إذا كان لا بد لكل خيمة من عمود يُقيمها ويحفظ ثباتها وتوازنها، ويحميها إذا عصفت بها الرياح العاتية، فإن عمود الإسلام: الصلاة هو أولى بأن نهتم به، لتبقى خيمة ديننا ثابتة تظلنا من لهيب الشهوات، وتحفظنا إذا عصفت بنا رياح الفتن الهوجاء. قال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيءِ وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين} (النحل: 89)، وقال ﷺ: ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد)) الجامع الصحيح للترمذي: (إيمان/ 8) رقم/ 2616. وقال: حديث حسن صحيح. فمن أراد أن يحيا آمناً في وطنه سعيداً بين أهله وجيرانه، فليفزع إلى الصلاة. قال سبحانه: {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} (العنكبوت: 45) لكن لاحظوا أنها الصلاة المقوَّمة من أي اعوجاج: {وأقم الصلاة}، وقد تكرر الأمر بإقامة الصلاة في القرآن الكريم ثلاثاً وأربعين مرة، لتكون الصلاة الخاشعة النافعة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، ويستجيب لهذا النهي صاحبها، لأنه ليس كل نهي يستجيب له الناس، وقد قال ﷺ للرجل المسيء صلاته:ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ ثلاث مرات، حتى علمه ﷺ الصلاة الخاشعة النافعة. وإذا كان الله عزوجل قال: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد: 11)، وقال: {إن الله لا يُصلح عمل المفسدين} (يونس: 81)، فقد وجب علينا أن نصلح ما بأنفسنا، ونقضي على كل فساد فيها، نهلع ونجزع. قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعاً*إذا مسه الشر جزوعاً*وإذا مسه الخير منوعاً*إلا المصلين*الذين هم على صلاتهم دائمون} (المعارج: 19ـ 23)، ويتحقق ذلك بتقويِم صلاتنا من الاعوجاج، بتأملنا أربع وقفات إيمانية تغير حياتنا وما أكثر ما نغفل عنها:
1ــ التكبير: (الله أكبر) في أول الصلاة يجعلنا نحس بأننا يجب ألا ننشغل بكل ما هو أصغر ما دمنا في مقابلة مع الأكبر الذي لا أكبر منه، ومما يساعدنا على هذا التصورأننا نرفع أيدينا حذاء شحمتي أذنينا، لنقذف بالدنيا الأصغر وراء ظهرنا، ليبقى شغلنا الشاغل مع الأكبر جل في علاه.
2ــ الانتباه إلى الالتفات من الغَيبة إلى المخاطب في قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} الذي يشد انتباهنا بعد قول الله في الغَيبة {الحمد لله رب العالمين}، لنستشعر أننا نخاطب حاضراً لا غائباً، فنعاهده على أننا حصراً لا نعبد إلا إياه، ولا نستعين إلا به فيما لا يقدر عليه غيره.
3ــ ثم في تشهُّدنا ننتبه إلى الالتفات أيضاً من الغَيبة إلى الخطاب في قولنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، بعد: التحيات لله حيث نستحضره ﷺ بقولنا (السلام عليك)، وكأننا نعاهده ﷺ على أن نسير على نهجه، ولو انحرفت الدنيا عن سبيله مهما كلفنا ذلك من ثمن.
4ــ ثم ننتبه إلى أننا نختم صلاتنا بتسليمتين، وكأننا نسلم يميناً على كل أهل الأرض من المؤمنين بقولنا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أي: الأمان عليكم أيها المؤمنون في أنفسكم ودمائكم وأموالكم وأعراضكم، فلا يصلكم منا مكروه أبداً ما حييتم، لأن المؤمنين إخوة، وهم كالجسد، وإيذاء واحد منهم مهما بعد معصية كبيرة لقوله سبحانه:{والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً} (الأحزاب: 58) هذه هي الصلاة الخاشعة التي تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فينتهي بنهيها، فهي دواؤنا لكل عللنا. اللهم فقهنا في ديننا، واجعل صلاتنا خاشعة نافعة. وخصوا الكلمة أحبتي بتعليقاتكم، ليعُمَّ نفعُها بجهودكم، وشكراً لكم.
الشيخ الدكتور محمود فؤاد الطباخ
مواليد حلب عام 1944م - دكتوراه في الدعوة الإسلامية - ماجستير لغة عربية
في صلاة فجر يوم السبت 18/ صفر/ 1448هـ وفي مقابل المنبر الشريف ختم الإمام الركعة الثانية بقوله سبحانه: {ولا تزد الظالمين إلا تباراً} (نوح: 28}، فأحسست بأن كل ذرة في جسدي تقول آمين، ونحن الحنفية لا نجهر بها في الصلاة، لكني أيقنت بأن الله سمعها واستجاب لها. في تفسير النسفي: [(إلا تباراً) : هلاكاً، فأهلكوا ... وقد أجيبت دعوته في حق الكفار بالتَّبار، فاستحال ألا تُستجاب دعوته في حق المؤمنين] (ج4/ 285) فأبشروا أيها المظلومون بهلاك الظالمين الذين لن يرضوا عنكم إلا بأن تتبعوا دينهم أو تهلكوا أجمعين: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} (البقرة: 120)، ولكي نستعجل إجابة دعوتنا، علينا أن نقلع عن الذنوب التي تضر بنا: {فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا} (العنكبوت: 40) فإن فعلنا فقد أدينا الأمانة التي في أعناقنا، فإن لم نفعل كانت خيانة تعصف بنا:{يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} (الأنفال: 27). الأمانة نهضة وحضارة وبناء، وعز وسعادة وارتقاء. والخيانة: تخلف وذل ومهانة، ودمار وشقاء وندامة. ومن الأمانة الصدعُ بالحق ونصرة المظلوم: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} (الأنفال: 72). لا أن تكون النصرة لأحدهم حميَّة أو عصبيَّة، لأنه من قرابته أو حزبه أو جماعته، وإلا رفض الآخرمع علمه وفضله وكفاءته وخبرته، على مبدأ: ما لم تكن معنا فأنت ضدنا. في الحديث المتفق عليه قوله ﷺ: ((دعوها فإنها منتنة)) خ:( رقم/ 4905)، م:(بر/ 64)، وشيوخنا الأفاضل الذين عرفناهم لا يعرفون هذه العنصرية الهوجاء، لأنهم للأمة جمعاء. وسأذكر بعض المواقف لبعض العلماء من مشارب متعددة، ومع ذلك كانوا قمة في الانفتاح على الآخر، ليتضح حجم الجريمة التي يرتكبها المنغلقون المتعصبون، وأسوأ ما فيها أن تغلف بغلاف الدين، والدين منها براء. في حج عام 1969م حضرت إلى الخيمة التي فيها المشايخ في مِنى، فوقف الشيخ سعيد حوا رحمه الله على الباب وقال: يا مشايخ سئلت فلم أجب، وتوجه بالسؤال إلى الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، فعض على شفته وأشار إليه بأن يتوجه إلى الشيخ محمد علي مراد رحمه الله الذي كان بجواره ففعل، علماً بأن الإجابة الصحيحة كانت مع الشيخ أبي غدة، عندما اختلفت إجابتهما، وأحدهم اليوم حين يتوجه إليه سؤال يسارع بالإجابة وينسى من حوله، وكأنه لا أحد غيره يعلم علمه. فأين هؤلاء المتعالين من ساداتنا المتواضعين؟! وفي لقاء دُعيت إليه كانت الكلمات محددة سلفاً للموالين، ثم فوجئت بأني دعيت لكلمة، وتبين أن أحد المشايخ المسؤولين من أحبائنا كان السبب حيث قال لهم إذا وجد الدكتور طباخ فيجب أن تكون له كلمة، فجزاه الله خيراً على هذا الأفق الدعوي المنفتح الذي نرجو له أن يعم.وحين كنا نجلس مع بعض العلماء الأفاضل نتدارس هموم أمتنا، وما ينبغي فعله، ذكرتُ للأمانة بعض الأخطاء التي تقع من بعض المشايخ دون ذكر الأسماء، فقال الشيخ محمد عوض رحمه الله، أنا لا أقبل انتقاد المشايخ، وطويت الصفحة على أن أحاوره خارج الجلسة، فلما خرجنا كفانيه الشيخُ أسامة الرفاعي حفظه الله مع أنه من جماعة والده الشيخ عبد الكريم، وأنا لست من جماعتهم، فقال له: إننا نلتقي هنا لنسمع لا لنسكت عما يصدر من أحد كائناً من كان، فالحق أحق أن يُتَّبع. فأقره الشيخ عوض رحمه الله على ذلك، وزاد حبنا وتقديرنا، وهذا شأن الدعاة المخلصين. وحين توفي الشيخ محمد حجار رحمه الله عمل له الشيخ عوض تعزية له، وطلب مني أن تكون لي الكلمة، فقلت هناك أقرب وأولى مني فقال أريدها منك، فلما بدأتُ الكلمة وكنت على بعد شخصين منه نهض وقال: تفضل إلى هنا يا شيخ أبو حازم أي إلى مكانه، فقام مَن حَولَه لأكون إلى جانبه. في وقت نجد فيه بعضهم اليوم لا يلتفت إلا إلى نفسه ومن يلوذ به، مع أنه أقل من هؤلاء العلماء، ولعله يكون من طبقة طلابنا. وحين أردنا التعرف على علمائنا عن قرب نحن الثلاثة منذ حوالي ثمان وخمسين سنة زرنا الشيخ محمد النبهان رحمه الله، فجلسنا مقابله وكان يرد على هاتفه الشيخ علايا أستاذي في الثانوية الشرعية، فاتصلتْ واحدة تريد تكليمه وأقسم بالله أنه رفض مرات معتذراً بأنه مشغول معنا، ثم أكرمنا بطعام نفيس رحمه الله وطيب ثراه. فهل نقص من هؤلاء شيء حين عاملوا من لا ينتمي إليهم بهذه الروح التسامحية، أم أن غيرهم الذين لا يرون إلا أنفسهم هم المقصرون الآثمون الذين سيندمون؟! وفي رحلتي للعمرة مع الشيخ عبد الله علوان رحمه الله وإخوانه في/ 1400هـ من جدة طلب مني أن أكون أمير الرحلة مع أني لست من جماعتهم فاعتذرت وقلت أنت أعرف بجماعتك وأولى بالإمارة.هكذا نريد للجماعات النظيفة أن تتعامل لخدمة الدين والوطن.
مبادئ ديننا ثوابت ليست للمفاوضة والمساومة، بل لتحقيق الأهداف والنهوض بالأمة. من ذلك: 1ــ لا يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها وهو الدين، الدين الذي أنزله علينا ربنا بفهم أهل العلم والتقوى، وليس بفهم أهل الأهواء والجهلة، أو المغرضين المتخصصين الذين يُحرِّفون الكلم عن مواضعه، فإذا جاء الحوار بالأدلة المقنعة والبراهين الساطعة هربوا إلى التزوير والتضليل، كما قال متعصبهم حين رأى من بعيد شبحاً: هي عنزة، فقال صاحبه بل هو غراب، فلما اقتربا وطار قال: هي عنزة ولو طارت؟! ديننا الصحيح لم يترك لنا شيئاً فيه خيرنا وسعادتنا إلا دلنا عليه، بعيداً عن كل ما هو غريب علينا من المبادئ والفلسفات الأجنبية. قال تعالى: {ونزَّلنا عليك الكتاب تِبياناً لكل شيءٍ وهدىً ورحمة وبُشرى للمسلمين} (النحل: 89)، فحين رأى ﷺ ورقة من التوراة بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه غضب وقال: ((أمُتهوِّكون يا ابن الخطاب؟ ــ أي أمُتحيّرون ــ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي)). 2ــ ومن تللك الثوابت أنه سبحانه لا يُهلك بلداً أهلُه مصلحون، لا صالحون فقط، لقوله تعالى: {وما كان ربك ليُهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} (هود: 117)، وقوله: {فلما نسوا ما ذُكِّروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذابٍ بئيسٍ بما كانوا يفسقون} (الأعراف: 165)، فلا سعادة لنا في دنيانا، ولا فوز لنا ولا نجاة في أخرانا، إلا إذا سرنا في طريق الإصلاح الذي تُقرُّه شريعتنا الغراء، لا أصحاب الأهواء، والعقول العرجاء، التي ترى الحق باطلاً والباطل حقاً، كمن يرون التكشف والعريَّ للنساء مدنيَّة وتقدماً، ويرون في المبادئ الضالة كالشيوعية وما شابهها حلاً لمشكلاتنا، وكأن ديننا عاجز عن حل قضايانا الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية. 3ــ والقانون الرباني الأهم والأخطر هو قوله تعالى: {إن الله لا يُصلح عمل المفسدين} (يونس: 81)، لذا فإن كثيراً من الاجتماعات والمؤتمرات التي يُدعى إليها كبار المسؤولين وأصحاب الشهادات العالية، لا تحل مشكلة ولا تحقق غاية، وخلاصة ما تصل إليه الوعود بالسين وسوف، ما دام أصحابها مُفسدين توعدهم الله بألا يُصلح أعمالهم، مهما بذلوا من جهد وضيَّعوا من أوقات. لذا فلا بد لعملية الإصلاح أن تصدر عن أهلها، وأن يسبقها أو يرافقها القضاء على الفساد الذي يمنعها، إذ لا يُعقل أن يذهب طبيب مختص إلى تخفيض حرارة مريض دون معرفة أسبابها ومعالجتها، فإنها عندئذ تزداد بعد أن تهدأ، وقد تقضي على مريضها، ما دامت أسبابها تعيث في الجسد فساداً. فإذا استقرت محاربة الفساد في الأمة، فإنها تحتاج إلى رجال أقوياء أشداء، خَبَرَتهم التجارب لهذه المهمة الشاقة. قال تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً} (الأحزاب: 23)، وقوله: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} (الحجرات: 29)، فإذا صاروا على الكفار رحماء، وفيما بينهم أشداء، عندها يعظم البلاء. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أو لياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين*فترى الذين في قلوبهم مرض يُسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرةٌ فعسى أن يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده فيُصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين} (المائدة: 51، 52). والشواهد من أبطال أمتنا على ذلك لا تكاد تحصى، فعثمان بن مظعون رضي الله عنه كان في جوار الوليد بن المغيرة، فلما رأى إخوانه يعذبون وهو آمنٌ دفعته أخوَّته الإيمانية أن يرد جوار الوليد ليلقى ما يلقون، فمر بمجلس ينشد فيه الشاعر لبيد: ألا كلُّ ما خلا اللهَ باطلُ * فقال صدقت. وكل نعيم لا محالة زائل. فقال: كذبت نعيم الآخرة لا يزول. فقام إليه رجل فلطم عينه فخَضِرها، وكان الوليد يراه فقال له: يا ابن أخي كانت عينك عما أصابها لغنيّةٌ، فقال عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وطلب منه أن يرجع إلى جواره فقال: إني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر. اللهم قوِّ عزائمنا، وأعطنا سؤلنا. أرجو تعليقاتكم لتعمَّ فائدتُها.
في المعوَّذتين استعاذة من الشيطان الرجيم، ومن الحاسد الحاقد اللئيم، ولست أدري أيهما أشد ضرراً على المسلمين. في عيون الأخبار: [قال معاوية رضي الله عنه: كل الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها. قال الشاعر: كل العداوة قد تُرجى إماتتُها * إلا عداوةَ مَن عاداك من حسد] ابن قتيبة: (ج2/ 13) وما ضر الحاسدين لو كانوا محبين لإخوانهم المتميزين، لينهضوا بأمتهم مجتمعين. لكن هيهات؟! في الحديث المتفق عليه: ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً)) (خ: رقم/ 6065، م: بر/ 23). وإذا كان من القواعد الثابتة أن التخلي قبل التحلي، بمعنى أن الثوب العفن الذي انتشرت رائحته الكريهة، لا ينفع تطييبه بأفخر العطور إلا بعد غسله وتنظيفه. لذا فإن كل النظريات المحلية، أو المستوردة التي خدعت العامة بأسمائها الجذابة لن تنفع في نهضة الأمة ما لم تتخلص من الفساد الذي فيها أولاً من كذب وغش ورشوة وسرقة ونفاق وحقد وحسد وغير ذلك. ولعل الحسد يقف في طليعتها كما قال السمرقندي: [ليس شيءٌ من الشر أضرَّ من الحسد] تنبيه الغافلين/ 85. لذا وجب على الدعاة والخطباء أن يولوه اهتمامهم كغيره من الأمراض المنتشرة في جسد الأمة، التي جثم على صدرها عصابات طائفية إجرامية بانقلاب عسكري في 8/3/ 1963م. ويكفي أن أطلعكم على موقف واحد من كثير من هذا الحسد الذي تقشعر منه الأبدان، وبخاصة حين تعلمون أنه يصدر من عِلية القوم الذين يقع عليهم الإصلاح. كنت أدرِّس في كلية التربية في المدينة المنورة لأمارس هوايتي التعليمية والتربوية والدعوية، وأثناء حديثي مرة مع رئيس القسم حفظه الله رأيت طالبين أمام الغرفة، حسبت أنهما يريدانه، فقال: إن مشكلتهما مع الدكتور فلان فقلت: ليش عندكم بصير مشكلات؟ فقال: كثير، فقلت عجيب أنكم لم تذكروا لي أي مشكلة رغم أني معكم من زمن بعيد، وأقسم لكم بالله أنه قال: أنت يا دكتور ممَّن جعل الله لهم القبول في الأرض، عندها أدركت سبب الحقد والحسد من بعض الدكاترة معي في قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية الذين يدرِّس بعضهم معي الدين وبعضهم العربية، أما أنا فلأني أحمل دكتوراه في الدعوة الإسلامية، وماجستير في اللغة العربية فكنت أدرّس حسب حاجة القسم، وإذا بدكتورين جليلين اتفقا معاً ليقولا لي: صحيح أنك واضع كتبك في مكتبة الكلية لبيعها؟ فقلت: نعم هي مكتبة لبيع الكتب، ما المشكلة؟ فقالا دونما حياء: بس أنت دكتور ممنوع، وهل سألت رئيس القسم؟ فقلت لا داعي لي بذلك، أنتما اسألاه، فلما سألاه قال لهما: الدكتور طباخ معليش يضع كتبه بس أنتما ممنوع. وزادت حقارة أحدهما حين تدخل بحسابي على أجرة الساعة 100ريال وكأنه مدير مالية الجامعة، فقال لازم يعطوك 50 ريال فقط على ماجستير العربي إذا درست عربي، فقلت له اطلب منهم ذلك، فكلم رئيس القسم بكل وقاحة، فقال له: قسمنا اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وقد تعاقدنا معه على دكتوراه الدعوة ب 100ريال للساعة ونحن نستفيد منه حسب حاجة القسم، فخرس ولم يجاوب، لكن بقي الحقد والحسد للتفتيش عن أي أذية، فلما وضع سكرتير القسم أسماء الدكاترة على كل درج يخصه ووضع أمام اسمي ألقاباً لم يكتبها لغيري اعترض دكتور ثالث على ذلك وكلمني وكأني أنا من كتبت اسمي، فقلت لا دخل لي بذلك، وبقي يلف ويدور حتى حذف من اسمي تلك الألقاب. فإذا كان هذا الصنف المتميز من الناس يحقد ويحسد بهذه الطريقة القذرة. فما بالكم بمن هم دون ذلك من العلم والثقافة والتفكير؟! فهل للأمة أن تنهض وفيها هذا الفساد العريض قبل أن تقضي عليه، وتتحرر من آثاره السلبية؟! هذا رأيي فما رأيكم؟.
سفينة نجاتنا أبحرت لتنقذنا من ظلمات الجهل والحقد والحسد، والعصبية والتبعية الغبية، تصارع الأمواج العاتية التي تريد إغراقها، فتصرعها، وتبقى شامخة في عَليائها، ملتمسة طريق هدايتها، من أنوار بدورها المتألقة في سمائها، بوحيٍ من قول ربها: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} (الإسراء: 9)، أي ليس هناك ما هو أقوم وأنفع من هديها، لكل من يريد لأمته أن تنهض وتحقق أهدافها. ولما لم يصعد إلى تلك السفينة المنجية إلا بضع مئات فقط، وكنت أرجو أن يكونوا ألوفاً مؤلفة كما كان حالهم إذا دعوا إلى حفلات لهو ولعب، ورقص وطرب. لذا أشفقت عليهم أن ينالهم الله بعذاب، لقوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (الفرقان: 63)، فعُدت بالسفينة ليركبوها بألوفهم، لتكون نجاتهم بقوانين آيات ربهم، من مثل:
1ــ {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} (الحديد: 16)
2ــ {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد: 24)
3ــ {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً} (النساء: 66)
4ــ {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} (آل عمران: 103)
5ــ {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} (الحجرات: 10)
6ــ {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} (الأنفال: 46)
7 ــ {إن الله لا يُصلح عمل المفسدين} (يونس: 81)
8 ــ {والذين يُؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً} (الأحزاب: 58)
9 ــ {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدوَّ الله وعدوكم}(الأنفال60)
10ــ{لتعلموا أن الله على كل شيءٍ قديرٌ وأن الله قد أحاط بكل شيءٍ علماً} (الطلاق: 12)
11ــ{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليُمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليُبدلنَّهم من بعد خوفهم أمناً} (النور: 55). أرجو مشاركاتكم وتعليقاتكم لتصل هذه البدور إلى كل غيور ولا تحبس في الصدور أو تدفن في القبور
لما كان الاعتراف بالحق فضيلة، فقد قال لي فضيلة شيخ قراء سورية الشيخ كريِّم راجح مدَّ الله في عمره بعافية، حين وصل سالماً إلى المدينة المنورة مهاجراً من دمشق، واستقبلناه وألقيت كلمة بتلك المناسبة قال لي: نحن ندفع ثمن صمتنا. فكانت عبارة صريحة من فضيلته، واعتذاراً عن التقصير في حق أمته، أي أننا لما قصرنا في بداية حكم العصابات الاجرامية عام 1963م وصلنا إلى ما وصلنا إليه. وإذا كان علينا اليوم أن نبني سورية الجديدة بعد تحريرها من العصابات الأسدية بمنظور جديد وآليات متطورة، فعلينا الحفاظ على ثوابتنا الدينية وقيمنا الوطنية، التي إن تخلينا عنها فلن نكون بخير، أي أن نُقيم أركانها على توضيح الرؤية وقول الحقيقة بعيداً عن الأحقاد الطائفية، والصراعات الحزبية، والنزاعات العنصرية، والتبعيَّة الغبيَّة، لنحقق أهدافنا بأفضل السبل وأقل التكاليف. وإذا كان صحيحاً أن ما كان منا من مواقف ناصحة وصريحة استدعاها واجب الوقت في بداية حكم تلك الأنظمة الطاغوتية لم يكن ليُغيِّرها، لكنه حفظ الأمة من الضياع، والانزلاق إلى الهاوية، وإن كلفنا ذلك أمننا واستقرارنا وأرزاقنا، إلا أنه أنضج ثمرة النصر والتحرير التي وعدنا الله إياها، بقوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليُمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً} (النور: 55). ومن تلك المواقف: 1ــ خرجت مع بعض زملائي في الثانوية الشرعية لفضح المفتري الذي ادعى نزول عيسى عليه السلام عليه وتوافدت إليه الحشود من كل مكان، وأدركت أنها خطة لأمر ما، فلما وصلنا إلى الشباك الذي يطل منه فإذ هو يمشي على عكازين، فقال له زميلي مصطفى رشيد رحمه الله والناس تسمع: ما عرف المسيح ينزل إلا عليك، ولو نزل صحيح لشفاك مما أنت فيه بإذن الله، وانسللنا من بين الجموع وأذّنت لصلاة المغرب، وصليت بالناس إماماً، وصار يلف أحدهم حولنا على الموتور بسرعة عجيبة، لمنع أي أحد من الاعتداء علينا، وتحدث الخطباء في المساجد عن الموضوع، فاستُدعي المفتري للأمن، ولدى التحقيق اعترف باللعبة وأنها لمنع تحويل الملهى المجاور إلى مسجد، وتحول الملهى بعدها إلى مسجد سماه الحلبيون فيما بلغني/ جامع الجكارة، ولله الحمد. 2ـ في معسكر الفتوة أوائل حكم البعث رغب عدد من طلاب الثانويات بإطلاق لحاهم، وكلموني في ذلك، فذهبت إلى القيادة وأخبرتهم، فقالوا ما المطلوب؟ قلت: إن فعلوا ذلك تفحصتم ذقونهم في الاجتماع الصباحي وعاقبتموهم، فقالوا إذن يتخلص الآخرون من العقوبة بهذه الذريعة، فقلت لهم: لا، أنا أعطيكم أسماء من سيطلقون لحاهم، وأقسم لكم بالله أن قائد المعسكر قال لأحد الضباط ادع إلى اجتماع عام ومعك محمود لتسجل أسماء من سيطلقون لحاهم حتى لا تتفحصوهم كغيرهم ولا تعاقبوهم، فلما انتهينا سألني الشيخ محمود الحامد حفظه الله وكان معنا عن هذا الموضوع المثير للشبهة، فلما أخبرته بالأمر لم يكد يصدق، فقلت غداً سترى ما اتفقنا عليه.
3ــ علقت اللوحة الأسبوعية الفنية عندنا في الثانوية، وكانت فتاة فاتنة، فقلت لزميلي بلغ المراقب المسلاتي أستاذ الرسم ألا ينصرف اليوم لأني أريد مقابلته، فلما قابلته قلت: هل تعلم لماذا قابلتك؟ قال: نعم من أجل الصورة، فوالله حين كلمته بتغييرها حاول إبقاءها لكنه قرر تغييرها لإصراري على ذلك، وانتهت فتنتها ولله الحمد. وصدق الله القائل: {ومن يُؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} 4ــ لما ذهبت لرأس العين مدرساً 1976م طلبوا مني أن أنظم المولد النبوي الشريف الذي يقيمه النظام في المحافظات السورية، فاعتذرت لما تعرفونه، فأصروا عليَّ، فقلت بشروط أني لا أتحدث عن النظام بكلمة وحديثي عن صاحب المناسبة ﷺ فقط، فقبلوا بشرط أن تكون للمفتي كلمة، فقلت هي في الختام فوافقوا، وأنا أقصد أنه لو خرج عن السيرة ننسحب، فكان الحفل على ما يرام، فلما قدمت المفتي قلت فيه مادحاً: إنه العالم الجليل الذي يقف مع الحق ولا ينافق، وو فإذا به يقرأ في كلمته ويحذف كل ما له علاقة بالنظام فكانت كلمة مفككة خلت من النفاق، فلما انتهينا عاتبه أزلام النظام، فقال والله الشيخ وضع لي لجاماً في فمي، منعني من أن أتكلم بغير السيرة النبوية، وودعني الناس إلى بيتي فلما سألتهم عن السبب قالوا خفنا عليك ألا تصل إلى بيتك لأننا ما عهدنا مولداً في عمرنا كذلك، ولله الحمد. فما رأيكم في هذا التصريح وعدمه؟
بحلول عام 1448هـ أسأله سبحانه أن يجعله عام خير ويُمن وبركة على أمتنا، وأسأل المعز المذل جل جلاله وغداً يوم عاشوراء أن يعيننا على صيامه، ويعزنا وينصرنا على من عادانا، كما نصر موسى عليه السلام وقومه على فرعون وآله، وأن يذل من طمِع في أراضينا وخيراتنا، كما أذل فرعون ومن آزره فأغرقهم جميعاً. وبحلول هذا العام أكون قد بلغت الخامسة والثمانين من عمري، وأحمد ربي وأشكره أن شغلني واستعملني بالدعوة إليه أفضل القربات، لقوله تعالى: {ومَن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} (فُصِّلت: 33)، لكنها لن تكون إلا بتضحيات ترفع الدرجات، لأن أغلب حكام الدول الضعيفة ينفذون أوامر أسيادهم الذين وضعوهم وإلا خلعوهم، لكن لا بد للدعوة حتى تحقق أهدافها من أن يقوم بها متخصصون وسطيّون معتدلون بعيدون عن التنطع والغلو في الدين وعن التعصب البغيض لحزب أو جماعة، ويعرفون حاجة من يدعونهم فيُلبونها، لا كما خطب أحدهم الجمعة عن فضل السواك والأمة تذبح من الوريد إلى الوريد. قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل: 125)، وفي صحيح مسلم قوله ﷺ: ((هلك المتنطعون قالها ثلاثاً)). (علم/ 7)، جاء في شرحه للنووي: [أي المتعمِّقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم] (ج16/ 220)، فإذا قوبل الحوار الهادئ بالتكبر، فالخط الساخن لمن يملكه ويقدرعليه أرجى للرد المناسب، فحين قال فرعون لموسى عليه السلام: {إني لأظنك يا موسى مسحوراً} (الإسراء: 101) أجابه موسى بما يناسبه، فقال: {وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً} (الإسراء: 102). وما أشد ألمنا إذا سمعنا قول زعيم الحزب الشيوعي السوري خالد بكداش: لو كانت لنا هذه المنابر لجعلنا سورية كلها شيوعية! فأين نحن من هذا؟! والذي يهم السوريين بعد التحرير أن يعلموا أن سورية تناديهم بشوق وحرقة، لينهضوا بها لمن ظروفه وصحته تسمح. ولقد فعلت ذلك حين كانت سني أقل، وصحتي أفضل، حين اضطررت لمغادرة بلدي في حكم البعث الطائفي الذي حكم بانقلاب عسكري منذ 8/3/ 1963م، وهددني بتذويبي بالأسيد، ومنعني من استمرار عقدي مع ثانوية المعهد العربي الإسلامي الأهلية في حلب، مما اضطرني إلى تعاقد شخصي مع السعودية من بيروت، ولما تبدلت الحال نوعاً ما، بحركة حافظ الأسد التصحيحية / 1970م، رجعت ولم أتأخر، ولم يمض لي سوى سنتين فقط من عقدي لأسهم في بناء بلدي ونهضته. أقول ذلك ليعلم الجميع أن معركتنا مع الظلم والطغيان كانت من زمن بعيد، منذ حكم البعث الطائفي، الذي هددني بتذويبي بالأسيد، بل ومن قبله في عهد الحكم الناصري/ 1958م الذي دعيت إلى مخابراته وأنا في الثاني متوسط لموضوعٍ كتبته في المجلة التي أنشأتها باسم فصلي، وهددني المحقق بقطع لساني إن عدت لذلك، وغير هذا كثير جاهدت به أمتنا للخلاص من الطغاة المستبدين، فكان جهاداً تراكمياً أفرز بحمد الله ذلك التحرير في 8/12/ 2024م. بعد أن نضجت ثمرته، وتهيأت أسبابه. نعم لقد عدت إلى بلدي، والتحقت بالخدمة العسكرية متأخراً في/ 1974م على أنها آخر دورة للضباط الجامعيين النظريين، لكن لما كان يغلب على الدورة التدين واللحى خرجونا رقباء أولين، وخرجوا الدورة بعدنا ضباطاً، لأننا لم نكن أغبياء، ولم تكن طاعتنا عمياء. فمثلاً كانت المطالعة الإجبارية تذهب صلاة العصر فلما طلبت الإذن بالخروج قالوا ممنوع، فوقفت في فراغ الغرفة وأقمت الصلاة وصليت واقتدى بي بعضهم، وخرس المانعون. ولما فرزت بعد الدورة إلى سرايا الحراسة في مطار الضمير تابعت وأمثالي كثير الدعوة إلى الله وأكرمني الله بثقة الرائد المسؤول المباشر عني حتى قيل: محمود سحر الرائد، فكنت لا أحضر الاجتماع الصباحي الذي يُردَّد فيه شعار البعث وأهدافه في حرية كاذبة، وفتحت المسجد الذي أمر حافظ الأسد بإغلاقه حين كان قائداً للمطار، وذلك بعد حوالي 12 سنة من إغلاقه أي فتحته أثناء حكمه رئيساً، وأقمت فيه الصلوات الخمس، وكنت أخطب الجمعة حين أكون مناوباً. فهل سيخذل الله أمة هذا جهادها، وذاقت ما لا يتصوره أحد من البلاء، وكان لها عدد لا يحصى من الشهداء؟! فجزى الله خيراً كل من كانت له بصمة في هذا التحرير، والويل لمن ادَّعاه كذباً وكأنه فاعلُه، مع أننا لم نسمع له كلمة تخص التحرير، بل لعله قاطع وخاصم من تكلم بهذه اللغة، وقال: من يتكلم بهذه اللغة فلا يحضر مجالسنا. أرجو تعليقاتكم لأستفيد من آرائكم. جزاكم الله خيراً.
Click here to claim your Sponsored Listing.