09/02/2015
( توضيحات حول تقنين الأحكام الشرعية في القضاء والإلزام بها ) .
الخلاف في هذه المسألة مشهور معروف بين الفقهاء المعاصرين وهو على قولين الأول : بالمنع , والثاني : بالجواز , ونحن لا نريد في هذا المجلس استقصاء البحث وتفنيد الأدلة في هذه المسألة بقدر ما نريد إيضاح بعض النقاط التي غالى فيها البعض وغالط , حيث التقينا ببعض الشرعيين لبعض الفصائل – علماً أنهم من غير تنظيم الدولة – وتناقشنا في هذه المسألة وأبدى تجاوباً مع القول بجواز تقنين الشريعة للضرورة , ولكنه ذكر بأن الكثير من الشرعيين وراءه لا يمكن أن يتقبوا فكرة " تقنين" وهي عندهم بمنزلة الحكم بغير ما أنزل الله !! لذا كان لا بد من بيان بعض النقاط المهمة :
1 – إن مسألة تقنين الأحكام الشرعية وإلزام القضاة بالعمل بها من المسائل المستجدة والنوازل الطارئة على الأمة بسبب متغيرات ومعطيات زمانية اقتضتها ولم تكن معروفة عند السلف .
2 - وأصل المسألة فقهاً يرجع إلى مسألة : هل يجوز للإمام أن يلزم القاضي بالحكم وفق مذهبه , أو مذهب معين , ولو خالف ما يرجحه القاضي ؟ والجواب : أن عامة أهل العلم سلفاً اتفقوا على عدم جواز إلزام القاضي بالحكم وفق مذهب معين , قال ابن قدامة – رحمه الله - : ( ولا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه، وهذا مذهب الشافعي، ولم أعلم فيه خلافاً .. فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط، وفي فساد التولية وجهان ) .
وعمدة هذا القول أن الله أمر الحكام أن يحكموا بالحق قال تعالى : {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} . والحق لا يتعين في مذهب، وقد يظهر له الحق في غير ذلك المذهب.
*لذا ذهبت طائفة من أهل العلم إلى عدم جواز تقنين الأحكام الشرعية وقالوا على القاضي أن يحكم وفق اجتهاده أو مذهبه ضمن إطار أحكام الشريعة وضوابطها .
*وذهبت طائفة من أهل العلم إلى جواز إلزام الحاكم القضاة بالحكم وفق مذهب معين أو اختيارات فقهية من الراجح من الأقوال إذا اقتضت المصلحة والضرورة ذلك , وقالوا إن المصلحة تقتضي في هذا العصر تقنين القضاء لعدة أسباب منها ضعف كفاءة القضاة وقصورهم عن بلوغ الخبرة القضائية والاجتهادية بالمجمل , تشعب المعاملات والمؤسسات التي يصعب ضبطها من غير تقنين وإلا ضاعت مصالح كثير من للناس , منع التفاوت والتناقض بين القضايا المتماثلة في الحكم تبعاً لاختلاف القضاة في مذاهبهم وقد يتهم القضاة فيها بالمحاباة , وهذا قد يقع في القضاء المقنن في بعض المواد التي وضعت حداً أدنى وحداً أعلى في مجال العقوبات مثلاً , إلا أن وقوعها في القضاء المقنن أهون من وقوعها في القضاء المطلق .
*أجاب أصحاب القول بجواز التقنين عن استدلال المانعين المذكور بأن ما ألزم القضاة بالحكم به هو من الشرع المؤول ( الاجتهادي ) الذي استنبط من الشرع المنزل وهذا بالاتفاق يجوز العمل به والحكم بمقتضاه لأنه حق , ولأن القضاة في المجمل ليسوا من أهل الاجتهاد وبالتالي فلهم أن يقلدوا المذهب أو الاختيارات التي وضعها الإمام أو من فوضهم الإمام من أهل الاجتهاد والنظر , وللدواعي التي ذكرناها سابقاً فاقتضى ذلك توحيد الاجتهاد الفقهي في المجال القضائي حصراً , لما ذكرنا من تحقيق مصالح ودرء مفاسد خاصة , أن بعض الناس في بعض الدول التي لا تقنن القضاء أصبحوا يلجؤون إلى دول الغرب لرفع القضايا عندهم نظراً لعدم وجود قانون يبين ما يلزم ومالا يلزم مما سيحكم به القاضي .
*أجاز الفقهاء تولية القاضي المقلد , وهذا ما جرى العمل عليه سابقاً في بعض الفترات , وقد كان القضاء حسب مذهب الدولة ويعين القضاة من نفس المذهب , وأجاز بعض الفقهاء إلزام الإمام للقاضي المقلد أن يحكم وفق مذهب إمامه , ولكن هذا لا يرد على مسألتنا لأن القاضي المقلد يقضي بما يوافق رأيه ( المذهب ) وليس بخلاف رأيه , ولا يتحقق ذلك في التقنين , اللهم إلا إن قلنا بأن القانون أصبح بعد إقرار الدولة له مذهباً للقضاة يدينون به فيكونون مقلدين مذهباً ملفقاً من ترجيحات المذاهب الأخرى (( للمصلحة )) , فيكون إلزام الحاكم لهم بمثابة إلزامهم بالقضاء بمذهبهم , وقد نقل الباجي من المالكية ( أن الولاة كانوا بقرطبة إذا ولوا رجلا القضاء شرطوا عليه في سجله أن لا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده . ) كما في تبصرة الحكام , وقال الدسوقي كما في مواهب الجليل : ( بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه أن لا يحكم إلا بمذهب إمامه : فقيل : لا يلزمه الشرط ، وقيل : بل ذلك يفسد التولية ، وقيل : يمضي الشرط للمصلحة . ).
*أشار الفقهاء سابقاً إلى علة إلزام القضاة بمذهب معين ( لمصلحة منع التهمة عن القضاة , وطمأنة الخصوم ) من باب السياسة الشرعية وتأملوا فيما ذكره الماوري في الأحكام السلطانية حيث قال :
( وقد منع بعض الفقهاء من اعتزى إلى مذهب أن يحكم بغيره، فمنع الشافعي أن يحكم بقول أبي حنيفة، ومنع الحنفي أن يحكم بمذهب الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه , لما يتوجه إليه من التهمة والممايلة في القضايا والأحكام، وإذا حكم بمذهب لا يتعداه كان أنفى للتهمة وأرضى للخصوم، وهذا وإن كانت السياسة تقتضيه فأحكام الشرع لا توجبه؛ لأن التقليد فيها محظور، والاجتهاد فيها مستحق .) . 1/115.
فتأمل قول الماوردي أن السياسة تقتضيه وأن الشرع لا يوجبه فنفى وجوبه شرعاً ومفهومه أن الشرع لايمنعه سياسة .
*أشار ابن تيمية – رحمه الله – إلى جواز أصل التقنين بإلزام القضاة بالحكم وفق مذهب معين إذا اقتضت الضرورة , ومن باب العمل بأهون المفسدتين في معرض كلامه عن مسألة في الوقف , حيث قال ما نصه :
( ولو شرط الإمام على الحاكم أو شرط الحاكم على خليفته أن يحكم بمذهب معين- بطل الشرط، وفي فساد العقد وجهان، ولا ريب أن هذا إذا أمكن القضاة أن يحكموا بالعلم والعدل من غير هذا الشرط فعلوا. فأما إذا قدر أن في الخروج عن ذلك من الفساد جهلاً وظلماً أعظم مما في التقدير كان ذلك من باب دفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما.)
الفتاوى الكبرى : 4 / 274 .
*وسُئل محمد رشيد رضا صاحب المنار : ما قولكم دام فضلكم في أحكام السياسة والقوانين التي أنشأها سلطان البلد أو نائبه، وأمر وألزم حكام بلده وقضائه بإجرائها وتنفيذها، هل يجوز لهم إطاعته وامتثاله لإطلاق قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} ، أم كيف الحكم؟ أفتونا مأجورين؛ لأن هذا شيء قد عم البلدان والأقطار؟
فأجاب: ( إذا كانت تلك الأحكام والقوانين عادلة غير مخالفة لكتاب الله وما صح من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم - وجب علينا أن نعمل بها إذا وضعها أولو الأمر منا، وهم أهل الحل والعقد، مع مراعاة قواعد المعادلة والترجيح والضرورات، وإن كانت جائرة مخالفة لنصوص الكتاب والسنة التي لا خلاف فيها- لم تجب الطاعة فيها؛ للإجماع على أنه «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) . مجلة المنار : 14 / 731 .
الخلاصة :
1 - إن مسألة تقنين الأحكام القضائية مسألة اجتهادية فقهية في الشرع ,وليست من الأحكام القطعية فضلاً أن تكون من قضايا العقيدة .
2 - إن القول بأن تقنين الأحكام الشرعية من الحكم بغير ما أنزل الله ضرب من التنطع والغلو في الدين .
3 - إن التقنين حتى يكون شرعياً لابد أن يكون مستنداً إلى مرجعية الشريعة الإسلامية وينص على ذلك في الدستور.
4 – إن القول بجواز تقنين الشريعة يساعد على إعادة الحاكمية للتشريع والقضاء في الدول الإسلامية التي اعتمدت القوانين الوضعية , لما يحمل الفقه الإسلامي من نضج فكري ومرونة وقابلية لمعالجة فقه النوازل بشهادة كثير من الخبراء , تجعله بديلاً قوياً عن القوانين الوضعية لملاءمة ومواكبة تطور العصر .
5 - إن القول بجواز التقنين لا يلزم منه القول بجواز إلزام الحاكم الناس بمذهب أو قول في مسألة خلافية في العمل به على العموم , بل هذا خاص بباب القضاء , وقد قدمنا الكلام عن هذه المسألة في مجلس سابق .