لما كان التاريخ يعيد نفسه، والعدو الذي يتربص بنا بسياسته الخرقاء أيضاً يعيد نفسه حتى أصبح مفضوحاً إلا عند من غشي على بصره وقلبه، وهي البحث عن مصالحه بنهب أقوات وممتلكات الشعوب الضعيفة، ولو أدى ذلك إلى هلاكها ودمارها. لذا فليس أمامنا نحن تلك الشعوب لحماية أنفسنا ومكتسباتنا المتواضعة إلا أن نُري عدونا ما أرشدنا إليه ربنا أن نفعله ليرهبنا، وهو قوله: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} (الأنفال: 60)، وقد وضح القوة ﷺ في قوله على المنبر حتى لا يحرِّفها جبان متخاذل إلى غير معناها فيضل. في صحيح مسلم: ((ألا إن القوة الرميُ ألا إن القوة الرميُ ألا إن القوة الرميُ)) (إمارة/ 167) ويقولون ونقول: إن المحافظة على النصر أهمُّ وأخطر من تحقيق النصر، لذا وجب علينا نحن السوريين أن نضاعف جهودنا للمحافظة على ما حققه الله لنا من نصر حتى لا يضيع فنعض أصابعنا ندماً حين لا ينفع الندم. ولقد آلمني أني كنت حينما أدعو إخوتي وأحبتي من أبناء بلدتي لبحث أوضاعنا وتقديم ما يلزم لبلدنا قبل التحرير كانوا يتسارعون ولا يتخلفون، لكني أردت بعد التحريرأن ألقى أحبتي بنية البحث عما يجب علينا فعله بعد التحرير للمحافظة عليه، لكني لم أجد ما كنت أراه قبل التحرير، فعدونا ليس غافلاً عن سوريتنا التي يهمه أمرها أكثر من غيرها. وكأنها في نظره هي التي عناها الشاعر بقوله: وفي البساتين أشجارٌ منوَّعةٌ * وليس يُرجم إلا ما له ثمرُ... وفي السماء نجومٌ لا عِداد لها * وليس يُخسف إلا الشمس والقمرُ. وتجاربنا تؤكد ذلك فحين تنازل الرئيس السوري شكري القوتلي رحمه الله عن رئاسته لصالح الوحدة مع مصر، حدث ما لم نتوقعه، وكأن الرئيس جمال عبد الناصر الذي خبرناه عن قرب غدر بنا، وكان الأستاذ عمر بهاء الأميري رحمه الله، وهو السياسي المحنّك يقول: إن جمال عبد الناصر يصلح مهرجاً لا رئيساً. ولسوء سياسته عيَّن/ عبد الحميد السرّاج البعثي الحوراني العلماني وزيراً للداخلية وللأوقاف، وفي عهده دعاني الأمن وأنا في الثاني المتوسط في الثانوية الشرعية في حلب ليحاسبني على مقال كتبته في مجلة أعددتها باسم فصلنا وكتبت فيها كغيري موضوعاً بعنوان: دعوهم وما يقولون، فلما دخلت على المحقق راح يقرأ في موضوعي ويهز رأسه متوعداً إلى أن قال: والله هذا لسانك بدو قص، وإياك أن تكتب كذلك مرة ثانية، وهذه المجلة لا تباع ولا توزع. فإذا كان هذا ما حدث معي، فقد حدث مع كثير أيضاً غيري. لذا انتفض جيشنا السوريّ، وحررنا من هذا الظلم بعد حوالي ثلاث سنوات ونصف في 1961م، بما سُمّي بالانفصال الذي تمتعنا خلاله ببعض حريتنا وحقوقنا، لذا لم يستمر إلا سنة ونصف فقط مع أن دستور البلاد ينص على أربع سنوات، لأن سورية بدأت نهضة شبه حقيقية، فتحركت القوى العدوانية ونفذت انقلاباً عسكرياً في 8/ آذار 1963م، بقيادة بعثية وطائفية جثمان على صدرنا رغماً عنا أكثر من ستين سنة حتى تحررنا، أي أننا لم نستطع الحفاظ على ما تحقق لنا من نصر، بعد انفصالنا عن مصر. لذا أقول لإخوتي وأحبتي من أبناء بلدتي: إن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى علمائها ومفكريها وعباقرتها ومبدعيها ومجاهديها وسياسييها، وإلى وحدتها وألفتها وتعاونها، لأن ذلك يصنع قوتها ويحفظ نصرها. أسأل الله أن يتحقق لنا ذلك على أرضنا وفي غربتنا. وعلى كل من تسمح له ظروفه بالعودة الكريمة ألا يتأخر، إلا مَن عَذره الله، وعليه أن يبذل جهده في نهضة بلده. لأن الله أمرنا أن نعمر الأرض بقوله: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} (هود: 61) أي طلب منكم عمارتها. اللهم وفقنا لهداك واجعل عملنا في رضاك.
الشيخ الدكتور محمود فؤاد الطباخ
مواليد حلب عام 1944م - دكتوراه في الدعوة الإسلامية - ماجستير لغة عربية
نعم مِن حق حجيجنا أن يفرحوا بأن أتم الله عليهم حجهم بقبوله إن شاء الله، ومن حقنا نحن أيضاً الذين حبسنا العذر عن أن نكون معهم في أجسادنا، فرافقناهم بأرواحنا وقلوبنا ومشاعرنا، ليكون لنا من الأجر مثل الذي لهم، جاء في كتاب/ لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي: [القاعد لعذر شريك السائر، وربما سبق السائرُ بقلبه السائرين بأبدانهم ... يا سائرين إلى البيت العتيق لقد * سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا.. إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا * ومن أقــام على عذر كمن راحـــا، وذلك بعد أن صلينا صلاة العصر من ثالث أيام التشريق وكبرنا تكبيراتها خلفها، فانتهت التكبيرات خلف الصلوات بها، حتى ونحن نزور بعض أهلنا وأحبابنا. نسأل الله القبول لنا ولهم، كما نسأله سبحانه أن يحفظهم في عودتهم سالمين غانمين إلى أهليهم وأوطانهم، لأن دنيا اليوم تشتعل بالحروب والصواريخ التي تدمر المقرات الهامة، والأبنية المحصنة، والأبراج الشاهقة، وكل ما هو اقتصاد للدول المتنازعة، أو حتى الدول التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل. نسأله سبحانه أن يحفظ المسلمين وكل الأبرياء من هذه الشرور، ويهلك الظالمين بالظالمين، ويخرجنا منهم سالمين. وقد آن لهذه الأمة المباركة أن تنعم بأمنها وحريتها وعزتها وكرامتها، بعد أن ذاقت الويلات على يد العصابات المدعومة من دول الاستكبار، لقهرنا وإذلالنا ونهب خيراتنا، والأهم من ذلك كله، لتغيير ديننا وكل معتقداتنا ومفاهيمنا وثوابتنا وفق رؤيتهم التي تخدم مصالحهم، ولكننا على يقين بأن الله سيحفظنا ما دمنا معه ولا نحيد عن صراطه المستقيم. قال تعالى في حق نبيه ﷺ {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً} (الإسراء: 74، 75). اللهم ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويوم يقوم الأشهاد. ولا تجعل للشيطان ولا للأهواء ولا للظلمة علينا سبيلاً، ونعدك يا ربنا بأن نستمسك بما أمرتنا به بعد أن جددنا بيعتنا لك في حجنا حين كررنا: لبيك اللهم لبيك، فنبذل كل جهدنا وطاقاتنا لتقوية أنفسنا وناشئتنا، لندفع عنا ما يؤذينا ويخزينا، لقولك سبحانك: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} (الأنفال: 60)، وقد عرف لنا فيها ﷺ معنى القوة حتى لا ينصرف إلى غيرها عند من لا يرغبون الجهاد، كما في صحيح مسلم: [عن أبي علي بن ثمامة بن شُفَيّ أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: (({وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي )) صحيح مسلم: (إمارة/ 167). وبذا يهابنا عدونا فلا يطمع في شيء فينا وهو يرى قوتنا وبأسنا. اللهم ألهمنا رشدنا، وعِذنا من شر نفوسنا.
اللهم هذا فجر يوم عرفة من عام 1447هـ، أدركناه ونحن في المدينة المنورة، وقد صلينا فيه الفجر وكبَّرنا بعده وأنت تعلم أننا ما كنا نترك فرصة لحج أو عمرة منذ أن وطئت أقدامنا أرض المملكة 1400هـ مهاجرين إلا ونغتنمها، لكن هذه الأيام قد وهن العظم وضعف الجسم وحبسنا العذر، فنسألك يا الله يا واسع الكرم أن تكتبنا مع حجاج بيتك، وقد جعل ﷺ الأجر كاملاً لمن حبسه العذر، كما في صحيح البخاري: ((أن النبي ﷺ كان في غزاة فقال: إن أقواماً بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا فيه حبسهم العذر)) رقم/ 2838، وجاء في شرحه في فتح الباري:[ عن حماد بن زيد ((إلا وهم معكم فيه بالنية))، ولابن حبان وأبي عوانة من حديث جابر((إلا شركوكم في الأجر)) بدل قوله: ((إلا كانوا معكم))، وبلغنا عن نبيك قوله ﷺ كما في صحيح البخاري: ((إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)) (كتاب الجهاد / 134، رقم/ 2996)، وفي كتاب لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي: [القاعد لعذر شريك السائر، وربما سبق السائر بقلبه السائرين بأبدانهم ... يا سائرين إلى البيت العتيق لقد * سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا ...إنّا أقمنا على عذر وقد رحلوا * ومَن أقام على عذر كمَـن قـــامـــا] / 477. فلا تحرمنا يا رب نحن الذين حبسنا العذر وأنت أعلم به، من أن نكون مع الحجيج في الأجر سواء. ولكم أحبتي مثل ذلك الأجروزيادة وكل عام وأنتم بكل خير وسعادة.
هكذا أظلتنا عشر ذي الحجة أفضل أيام عمرنا، فلنستعد للإقلاع، لبلوغ أطايب ما عندنا في عبادتنا، لنهنأ بسعادة تغمر نفوسنا، ونفوز بالفردوس الأعلى في جنات ربنا، لِما في صحيح البخاري رقم/ 969، وفي الجامع الصحيح للترمذي رقم/ 757، وفي سنن أبي داود رقم/ 2421 من تعظيم لهذه الأيام يجعلها من أشهى الأطعمة إلى نفوسنا، ولكن بنكهة جهادية لا تفارقنا. قال ﷺ: ((ما من أيام العمل الصالح فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر))، فقالوا: يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ: ((ولا الجهاد في سبيل الله. إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء))، وهنا يستوقفنا سؤال الصحابة رضي الله عنهم: ولا الجهاد في سبيل الله؟ حيث لم يذكروا غيره من الأعمال الصالحة، لأنه ذروة سنام الإسلام، فهو على ألسنتهم على الدوام، وفي ضمائرهم على مر الزمان. جاء في شرح الحديث في فتح الباري: [ودلَّ سؤالهم هذا على تقرر أفضلية الجهاد عندهم، وكأنهم استفادوه من قوله ﷺ في جواب من سأله عن عمل يعدل الجهاد فقال: ((لا أجده)) ... وفي الحديث تعظيم قدر الجهاد وتفاوت درجاته، وأن الغاية القصوى فيه بذل النفس لله.] ابن حجر: (ج2/ 460)، وشيء آخر يشد انتباهنا أنهﷺ لما فضَّل العبادة في أيام العشر على الجهاد، لم يفته أن يستثنى الحالة الجهادية المتميزة التي تفضل أي عمل صالح في هذه العشر فقال: ((إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)) حتى يبقى الجهاد في ذروة الذروة، لأنه طاعة محفوفة بالآهات والجراحات، التي غالباً ما تفارق فيها الروح جسدها لتنعم بالإقامة في جوار ربها. قال لنا الشيخ أحمد البيانوني رحمه الله يوماً: كثيراً ما يعبد أحدنا ربه ويخشع بين يديه لكنه لا يرقى أبداً إلى الصبر على ما ينزل به من البلاء. ولما كنا نغار على ديننا، ويهمنا أمر أمتنا، كنا نجلس في المدينة المنورة مع شيوخنا الأفاضل أمثال الشيخ محمد عوض رحمه الله والشيخ أسامة الرفاعي حفظه الله والشيخ ممدوح جنيد رحمه الله وغيرهم، نتحدث عن هموم أمتنا وطرق نهضتها، وبخاصة أن سورية كانت تحترق بأيدي المجرمين الطائفيين وتحتاج إلى من يدعم حراكها، لتتخلص ممن أذلالهم وقهرهم وبطشهم، فقال لي الشيخ ممدوح يوماً: ألا تستحق سورية الجريحة كلمة ممن يدَّعون الإسلام والغيرة على الأوطان؟! نعم لقد أدرك علماؤنا الأفاضل المنزلة الرفيعة للجهاد، فقاموا بواجب الوقت، ووقفوا في وجه الطغاة ناصحين ومجاهدين، ولغيرهم وأتباعهم مذكرين، مهما كلفهم ذلك من ثمن. ولقد كنت أستمع لشريط لكلمة للشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله بعنوان: (أمانة الكلمة العلمية) قال: [كان هناك مرابطون على الحدود في خيامهم يتعلمون ويدفعون بصدورهم عن دينهم وأوطانهم] فأين نحن اليوم من هذا التوجيه؟ وبخاصة حين يُراد لأمتنا أن تحترق، ولا يعني ذلك أني أدعو للانسياق وراء كل من يدعو للجهاد، وهو ليس من أهله، لأن أهله العلماء الصادقون والمفكرون الموثوقون، والسياسيون المحترفون، والعسكريون المؤهلون، لأن تقصير الأمة في واجب جهادها يعني هلاكها. قال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (الفرقان: 63)، وقال محذراً: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين} (الأنفال: 7، 8)، وبعد هذا البيان، فهل لمؤمن عاقل أن يقدم ما تستهويه نفسه على الجهاد في سبيل الله إذا توفرت أسبابه واستُكملت شروطه؟! حتى لا يشمله قوله ﷺ: ((يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير، أو التمر لا يباليهم الله بالة)) قال أبوعبد الله: يقال حفالة وحثالة. البخاري رقم/ 6434. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وحببنا فيه.
كادت كبدي تتمزق، وأمعائي تتدفق، حين رأيتها تبكي وعيناها كجمرة من نار تذرفان دموعاً غزيرة على وجنتيها، فتمنيت لو أني أقدر على مساعدتها، وقضاء حاجتها، فسألتها: من أنتِ ولماذا تبكين؟ قالت: أنا سورية الإباء، رمز العزة والإباء، وقلبها النابض حلب الشهباء، فقدتُ أعزَّ بناتي في ليلة ظلماء، وبحثت عنهن فوق كل أرض وتحت كل سماء، فما وجدت أثراً لهنَّ، ولا سمعت خبراً عنهنَّ، وكدت أموت على ضياعهنَّ، فقلت: هوِّني عليكِ، وكوني على يقين بأن الله لن يُضيِّعكِ، وعما قريب ستجتمعين بحول الله وقوته بهنَّ، لكنْ خبريني عن أسمائهن لعلي أسمع بهن أو أجدهنَّ، فقالت: هن ثلاثة لا نظير لهنَّ: الحرية الدينية، والدعوة الربانية، والعدالة الاجتماعية، كم تعبت في تربيتهنَّ وتهذيبهن وإصلاح أمرهنَّ، بعد أن ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس! عسى أن يكون لهن بالغ الأثر في نهضة أمتهنَّ، أستحلفكَ بالله أن تساعدني على لقائهن، فهن بعد الله أملي وحياتي، فرجوت أرحم الراحمين ألا يخيب رجائي في ردهنّ لأمهنّ، ورحت أبحث فقادتني الأقدار إلى مكان قَفرٍ، حسبت أنه الكهف الذي أوى إليه أصحابه، فلما دنوت منه أحسست بحركة فيه، فاقتربت أكثر وأكثر، فإذا هنَّ ثلاث فتيات التففن على بعضهن، كأن كل واحدة منهن تريد أن تفدي بنفسها أختاها لو أصابهن مكروه، فوقع في نفسي أنهن المطلوبات، وتساقطت دموعي عليهن، فأفقن من سباتهن، فقلت: من أنتن وماذا تفعلن هنا؟ فأجابت إحداهن وكأنها أوعاهن والمتحدثة باسمهن: أنا الدعوة الربانية، وأختي الحرية الدينية، والأخرى العدالة الاجتماعية، هربنا من جحيم الظلم والقهر ممن يدّعون الديمقراطية والإنسانية، من الذئاب البشرية، فقلت: كان هذا زمان، واليوم تغيرت الأحوال، وأملنا بالله كبير أن تجدن مكاناً مرموقاً لكُنّ في حضن أمِّكنّ سورية الإباء، التي كادت تموت حسرة على فراقكنَّ، لتسترد بكنّ عافيتها وحريتها وكرامتها، والعدل في كل جنباتها، فهيا بنا إلى أمِّكنَّ قبل أن تلفظ أنفاسها على فراقكن، فبكين من فرحهنّ، وكدن يطِرن معي إلى أمهنّ، لولا تريُّث المتحدثة باسمهن: الدعوة الربانية، التي أرادت أن تطمئن على دعوتها قبل ذهابها، هل أخذت بُعدها التخصصي كأخواتها: في التفسير والحديث واللغة والطب والهندسة والسياسة والعسكرة وغيرها؟ أم أنها لا تزال غير معترف بها كتخصص له أولويته في تحديد الطرق الدعوية الأفضل شدة وليناً، وتصريحاً وتلميحاً، وحرباً وسلماً، ومجاملة ومقاطعة، كما يقتضيه واقعها قوة وضعفاً، إذ يحدد واجب الوقت ما يجب فعله، وما ينبغي تركه، فقلت: إن أمر الدعوة لا يزال يحتاج لجهد كبير من أمثالكن ليأخذ مكانه اللائق به. ووجودك وأمثالك كدعاة متخصصين سيفرض نفسه ليكون مرجعية لأي حراك دعويٍّ مستقبلي. ثم مضينا وتم اللقاء والعناق، وكانت الدهشة في حضن الأم وكلهن أمل في أن عودتهن ستقضي على ما زرعه النظام البائد من فساد، وسيتم القصاص العادل من الذئاب البشرية الذين ارتكبوا أبشع الجرائم إرضاء لأسيادهم خارج الحدود، ليُثبتوا لهم ولاءهم، فيُثبِّتوا لهم حكمهم. وهكذا عُدْن إلى حضن أمهن سورية فرحين مستبشرين، عازمين على الإصلاح مع كل المخلصين المؤهَّلين الحريصين على مستقبله وإسعاده. اللهم احفظ سورية لأهلها، ولا تسلط عليهم أعداءها الطامعين بخيراتها وثرواتها.
حين يستيقظ الضمير الدعوي والحِسّ الوطني والأمني عند أحدنا مبكراً، فعليه أن يدفع الثمن غالياً، ما دامت الأنظمة القمعية لا ترحمه، لكن الله لن يتخلى عنه، وسيشد أزره ويكون معه. قال تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} (النحل: 128)، وقد لمست بنفسي هذه المعيّة ولله الحمد والمنة، في كثير من المواقف الدعوية، وأهمها قضايا أمتي النهضوية. ففي خمسينات القرن الماضي أنشأتُ مع زميلي/ مطيع أبو المجد البيانوني رحمه الله في الثاني متوسط في الثانوية الشرعية في حلب مجلة باسم صفنا كتبت فيها مقالاً بعنوان: (دعوهم وما يقولون)، وذلك أيام وحدتنا مع مصر، ووزعناها على أساتذتنا وزملائنا، وبعد أيام فقط استدعانا الأمن، وراح المحقق يقرأ في مقالي الذي كتبته في المجلة التي أعدها قبل مجيئنا، إلى أن قال: والله هذا لسانك لأقصو، وإياك أن تكتب ثانية كذلك، والمجلة لا توزع ولا تباع، ونجونا بحمد الله من بطشه وسطوته، وفي عودتنا قلت لزميلي: لو نخبر فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله بما حدث، لثقتي بعلمه ووعيه وفطنته، ليعلم حجم الحرية التي نعيشها، والمطبلون والمزمِّرون يومئذ كثيرون، فلما أبلغته قال: هذا يحتاج منكما إلى مقابلة الرئيس، فقلت: لكن الرئيس في يوغوسلافيا عند صاحبه تيتو، فقال: هو لأنه هناك أنا قلت ذلك، فعرفت ما يعنيه، وكان درساً تلقيت فيه: (ليس كل ما يُعلم يُقال)، ومن نباهته وسرعة بديهته رحمه الله أنه جاء يوماً زائراً للأستاذ عمر بهاء الأميري رحمه الله، وكنت في زيارة لأولاده رحم الله الولد الأكبر الدكتور أحمد براء وحفظ باقي إخوته، فلما جلس الشيخ معنا ينتظر دخوله على الأستاذ عمر اغتنمت الفرصة وسألته عن كلمة أشياء لمَ منعت من الصرف بينما أحياء وهي مثلها في ظاهرها لم تمنع، فقال فوراً هذه تحتاج لغسيل بالصابون، وفهمت مقصده وشكرته، فلما دخل لملاقاة الأستاذ الأميري، قال الحاضرون ماذا أراد الشيخ بإجابته؟ فقلت أراد أن أسأل أستاذ العربية في الثانوية عندنا الأستاذ الصابوني. فلله دره! وحين ذهبنا للسلام عليه بعد خروجه من السجن أثناء حرب 67م قلت له: الحمد لله أنهم أفرجوا عنكم، فقال لي : من أخرجنا؟ فقلت: النظام، فقال وهو لتوِّه خارج من السجن: نحن أخرجنا اليهود، أي لولا معركة النظام الخاسرة معهم ما حصل الإفراج. ومضيت في مسيرتي الدعوية بعدها حذراً واثقاً بنصر الله القائل: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} (غافر: 51)، والقائل: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} (الشورى: 39)، ولما كانت الاستشارة واجبة على أولي الأمر، لقوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} (آل عمران: 159)، ولقوله: {وأمرهم شورى بينهم} (الشورى: 38)، وكذا كانت النصيحة أشد وجوباً لهم، لأنها الدين كله لما في الصحيحين: ((الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) خ:(إيمان/42، رقم/57)، ويتعين على المنصوح قبول النصيحة، ولو صدرت ممن هو أدنى منه. في أحداث 1979م قال لي الشيخ عبد الله علوان رحمه الله نريد أن نغلق حلب فقلت: كيف؟ قال ننزل أنا وأنت وأبو النصر و..... ونخبر أصحاب المحلات قرارنا، وكان هذا يعني في نظري لو حصل أن تكسر أبواب المحلات وينهب ما فيها، فقلت للشيخ رحمه الله هذا كلام نظري، ولا يستجيب التجار لطلبنا، فقال لماذا؟ فقلت لأن أصحاب المحلات أغلبهم لهم مرجعيات وانتماءات، فلا يستجيبون إلا لمرجعياتهم، فقال: ما الحل؟ قلت لا بد من إقناع مرجعياتهم أولاً لتقوم هي بإبلاغهم، وتسارعت الأحداث، وأغلقت المحلات، فكسِّرت أقفالها وحطمت أبوابها ونهب ما فيها، وحدث ما توقعته، وبدأت التصفيات الجسدية، لأن التحركات السلمية لا تجدي نفعاً مع الأنظمة القمعية، لكن الله نجّانا من مكرهم وبطشهم، وتحقق قوله: {قل موتوا بغيظكم} (آل عمران: 119) وقوله: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مُراغَماً كثيراً وسَعة} (النساء: 100)، فَرَغِمَ أنفهم بنجاتنا والحمد لله ربِّنا. ثم أكرمنا الله بالتحرير، الذي اعتبره كثير فوق الخيال، فتمكنت وأمثالي من النزول إلى وطني الحبيب بعد أن كنت ممنوعاً لأكثر من 47 سنة، واستقبلتني قناة حلب اليوم مشكورة، والتقيت واستمعت بنفسي إلى ما أثلج صدري من كلمات رقيقة وعبارات رشيقة، من الشيخ الدكتور إبراهيم شاشو مفتي حلب وعميد كلية الشريعة في جامعتها، حيث طلب مني أن أخطب مكانه في جامع الروضة الذي كان يخطب فيه الشيخ طاهر خير الله رحمه الله، ففعلت، لأنه سمع مني ما قاله لي الأستاذ حسني عابو رحمه الله صهر الشيخ طاهر حيث قال لي: أتمنى أن أراك تخطب على هذا المنبر، لغاية في نفسه ما قضاها، ثم إن الشيخ إبراهيم سدد الله خطاه قال: أنتم شيوخنا، لأن شيخ شيخي هو العلامة محمد راغب الطباخ رحمه الله. والتقيت بالسيد مدير الأوقاف الأستاذ/ عمر عكاش الذي غمرني بلطفه، وقال لي كلاماً لا يُنسى حين استشرته قائلاً: لو أردت الاستقرار في بلدتي، فهل أجد دخلاً مناسباً لمعيشتي؟ فقال: أنتم لكم الصدر ونحن لنا العتبة، جزاه الله كل خير. ويشهد الله أن بلدنا لا يغيب عن بالنا، وكلنا أمل في أن يبلغ ذروة أمنه وحريته وكرامته وحسن معيشته. وكل ما نخشاه أن يُفسد المُطبِّلون والمُزمِّرون هذا التحرير من حيث يشعرون أو لا يشعرون، حين يظنون أنه لا يستديم إلا إذا دعموه بالتبرير والتمرير والتزوير، بعيداً عن المشورة اللازمة، والنصيحة الواجبة، التي ما عادوا يرون حاجتها ما داموا لا يُخطؤون، والذين ينصحون هم الخطاؤون، ومعلوم أن العصمة لا تكون إلا للأنبياء والمرسلين، فكلامهم خطير، ليس في صالح التحرير، بل هو تخريب وتدمير، لا يرضي عنه قادةٌ أصحابُ دين وخلق وضمير. وسامحوني أحبتي على طول كلمتي التي رفضت التخلي عن أي كلمة في جدارها حتى لا يتصدع بنيانها.
ماذا سنكتب لأهلنا وأحبتنا بعد أن دقت نواقيس الحرب أبوابنا، ودخلت قذائف الحقد بيوتنا؟ أرى أن الخير لنا أن نكتب عما ينجينا في دنيانا وأخرانا. قال لي يوماً الشيخ محمد عوض رحمه الله ونحن في المدينة المنورة: ألسنا نحن السبب فيما أصابنا؟ قلت كيف؟ قال: لأنا جعلنا كل المجاذيب أولياء، فقلت: نعم هذا خطأ ويجب تصحيحه. وقلت في نفسي: ما الذي يطلبه ربنا منا ليتولانا؟، فوجدت الجواب في قوله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون* الذين آمنوا وكانوا يتقون* لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} (يونس: 62ـ 64) إذن هو في: إيمان صادق، وتقوى غير مريضة يكون الجهاد ذروة سنامها. في الجامع الصحيح للترمذي: ((عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه ... قال: رأس الأمر: الإسلام، وعموده: الصلاة، وذروة سنامه: الجهاد)) (إيمان/ 8، رقم/ 2616). قال: هذا حديث حسن صحيح. فإذا كان الجهاد الموصل إلى الشهادة في سبيل الله أرقى منزلة العبادات وتلك المنزلة يمكن أن يبلغها مَن تحرَّقت نفسه شوقاً إليها. في صحيح مسلم: ((من سأل الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه)) م: (إمارة: 156)، ولكن بعد اختبار صعب يجريه الذي يعلم السرَّ وأخفى، ليقيم الحجة على صاحبه، فيجازيه بما يستحق. قال تعالى: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} (التوبة: 16) في تفسير ابن كثير: [أم حسبتم أيها المؤمنون أن نترككم مهمَلين لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب] (ج2/ 340)، وفي الجامع الصحيح للترمذي: ((عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثلُ فالأمثلُ فيبُتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه) (زهد/ 56 رقم/ 2398) قال: هذا حديث حسن صحيح. ولما كانت النفس البشرية تميل إلى الطاعات الأقل كلفة من الجهاد والتضحية بالروح في سبيل الله، فقد مالت النفوس إليها وألفتها. وحديثنا ليس عمّن عذرهم الله، وهو أعلم بهم، وإنما عن النفوس التي تخشى أن تصيبها شوكة في سبيل الله، ثم تدَّعي أنها الأفضل، بينما تقاتل على قضايا دنيوية تافهة، ولو أصابها ما أصابها. قال تعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين* ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون} (الأنفال: 7). من هنا كان للجهاد الجزاء الأوفى. قال تعالى: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون* يبشرهم ربهم برحمةٍ منه ورضوانٍ وجناتٍ لهم فيها نعيمٌ مقيم}. فلله درهم! ما أعظم منزلتهم، وأعذب بشارتهم! نقول هذا ليبقى الجهاد خاصاً بأهله الصادقين، ولا يتاجر به المارقون من الدين. أما المتخلفون عنه مع القدرة عليه وتوفر أسبابه، فعقوبتهم كما قال تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} (التوبة: 118)، والثلاثة هم: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، رضي الله عنهم، الذين منع ﷺ أحداً أن يكلمهم، وبعد أربعين يوماً أمرهم أن يعتزلوا نساءهم، فلما بلغوا الخمسين نزلت توبتهم. فهنيئاً لمن اقتدى بسيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب أسد الله، وخالد بن الوليد سيف الله، وسعد بن أبي وقاص الذي خصه ﷺ بقولٍ لم يخص به سواه: (ارم سعدٌ، فداك أبي وأمي). وقد فرض علينا واجب الوقت جهاداً قطفنا ثماره في مسيرتنا الدعوية سأذكر بعضه أما الكثيرغيرُه فسأنشره إن شاء الله في كتاب كما رغب الأحباب. في بدايات حكم البعث النصيري أوائل الستينات في معسكر الفتوة للثانويات، طلبوا من كل خيمة أن تصنع منظراً أمامها، وسيتم اختيار الأفضل لمكافأته، فاصطحبت زميلي عبد اللطيف حماد رحمه الله، لنتعرف على ما سيصنعه الطلاب، فوجدت خيمة رفعت شعار البعث أمامها، فركلته بقدمي فدخل الخيمة محطَّماً، وقلت: إذا فيكم رجل يطلع، فوالله لم يخرج أحد، فلما غادرناهم طاروا إلى القيادة فأخبروها، فأطلقت الصفارات لاجتماع عام، فقال قائد المعسكر نحن ما قلنا لكم تصنعوا شعارات حزبية، والآن تنصرفون لتغيير أي شعار حزبي إلى شعار وطني. وأكثر من ذلك قررنا الصلاة جماعة في ساحة المعسكر، فتطوع أربعة ليؤذنوا في زوايا المعسكر وأنا عند غرفة القيادة، فلما أنهيت الأذان كان نائب قائد المعسكر ينتظرني لإنهاء الأذان، فلما انتهيت لم يقل لي: لماذا أذَّنتم دون إذننا؟ خوفاً من مواجهتنا، بل قال: ما قلنا ما أحد يخرج من خيمته إلا باللباس الرسمي؟ وكنت خرجت بالثوب والطاقية، فقلت: هذا اللباس الرسمي للصلاة، فقال: يا الله بسرعة بسرعة، فلما وقفت إماماً خرج العلمانيون ونصبوا حلقة دبكة باتجاه قبلتنا، فأرسلت إثنين ليُعلِموا القيادة قبل أن نتصرف، فوالله خرج الضباط من خيمتهم مسرعين وقالوا: فوق إنكم لا تصلون تشوشون على المصلين. ادخلوا خيامكم، فدخلوها صاغرين. هكذا تحقق قوله تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}وقوله:{والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} (الشورى: 39).
في هذه الليلة الغراء من أول ليالي العشر الأخير من رمضان تتوق نفس المؤمن لتزداد من التقوى ثمرة الصيام، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة: 18)، وتتطلع أن يكرمها، فتحظى بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، والبطولة التي تُسعد هذه النفس حين تكون تقواها فاعلة لا خادعة، وحقيقتها: أن يراك الله حيث أمرك، ويفتقدك حيث نهاك، ويصدق فيك قوله سبحانه: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} (الأعراف: 201)، وقد عدّد لنا الشيخ الدوسري رحمه الله في تفسيره صفوة الآثار والمفاهيم عند قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين}/ 42 أثراً للعبادة منها: [ 1ـ العبادة هي كمال الطاعة والانقياد لأوامر الله والانتهاء عن زواجره. 2ـ لباب العبودية: الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة فيه. 3ـ روح العبودية التواصي بالحق والتواصي بالصبر، ومن مقتضياتهما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع المفتري 4ـ نصرة المظلوم، وردع الظالم مهما كان نوع ظلمه، وأطره على الحق أطراً. 5ـ عبودية الله المرضيَّة تقتضي حسن المعاملة للخالق والمخلوق، فيعامل الله ويراقبه كأنه يراه، ويحسن معاملة الخلق بما يجب أن يعاملوه به. 6ـ تحقيق عبودية الله يتكون منها شعوب وفصائل أعزة على الكافرين تجدهم أمامهم أشداء في صلابة الحديد، بينما تجدهم أذلة على إخوانهم المؤمنين رحماء بينهم. 7ـ للعبادة الصحيحة المطابقة لهدي الله أثر عظيم في تقويم أخلاق القائم بها وتطهير نفسه من الإعجاب والكبر والسخرية بالغير واحتقاره. 8ـ من لوازم العبودية القيام بتبليغ الدعوة الإسلامية في سائر الآفاق بحسب استطاعته. 9ـ عبودية الله الحقة تخلق وعياً جماهيرياً صادقاً، فيعيشون في إخاء ورخاء لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد، بل يُؤثر أحدهم أخاه على نفسه، ويتألم لألمه، فينصره ولو مع بعد داره. 10ــ بتحقيق العبودية لا تنشأ العصبيات والقوميات المفرقة بين الأجناس والأقاليم، ولا الحدود المصطنعة، لأن كلمة التوحيد المستكملة لمعانيها لا تعترف بحدود ولا تجزئة. بل تعني القيادة العالمية التي هيأتها البعثة المحمدية، وجميع الأمة مسؤولة عن تفريطها بتلك القيادة التي خسر العالم كله بفقدانها العدل والإحسان.] (ج1/ 46ــ 57)، فأين نحن من هذا وغيره كثير؟! وحتى لا نضيع في بحر التيه، علينا أن نختبر تقوانا، فنعرضها على الحقائق الثابتة، قبل فوات الأوان، وقبل المزيد مما أصابنا وأرهقنا في هذه الأيام. في صحيح البخاري: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)) (إيمان/ 24)، رقم/ 33، وفي صحيح الجامع الصغير: ((ثلاث مَن كنَّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلى ... وقال: إني مسلم: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) رقم/ 3043، وما هو أشد وأنكى أن يقع كثير منا وهو لا يدري فيما حذرنا الله منه في قوله تعالى: {ويل للمطففين*الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون*وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون} (المطففين: 1ـ3) في تفسير فتح القدير: [المطفف مأخوذ من الطفف وهو القليل ... قال الزجاج: إنما قيل للذي يُنقص المكيال والميزان: مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.. والمراد بالويل هنا شدة العذاب .. أو هو واد في جهنم .. ومعنى {يُخسرون}: يُنقصون] (ج2/ 1188). فإذا تأملنا هذه العقوبة البالغة التي تنزل بحق من يبخس الميزان والمكيال شيئاً يسيراً من الرز أو السكر أو القمح أو غير ذلك، أدركنا أننا على خطر عظيم، إذا عممنا ذلك على ما هو أهم من هذه المأكولات، وهو معاملاتنا وحقوقنا وواجباتنا كلها أخذاً وعطاءً في كل مناحي حياتنا، كما أشار إلى ذلك صاحب الظلال حين تحدث عن هذه الآية فقال: [والطغاة البغاة الظلمة المطففون في أية صورة من صور التطفيف في المال أو في سائر الحقوق والواجبات ...] (ج6/ 3856) اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وعافنا واعف عنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا إنك سميع الدعاء.
غزوة بدر في وقفات فهي الغزوة التي سماها تبارك وتعالى بالفرقان في قوله: {إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} (الأنفال: 41)، والتي وقعت عند بئر بدر في الطريق من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، في 17رمضان المبارك في السنة الثانية للهجرة، وكان مع النبي ﷺ / 313رجلاً ومعهم فَرَسان، وسبعون بعيراً يعتقبونها، وكان عدد المشركين 950رجلاً معهم 100 فرس و700 بعير، ولم يكن خروجه ﷺ لقتال، وإنما لاعتراض عير قريش المحملة بالتجارة من بلاد الشام تعويضاً للمسلمين على ما فقدوه بسبب هجرتهم:
1ـ صحيح أن المسلمين لم يريدوا حرباً لكن الله أراد غير ذلك، قال تعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ليحق الحق ويُبطل الباطل ولو كره المجرمون*} ( الأنفال: 7، 8)، لأن الحق لا يحق والباطل لا يبطل إلا بأن يتحطم سلطان الباطل ويعلو سلطان الحق، وذلك بأن يغلب جند الحق ويظهروا، ويهزم جند الباطل ويندحروا، ويكفي هؤلاء المتغطرسين ثلاث عشرة سنة في مكة من الحوارات والبراهين التي لم تنفع معهم، لذا أفلتت القافلة وفرضت الحرب التي رعاها الله ونصرها، بقيادة حكيمة ومهارة نادرة. قال تعالى: { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} (آل عمران: 123). 2ـ ومع أن الله وعد حبيبه ﷺ بالنصر، إلا أنه استشار أهل الرأي من أصحابه، لأن الجهاد في سبيل الله له شروطه وأركانه، ولا يفرضه وينادي به أي أحد، بل لا بد للمفكرين والقادة الحقيقيين والخبراء المجربين أن يقولوا كلمتهم، فقال: أشيروا عليَّ أيها الناس، فقال سعد بن معاذ سيد الأوس: كأنك تريدنا يا رسول الله، فقال: أجل، فقال سعد: قد آمنا بك وصدقناك، وأعطيناك على ذلك عهودنا، فامض لما أمرك الله ... فأشرق وجه رسول الله ﷺ، وقال كما في رواية البخاري: ((أبشروا والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم.)) 3ـ ومع هذا وذاك لما قارب ﷺ بدراً أرسل عليَّ بن أبي طالب والزبير بن العوام ليعرفا الأخبار، فلقيا غلامين لقريش فأتيا بهما إلى الرسول ﷺ فقال لهما: أخبراني عن قريش؟ قالا: هم وراء هذا الكثيب، فقال لهما كم هم؟ فقالا لا ندري، قال كم ينحرون كل يوم، قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً. قال: القوم بين التسعمائة والألف. 4ـ ثم سار جيش المسلمين حتى نزل أدنى ماء من بدر، فقال الحُباب بن المنذر الأنصاري يقال له: ذو الرأي: يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال يا رسول الله: ليس لك هذا بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فإني أعرف غزارة مائه فننزله ونُغوِّر ما عداه من الآبار، ثم نبني عليه حوضاً، فنملؤه ماءً، فنشرب ولا يشربون، فقال ﷺ: لقد أشرت بالرأي، وفعل بالمشورة. 5ـ ثم كانت المبارزة، فخرج من المشركين ثلاثة صناديد عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فطلبوا أكفاءهم، فأخرج لهم ﷺ من قرابته عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب للأول، وحمزة بن عبد المطلب للثاني، وعلي بن أبي طالب للثالث، فقتل حمزة وعليٌّ صاحبيهما، ثم كرّا على خصم عبيدة فأجهزا عليه، وحُمل عبيدة جريحاً فأفرشه ﷺ قدمه، فوضع خده عليها، وبشره بالشهادة، هكذا يقدم ﷺ الأكفاء من قرابته لا غيرهم لخصومه الألداء، فيصرعونهم أذلاء، وبعد انقضاء المبارزة وقف ﷺ بين الصفوف يُعدِّلها بقضيب في يده فمرَّ بسواد بن غزية وهو خارج من الصف، فضربه بالقضيب في بطنه، وقال استقم يا سواد، فقال أوجعتني يا رسول الله، فأقدني من نفسك، فكشف ﷺ عن بطنه، وقال استقد يا سواد، فاعتنقه سواد وقبَّل بطنه، فقال ﷺ: ما حملك على ذلك؟ فقال يا رسول الله قد حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد أن يمسَّ جلدي جلدك، فدعا له بخير. وبهذه القيادة العظيمة المتواضعة نفاخر، وبهؤلاء الجند البواسل نقاتل ونحاصر. اللهم دمِّر أعداءنا، وهيئنا لنصرك الذي وعدتنا.
موائدنا الرمضانية خلصتنا من الحقد والطائفية، والتبعية الغبية، وبثَّت فينا روح الأخوَّة الإسلامية وتحمل المسؤولية.
Click here to claim your Sponsored Listing.