، فالقیاس البیاني لیس لھو قوة منطق اللزوم الضروري التي یستند إلیھا القیاس المنطقي الإغریقي المتمثل في بنیة العقل العربي-الإسلامي العبارة ٍن. المنطقیة: كل انسان فان، سقراط انسان، إذن فھو فا ُویرجع الكاتب طبیعة القیاس البیاني (التجویزیة أو الترجیحیة) إلى البیئة الصحراویة التي عاش فیھا الانسان العربي في الجزیرة العربیة (فالمبدأ الذي یؤسس وعي سكان ھذه البیئة لن یكون السببیة ولا الحتمیة بل ، ولكن المتغیر المفاجئ الخارق للعادة ممكن في كل سیكون الجواز: كل شيء جائز. الاضطراد قائم فعلاً لحظة). بعبارة أخرى، فإن الرؤیة القائمة على الانفصال وعدم الاقتران الضروري بین الظواھر والأشیاء ھي في في المقارنة بین الأشیاء، بعضھا مع بعض، لا نظر الجابري رؤیة تجعل الجھد العقلي محصوراً یتعداھا. ومن ثم یلخص المؤلف خطأ البیانیین على اختلاف أصنافھم بأنھم (قرأوا النص القرآني بواسطة سلطة مرجعیة أخرى ھي عالم (الأعراب) عالمھ الطبیعي والفكري الذي تحملھ معھا اللغة العربیة التي جعلوا منھا حُكما بدعوى أنھا اللغة التي نزل بھا القرآن).
رابعاً - طبیعة خاصیات العقل العرفاني : إن آلیات النظام المعرفي العرفاني تختلف في الأساس عن تلك التي رأیناھا عن النظام المعرفي البیاني؛ فوسائل كسب المعركة ھنا تتمثل في طرق الإلھام والكشف، والریاضات والمجاھدات التي یتلقاھا ویمارسھا العارفون. والعقل العرفاني بالتأكید متأثر ھو بالنظرة الھرمسیة عند صاحب الكتاب. وتحت ّل إشكالیة الظاھر/ الباطن فیھ مكانة مماثلة للفظ/ المعنى في العقل البیاني. وھكذا أصبح الزوج: الظاھر/ الباطن أداة رئیسة بتأویل الخطاب القرآني. لكن تدخل العامل السیاسي في عقلیة التأویل ھذه لعب دوراً مھماً خصوصاً عند الشیعة والمتصوفة. ویعتقد أھل العرفان أن معرفتھم أفضل من المعرفة البیانیة والبرھانیة، إذ إن طریق العرفان ھو طریق الأولیاء والأئمة. الأصفیاء، خصوصاً إن أھم شخصیة تمثل النظام المعرفي العرفاني ھو في رأي صاحب الكتاب ـ ابن عربي (560 ـ 638ھـ): الشیخ الأكبر والكبریت الأحمر. فھذا الأخیر یقول بأن الله جعل في كل شيء من مخلوقاتھ . ظاھراً وباطناً وأن ما نسمیھم بأصحاب الإشارات معفون من التقید بحدود اللغة (اللفظ والمعنى)؛ إذ إن فھم القرآن الحق ھو فھم بالقلب. المؤمن ینبغي أن یضع نفسه في منزلة الرسول لیسمع مثله القرآن في قلبه ، كما یسمع الرسول . إذ إن ذلك یجعل فھم الصحابة أقل من فھم العارف من جبریل؛ فموقف العارفین ھذا موقف خطیر جداً الصوفي أو الشیعي أما القیاس العرفاني فیصفه المؤلف بأنه القیاس بدون جامع، وبدون حد أوسط، وبدون رقابة لعدم ترابط وتناسق بنیة القیاس العرفاني؛ عقلیة. فجعل الشیعة مكانة الولایة أفضل من النبوة مصداقاً فالولي عند المتصوفة والإمام عند الشیعي لھما السلطة الدینیة ا لكاملة التي لا تنافسھا أیة سلطة أخرى بخصوص مصداقیة المعرفة. لا یتردد الجابري في إصدار نقده اللاذع للموقف العرفاني المشار إلیھ ھنا. فھو في نظره ھروب من عالم الواقع إلى عالم (العقل المستقیل) الذي یلجأ إلیه العارف كلما اشتدت وطأة الواطئ علیه وعجز عھن تجاوز أرضیته. إن النظام العرفاني یلغي الاستبصار بالعقل. (الموقف العرفاني موقف سحري یلغي العالم لیجعل من (أنا) العارف الحقیقة الوحیدة. إن النظریة العرفانیة ذات رؤیة سحریة في الصمیم. إنھا تخلق كل شيء یریده العارف من لا شيء)
خامساً ـ البرھان في الثقافة العربیة الاسلامیة العالمة: في محاولة لكسب المعرفة یستعمل العقل البرھاني وسائل مختلفة في الأساس عن تلك التي یلجأ إلیھا كل من النظام المعرفي البیاني والعرفاني؛ فالبرھان یعتمد على قوى الانسان الطبیعیة مثل الحس والتجربة واستعمال العقل في اكتساب معرفة الكون ككل أو كأجزاء. ویرى المؤلف أن العقل العربي البرھاني بدأ رحلته مع الفیلسوف العربي الكندي الذي دعا إلى وجوب تعلم الفلسفة. وتلاه الفارابي بالتأكید على أسبقیة الفلسفة زمنیاً عن الملة (الدین)، وأن ما في الملة مثالات لما في الفلسفة. ویشیر المعلم الثاني إلى أن المنطق كفكر فلسفي تنطبق مبادئه وتعمیماته على جمیع الناس، بینما بعض العلوم الأخرى مثل علم النحو یعطي قوانین تخص ألفاظ كل لغة ؛ وفي نظر الجابري أن الفارابي كان یتوجه بذلك إلى البیانیین على العموم والنحاة على وجه الخصوص. له حتى آخر إن التأثر بالمنطق لم یفلت منه الإمام أبو حامد الغزالي بالرغم من تصوفه؛ فلقد بقي مناصراً أیامه؛ ففي كتابه (القسطاس المستقیم) یحصر الغزالي طرق الاستدلال في القرآن في ثلاثة تؤول كلھا إلى القیاس الأرسطي. ولم یكتِف مؤلف (المنقذ من الضلال) بالتبشیر بالمنطق بل ذھب إلى بیان عدم صلاحیة الاستدلال بالشاھد على الغائب في العقلیات (علم الكلام) إذ إن صلاحیة ھذا المنھج مقصورة على الفقه حیث لا یطلب الیقین وإنما یكتفي بالظن. ومع ذلك، یعیب الجابري على الغزالي أن المنطق كمنھج تحول معه (إلى مجرد آلیة ذھنیة شكلیة مثل آلیة قیاس الغائب على الشاھد). أما مساھمات ابن سینا في الدفع بالعقل البرھاني إلى الأمام فإنھا في نظر المؤلف مساھمات سلبیة؛ إذ إن فلسفته عبارة عن تلفیق بین إلھیات الفارابي وأخرویات الإسماعیلیة ؛ وبذلك یدشن كل من الغزالي وابن سینا ما أطلق علیه صاحب الكتاب اسم الأنظمة المعرفیة الثلاثة. إنھا أزمة (اختلطت فیھا المفاھیم واشتبكت المسائل وتصادمت الرؤى والاستشرافات داخل الثقافة العربیة الاسلامیة ، مما جعل الحاجة إلى إعادة التأسیس للبنينة ضرورة ملحة ، وھي أزمة حادة مسّت البیان والعرفان والبرھان وأدت إلى ما سماه الكتاب (بالتداخل التلفیقي) بین أجزاء النظم المعرفیة المذكورة ھنا؛ ومن ھنا جاءت أھمیة دور مشروع ابن حزم؛ فمشروع ھذا الأخیر یصفه صاحب الكتاب بأنه (مشروع فكري فلسفي الأبعاد یطمح إلى إعادة تأسیس البیان وإعادة ترتیب العلاقات بینه وبین البرھان مع إقصاء العرفان إقصاء تاماً).
وتتلخص معالم ھذا المشروع الحزمي في المبادئ التالیة: 1 ـ فھم الشریعة اعتماداً على حجة العقل. 2 ـ العلة ھي علاقة طبیعیة ضروریة بین الأشیاء. 3 ـ السبب صفة خاصة بالكائنات التي تتمتع بحریة الإرادة. 4 ـ قیاس الفقھاء باطل لأنھم یقیسون على أشیاء تختلف في النوع. ویتأثر ابن حزم في كل ذلك بطبیعیات أرسطو ومفاھیمھا ونظریاتھا البرھانیة في تأسیسه النظام المعرفي للنص في خدمة الشریعة. إن التمسك البیاني على رؤیة البرھان. ھذا لا یعني أن ابن حزم لا یترك مجالاً بالنص أمر وارد لا جدال فیه. لكن ما ورد فیه نص واضح ھو قلیل ومحصور. وعلیه ، فإنه یجب استعمال العقل في باقي الأمور غیر المحصورة ؛ ویمكن القول إن رؤیة ابن حزم ھي رؤیة تؤسس البیان على البرھان تصوراً ومنھجاً وجاء ابن رشد في الأندلس لكي یدفع بالمشروع الحزمي إلى الأمام ؛ وتتمثل مساھمة صاحب كتاب (تھافت التھافت) في أنه أصبح شدید الالتزام بنظام السببیة ؛ وھو القائل بأن َمن رفع الأسباب فقد رفع العلم. إن التوجه الحزمي الرشدي البرھان (العقلاني) أثّر تأثیراً عمیقاً خصوصاً على كل من الشاطبي وابن خلدون ؛ فالشاطبي یمثل قمة الفكر العربي الاسلامي في میدان الفكر الأصولي ، أو علم الشریعة ؛ أما ابن خلدون فقد بلغ بمقدمته أوج الفكر البرھاني في الفكر التاریخي والاجتماعي والسیاسي. لكن حركة الفكر البرھاني لم یكتب لھا الاستمرار بعد ابن رشد و الشاطبي وابن خلدون. (ولكن النقلة التي بشّر بھا الشاطبي في میدان علم الشریعة مثلھا مثل النقلة التي بشر بھا ابن رشد في میدان الحكمة بدون قابلة ، بدون مستقبل ، تماماً مثل النقلة التي بشر بھا ابن خلدون في میدان ثالث بقي ینظر إلیه داخل الثقافة العربیة الاسلامیة على أنه یقع خارج شجرة العلوم النقلیة منھا والعقلیة).
سادساً - تعاطف المؤلف مع العقل البرھاني : لقد نجح الجابري في ھذا الكتاب الضخم في معالجة وتحلیل تراث الثقافة العربیة الاسلامیة في صیاغة مبسطة سوف تجعل تراث ھذه الثقافة في متناول غیر المختصین من مثقفي الوطن العربي الیوم وفي المستقبل. لقد أنجز الكاتب ھذا الھدف بأسلوب ومنھج ولغة تتسم كلھا بكثیر من السھولة والوضوح كما أن المؤلف للعقل تقید بروح التحلیل والنقد التي یشیر إلیھا عنوان الكتاب ؛ فالمؤلف كان أكثر قسوة وأشد نقداً العرفاني؛ وفي المقابل فقد كان أكثر انبھاراً وحماساً وتعاطفاً مع العقل البرھاني؛ أما حدة نقده للعقل البیاني فھي تمیل إلى الأوصاف بشيء من القسوة ؛ ومن ثم فولاء الجابري ھو ولاء وتعاطف بنيان مع العقل البرھاني المستند إلى أسس المنطق الأرسطي على الخصوص. إن مثل ھذا الموقف من البرھان یصدق علیه قول المتنبي بعد التصرف: العقل البرھاني قبل البیاني والعرفاني ھو الأول وھما في محل الثاني إن ھذا التحمس للبرھان دفع ـ في رأینا ـ بالمؤلف إلى نوع من التحیز لصالح العقل البرھاني ؛ فھو من جھة ، یمجد قیاس المنطق الأرسطي المتعقل لكونه قیاساً تتسم استنتاجاته بالیقینیة أو لزوم الضرورة كما ھو الشأن في العبارة المنطقیة المشھورة : كل انسان فان ـ سقراط انسان ـ إذن فسقراط فان. ومن جھة ثانیة، فإن الجابري یحقر من مكانة القیاس البیاني الذي طالما یستعمل علاقة الأصل بالفرع كمنھجیة للتوصل إلى استنتاجات وتشریعات كما ھو الأمر في تحریم الفقھاء للنبیذ (فرع) قیاساً على الأصل الذي ھو الخمر .
سابعاً ـ العقل البیاني أقرب إلى روح العلم الحدیث : إن نقد الكاتب للقیاس البیاني یعود في نظره إلى كون استنتاجاته لیست إلا احتمالیة أو ترجیحیة في أحسن الحالات ، وبالتالي فھي غیر دقیقة ولا یقینیة مثل تلك التي یتوصل إلیھا المنطق الأرسطي. إن المتأمل في مدى التعاطف الذي یكنه صاحب الكتاب إلى القیاس الأرسطي لا یسعه إلا أن یجد بعض المآخذ في مثل ذلك الموقف ؛ فیقینیة سقراط فإن تم التوصل إلیھا بسبب أن المقدمتین: كل انسان فان ـ وسقراط انسان بالیقینیة المطلقة بخصوص الفناء النھائي لبني البشر. إن الجابري یدعو إلى ایجاد قیاس شرعي اسلامي یتمتع بعین درجة الیقینیة التي ُ یعرف بھا قیاس المنطق الأرسطي . نحن نرى أن دعوًة مثل ھذه ھي دعوة غیر واقعیة وتتعارض مع طبیعة الأشیاء؛ فقیاس الفقھاء والمشرّعین المسلمین طالما تتناول قضایا اجتماعیة وانسانیة لم یرد فیھا نص واضح، لا في القرآن ولا في السنة، وبالتالي فالمسائل والقضایا الجدیدة ھي نتیجة حركة تغیر وتطور المجتمعات الانسانیة مع مرور الزمن. فالقیاس البیاني المستند إلى نموذج النص/ الفرع یمثل منھجیة واقعیة لمعالجة ما یجد من قضایا ومشاكل في صلب المجتمعات الاسلامیة المتطورة. نعم إنما یتوصل إلیھ الفقھاء عن طریق قیاس بخصوص الفرع لا یتصف بالیقینیة التي یتصف بھا الأصل. إنه لضرب من اللاواقعیة والتبسیط أن ننشد الیقینیة المطلقة من استنتاجات قیاسیة حول قضایا ومسائل انسانیة معقدة لم یبینھا الشرع ؛ فالدعوة إلى معرفة یقینیة في مثل ھذه الأشیاء ھي دعوة غیر واقعیة ومناقضة للروح العلمیة نفسھا . والواقع أن كل ما یرجوه المشرّع الذي یلوذ إلى المنھج القیاسي ھو تشریعات احتمالیة أو ترجیحیة ؛ ولعل كل التشریعات التي اجتھد فیھا البشر بأسالیبھم المتعلقة والمتنوعة لا یمكن أن تكون مصداقیتھا إلا احتمالیة أو ترجیحیة بالنسبة لمصالحھم ؛ فالقیاس ھو عملیة اجتھاد ؛ والمجتھد یخطئ ویصیب. إن الجابري یضرب عرض الحائط بالقیاس الذي یمكن أن یخطئ؛ . إن طلباً مثل ھذا ُ یخرجنا من عالم الانسان؛ وھو في رأینا موقف غریب ویطلب قیاساً یكون دائماً مصیباً للمؤلف الذي ُعرف عنه التزامه بالواقع الاجتماعي للانسان؛ ومن الغریب في ھذا المضمار أن صاحب الكتاب لا یشیر، لا من قریب ولا من بعید، إلى تخلي العلم الحدیث كلیاً تقریباً عن منطق أرسطو في كسب المعرفة ؛ وإن المنطق التجریبي للعلم طالما یستعمل منھجیة تشبه القیاس البیاني المستعمل لنموذج الأصل/ الحیوانات (الأصل) كمیدان الفرع؛ فعلى مستوى العلوم الدقیقة، تستعمل العلوم البیولوجیة أو الطبیة مثلاً لتجاربھا لبعض المخدرات والأدویة أو التقیحات ضد الفیروسات كفیروس مرض الإیدز Aids ،نظراً لأن أخلاقیات ھذه العلوم تمنع ممارسة مثل ھذه التجارب على بني الإنسان ؛ وطالما ینساق العلماء والمجربون إلى تعمیم نتائج الأصل (الحیوانات) على الفرع (الإنسان)؛ وھذه التعمیمات ھي تعمیمات احتمالیة أو ترجیحیة بالنسبة لمدى تأثر الانسان (النوع) بتلك الأدویة والمخدرات لوجود بعض الاختلافات ـ وإن كانت ضئیلة ـ بین الانسان والحیوان. أما استعمال منھجیة الأصل/ النوع في العلوم الانسانیة والاجتماعیة الحدیثة فھو واقع لا یحتاج إلى إثبات ؛ وعلماء الاجتماع والسیاسة والاقتصاد الغربیون یعممون كثیراً من نظریاتھم حول التنمیة والتحدیث إلى مجتمعات العالم الثالث ، علماً بان منبت ھذه النظریات ھو واقع المجتمعات الغربیة (الأصل) ولیس واقع المجتمعات النامیة (الفرع) ، ودلّت الدراسات في ھذا المیدان على أن أكثر ما یمكن أن تتصف به مصداقیة العلوم الاجتماعیة ونظریاتھا ھو الاحتمالیة والترجیحیة لا الیقینیة بخصوص العلاقة بین الأصل والنوع. بشأن ھذه النقطة على وجه التحدید فالعلوم الاجتماعیة والنفسیة الغربیة تعیش منذ السبعینات تحولاً إبیستیمولوجیاً بخصوص طبیعة قوانین الظواھر النفسیة والاجتماعیة ؛ فالحتمیة الاجتماعیة (السوسیولوجیة) المتصلبة التي دعا إلیھا عالم الاجتماع دوركایم Durkeim وأتباعه، أو الحتمیة السلوكیة القاھرة التي قادھا عالم النفس اسكنر Skinner أصبحتا مرفوضتین الیوم بین عدد كبیر متزاید من علماء الاجتماع والنفس ؛ وبعبارة أخرى ، فإن استنتاجات ھذه العلوم وتكھناتھا ھي في النھایة ذات طبیعة احتمالیة أو ترجیحیة لا یقینیة ؛ فتعدد العوامل التي تؤثر في الظاھرات النفسیة والاجتماعیة تجعل من الصعب الحدیث عن استنتاجات یقینیة على مستوى الفرع كتلك التي یتوصل إلیھا المنطق الأرسطي بخصوص یقینیة فناء سقراط الانسان. وبكل صراحة، فإن طلب الیقینیة التامة من القیاس البیاني في كل استنتاجاته ھو طلب غیر مشروع ، ومن ثم ، غیر واقعي وغیر علمي ؛ وفي رأینا أن الذي ینبغي أن نعیبه على العقل العربي لیس ھو استعماله للقیاس البیاني وإنما ھو توقفه عن الاجتھاد ـ بالقیاس أو غیر القیاس ـ في قضایاه ومشاكله بالرجوع إلى تراثه ومبادئ حضارته ، بدل سقوطه في دوامة التقلید والتطفل بین أیدي المھیمنین على مصیره .
ثامناً ـ حدود العقل البرھاني: من القضایا الأخرى المركزیة التي ینتقد فیھا المؤلف العقل البیاني العربي الاسلامي مسألة وقوع ھذا الأخیر في سجن النص على حساب استعمال العقل البرھاني. إن إشكالیة النقل والعقل إشكالیة مطروحة منذ العھود الأولى لنشأة الثقافة العربیة الاسلامیة ؛ فموقف علماء المسلمین الأوائل من ھذه القضیة أنه كان یؤمن بعدم وجود التناقض بین اجتھاد العقل وروح النص. في ھذا الصدد ، فإن الجابري ـ تحت انبھاره للبرھان ، یكاد یعطي الانطباع بأن التفكیر العقلي البرھاني لا یأتیه الباطل من بین یدیه ولا من خلفه ؛ وھذا ما جعله مفرط التحمس في جعل ھذا النوع من التفكیر الأول والأخیر في كسب معرفة موثوق بھا حول ظاھرات الكون المتنوعة وھو موقف یتطلب الوقوف عنده. في رأینا تلزم الاشارة ھنا إلى ملمحین لھذا العقل: في ما 1 ـ إن المعرفة المكتسبة عن طریق البرھان تبقى في النھایة معرفة محدودة المصداقیة خصوصاً یتعلق بالظاھرات الأكثر تعقیداً ، وھذا باعتراف الكاتب نفسه. 2 ـ إن التفكیر العقلي البرھاني في معناه العام الحدیث ، لا یمكن له أن یفكر ویتعقل في فراغ ؛ وإنما ھو یقوم بعملیة التفكیر والبرھان في إطار اجتماع، ثقافي، سیاسي، دیني، إیدیولوجي ... ومن ثم فتحرره المطلق من في ھذه المؤثرات غیر حاضر على مستوى الواقع والموضوعیة ؛ فمسألة إباحة تعاطي الكحول مثلاً المجتمعات الغربیة لا یمكن إرجاعھا إلى برھان عقلاني بحت ؛ فالأدلة الموضوعیة على سلبیات إباحة الكحول تفوق بكثیر إیجابیاتھا ؛ وبالرغم من المعرفة بذلك فإن أكثر ما قام به بعض ھذه الجماعات ھو القیام بحملات توعیة لتعاطي الكحول باعتدال (كما ھو الشأن في فرنسا)، أو منع تعاطیھا عند قیادة السیارة ، كما ھو الحال في بعض المقاطعات الكندیة الیوم. فالعقل البرھاني لیس إذن بكامل الحضور بخصوص القضایا التي تتصف بتعقیدات ثقافیة وإیدیولوجیة وسیاسیة واقتصادیة ... وھھنا یأتي ـ في رأینا دور النص القرآني والحدیثي في البتّ في المسائل الشائكة مثل إباحة تعاطي الكحول أو منعه في المجتمع ، وھو ما جاء في القول الفصل في القرآن بالنسبة للمجتمع الاسلامي الحق. وھذا یعني أن المعرفة في الثقافة العربیة الاسلامیة العالمیة تستند إلى مصدرین : المعرفة البرھانیة والمعرفة النصیة. إن الواحدة مكملة للأخرى في المنظور الاسلامي.

تاسعاً ـ مدى شرعیة موقف المؤلف من العقول الثلاثة: السؤال الذي یطرح نفسھ ھو: ما ھي شرعیة مثل ھذا النقد الذي تردد في صفحات النصف الأول من ھذا الكتاب الضخم؟ إن المنھجیة التي استعملھا المؤلف لتحدید طبیعة العقل البیاني ھي من نوع تحلیل الخطاب البیاني؛ أي أن صاحب الكتاب درس وحلل المؤلفات العربیة الاسلامیة البارزة لعلماء النظام المعرفي البیاني منذ عصر التدوین حتى عھد ابن خلدون؛ وبعد القیام بالوصف المنھجي التفصیلي والمنظم لآلیات العقل البیاني الذي سطا على الثقافة العربیة الاسلامیة العالمة أصدر المؤلف حكمه المتشدد على ھذا العقل. فالمؤلف یبدو وكأنه كتب الكتاب لیصف العقل العربي ولینتقده في المقام الأول ولیس لیحلل ویتفھم الظروف الموضوعیة التي أفرزته وشكلت طبیعته؛ فلا یكاد المرء یجد في القسم الذي خصصه المؤلف في كتابه لمناقشة العقل البیاني أیة محاولة جادة لفحص ھذا العقل في ضوء ما یسمى الیوم بعلم اجتماع المعرفة Knowledge of Sociology؛ فمركزیة إشكالیة اللفظ/ المعنى في بنیة العقل العربي البیاني لم تلق اھتماماً من صاحب الكتاب لتبریر شرعیة وجودھا في ھیكل الثقافة العربیة الاسلامیة العالمة ؛ فاستناد العقل البیاني إلى النص له ـ في رأینا ـ ما یبرره إذا نظرنا إیه بمنظور علم اجتماع المعرفة ؛ فمما لا شك فیه أن القرآن ھو المؤثر الأول على طبیعة الظاھرة الاسلامیة العربیة بما فیھا ثقافتھا العالمة. إن أول ما یتمیز به القرآن على المستوى البیاني ھو إعجاز لغته، وإن ھذا الكتاب یعلن في وضح النھار أن فیه إشارات ومعلومات عامة حول كل شيء (... ما فرطنا في الكتاب من شيء). كما أن الاسلام یؤكد أنه خاتم الرسالات السماویة وأكملھا؛ فلیس بالعجیب إذن أن تحتل المعرفة بألفاظ ومعاني اللغة التي نزل بھا القرآن الصدارة في التكوین الثقافي والتفكیر المعرفي عند عدد كبیر من المفكرین العرب والمسلمین ؛ وبالتالي فنحن نرى أن اھتمام ھؤلاء باللفظ وبالمعنى ـ وھو أكثر ما یعیبه المؤلف علیھم ـ ھو نتیجة حتمیة ـ لا غرابة فیھا ـ لھذه الرسالة الدینیة الجدیدة التي تمثل فیھا لغة الوحي السماوي ملمحاً رئیساً من ملامح إعجازھا. وبالتأكید فإن الإعجاز اللغوي القرآني ھو سمة یتمیز بھا الاسلام كدین عن الرسالات السماویة السابقة ، كما تتمیز بھا الحضارة العربیة الاسلامیة ـ إلى حد بعید ـ عن الحضارات الانسانیة الأخرى. في ھذا الصدد بالإمكان القول بأن معظم الحضارات الانسانیة عرفت البرھان والعرفان ... فالحضارة العربیة الاسلامیة تشترك فیھما مع الحضارات الانسانیة الأخرى. إنما ما یمیز ھذه الحضارة إلى حد بعید ھو في الأساس العقل البیاني ؛ فالنظام المعرفي ھو إذن حصیلة منتظرة لمثل تلك الخلفیة التي یمتزج فیھا تأثیر العامل اللغوي لآلیات تفكیر في فھم النص كمرجع رئیس لجذور طبیعة نشأة الحضارة العربیة الاسلامیة وتطورھا. إن سكوت الكاتب على جذور الظروف التي أنتجت العقل البیاني أدى ـ في رأینا ـ بالجابري إلى فقدانه تقیده المعروف بقوانین الحتمیة الاجتماعیة التي أكدھا في مناقشته للتفكیر الفلسفي العربي الاسلامي في كتابه ( الفرق نحن والتراث) ، ففي ھذا الأخیر أبرز حتمیة اجتماعیة ثقافیة فسّر بھا ونقد بھا بصورة أكثر إقناعاً بین الفكر الفلسفي الاسلامي العربي، في كل من المشرق والمغرب ، حتى عصر ابن خلدون. أما صمته ھنا عن الإفصاح عن حتمیات العقول الثلاثة فیعكس في رأینا خللاً منھجیاً ویضعف بالتالي قوة الأسس لشرعیة نقده. إن شدة ارتباط العقل العربي الاسلامي بالنص تمثل خصوصیة لا جدال فیھا حتى عند أصحاب العقل البرھاني مثل ابن خلدون. فصاحب (المقدمة) لا یتجاھل النص القرآني في تحلیلاته الاجتماعیة التي حفلت بھا أصول ھذا الكتاب ؛ فبخصوص ظاھرة الترف وانحلال الحضارات یسوق ابن خلدون الآیة المناسبة في تأكید العلاقة الوثیقة بین البرھان والبیان في الثقافة العربیة الاسلامیة العالمة (وإذا أردنا أن نھلك قریة أمرنا مترفیھا ففسقوا فیھا فحق علیھا القول فدمرناھا تدمیراً). من المآخذ الأخرى التي تستحق الإشارة إلیھا ھنا نسیان الكاتب مناقشة سبب عدم تأثر كل من العقل البیاني (بحسب اعتقاد صاحب الكتاب) والعقل العرفاني بدعوة الاسلام الصریحة إلى مدى أھمیة الاھتداء بنور العقل بالنسبة للكائن الانساني. إن تأكید القرآن على ذلك لا یحتاج إلى بیان عدم تأثر نظامي العرفان والبیان بكل من المنطق الأرسطي العقلاني من جھة، ودعوة الاسلام إلى التدبر والتفكر والتعقل من جھة ثانیة (وھذا بحسب مقولة المؤلف) تشابه إلى حد كبیر العقل العربي السیاسي ، فھذا الأخیر لم یتأثر بعد فترة الخلافة الراشدة القصیرة ، لا بمبادئ الدیمقراطیة الغربیة حدیثاً ، ولا بمبادئ الشورى الاسلامیة قدیماً . إن وحدیثاً صمت المؤلف عن إثارة مكانة العقل في الاسلام (وھو العاشق للعقل والبرھان وآلیتھما) لابد أن یثیر بعض التساؤلات عند البعض على الأقل . ھل یدل ذلك على أن الكاتب لا یؤمن بأن ما یعطیه الاسلام للعقل من حریة غیر كاف لإعطاء العقل وظیفته الكاملة في تحقیق عملیات البرھان الناضجة ؟ في انتظار الإجابة عن تلك التساؤلات یبقى انبھار الجابري بالعقل البرھاني وآلیاته ـ قبل أي نظام معرفي آخر ـ حقیقة لا جدال إلى أسباب ظھور النظام المعرفي فیھا؛ ولعل شدة ھذا الانبھار ھي التي جعلته لا یولي اھتماماً كبیراً البیاني والعرفان في الثقافة العربیة الاسلامیة العالمة ؛ ولعلّ ذلك الانبھار نفسه ھو الذي جعله غیر قادر على إلى جنب ودون الحدیث عن العقل العربي الاسلامي الذي تواجد فیه البرھان مع النص (أو البیان)، جنباً أن یضر ھذا بمسیرة العلوم باختلاف أنواعھا التي عرفتھا الثقافة العربیة الاسلامیة حتى عھد ابن خلدون ؛ فالصراع بین البیان والبرھان أو التناقض بینھما ، في الثقافة العربیة الاسلامیة لیس إذن قضیة حتمیة كمان عرف ذلك تأریخ العلوم الغربیة الحدیثة منذ عصر النھضة ؛ وخاصیة العقل العربي الاسلامي العالم ھذه لم أكثر في كتاب یركز على المؤلف لإبرازھا وشرح حیثیاتھا ؛ وھي تستحق ـ في نظرنا ـ اھتماماً یعت أنظمة المعارف للثقافة العربیة الاسلامیة .
للباحث المغربي عبدالعزیزالخطابي

Want your school to be the top-listed School/college in Medenine?

Click here to claim your Sponsored Listing.

Location

Category

Telephone

Address

مدرسة ابن خلدون
Medenine
4130