18/08/2026
هناك من يقول إن توليد الصور والفيديوهات بواسطة الذكاء الاصطناعي حرام لأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق وحده، وأن الإنسان أو الآلة لا يمكن أن يخلقا شيئًا. وهذه الفكرة تحتاج إلى شيء من التفصيل حتى لا تختلط علينا معاني الكلمات.
أولًا، لا خلاف في أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق على الحقيقة، وأن الخلق بمعنى الإيجاد من العدم وإخراج الأشياء إلى الوجود ليس من قدرة البشر ولا من قدرة أي آلة أو برنامج. قال الله تعالى: «اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» وقال سبحانه: «هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ». فالإنسان مهما بلغ علمه وتطورت تقنياته لا يستطيع أن يخلق شيئًا من العدم، ولا يستطيع أن يمنح مادة أو روحًا أو حياة من عند نفسه، وإنما يعمل بما خلقه الله أصلًا من مواد وقوانين وعقول وقدرات.
والذكاء الاصطناعي لا يخرج عن هذا الأمر إطلاقًا. عندما نقول إن الذكاء الاصطناعي «يولد صورة» أو «ينشئ فيديو» فهذه عبارات تقنية يقصد بها أنه يقوم بمعالجة المعلومات والأنماط الموجودة لديه ثم ينتج مخرجات جديدة بناءً على البرمجة والبيانات التي تعلم منها. هو لا يخلق مادة من العدم، ولا يملك إرادة مستقلة، ولا يملك قدرة ذاتية على الإيجاد الحقيقي، وإنما هو أداة صنعها الإنسان، والإنسان نفسه مخلوق لله سبحانه وتعالى.
فمثلًا عندما يكتب شخص وصفًا لشخصية معينة، ثم يقوم البرنامج بإنتاج صورة لها، فالبرنامج لم يخلق إنسانًا حقيقيًا من العدم، ولم يخلق روحًا، ولم يوجد مادة جديدة من لا شيء. هو فقط عالج بيانات وأشكالًا وأنماطًا وحسابات ثم كوّن مخرَجًا رقميًا يظهر لنا على الشاشة. وحتى هذا النظام نفسه لم يوجد من العدم، بل صنعه الإنسان باستخدام أجهزة ومواد وقوانين رياضية وفيزيائية وقدرات عقلية وعلمية كلها داخلة في خلق الله سبحانه وتعالى.
وهنا يجب أن نفرق بين معنى «الخلق» الذي يختص بالله سبحانه وتعالى، وبين كلمات مثل «صنع» و«أنشأ» و«ولّد» و«ركّب» التي تستعمل في اللغة لوصف عمل الإنسان أو الآلة. فالإنسان يقول مثلًا إنه صنع بيتًا أو صنع سيارة أو صمم صورة، ولا يعني ذلك أنه أوجد مواد البيت أو السيارة أو الصورة من العدم. هو فقط جمع أشياء موجودة أصلًا ورتبها بطريقة جديدة. وكذلك الذكاء الاصطناعي لا يفعل أكثر من معالجة وتركيب وتحويل معلومات ومدخلات موجودة أصلًا إلى نتيجة جديدة.
بل إن كلمة «توليد» في المجال التقني لا تعني الخلق الإلهي. عندما نقول «توليد صورة بالذكاء الاصطناعي» فنحن نتحدث عن عملية حسابية تقوم فيها الخوارزمية بتحويل المدخلات إلى مخرجات وفق نماذج رياضية تعلمتها. وهذا شبيه من حيث أصل الفكرة بأدوات كثيرة يستعملها الإنسان لصناعة أشياء جديدة من مواد موجودة. الجديد هنا هو طريقة المعالجة والتقنية المستخدمة، وليس أن الآلة أصبحت خالقًا مستقلًا.
والأهم من ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يملك قدرة مستقلة عن الله سبحانه وتعالى. فهو لا يعمل إلا بوجود أجهزة صنعها البشر، وكهرباء وموارد وقوانين فيزيائية، وبرمجيات وبيانات، وكل هذه الأشياء لم توجد من العدم بقدرة الذكاء الاصطناعي. بل حتى الإنسان الذي صنع الذكاء الاصطناعي لم يخلق نفسه ولا عقله ولا القوانين التي يعمل بها الكون. قال الله تعالى: «وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ».
لذلك فإن مجرد استعمال عبارة «الذكاء الاصطناعي خلق صورة» لا ينبغي أن يجعلنا نعتقد أن المقصود هو الخلق بمعناه الذي يختص بالله سبحانه وتعالى. الأفضل والأدق أن نقول إن الذكاء الاصطناعي «ولّد» صورة أو «أنشأ» مخرجًا رقميًا أو «ركّب» عناصر معينة، لأن هذا أقرب إلى المقصود التقني ولا يحمل معنى الخلق من العدم.
أما مسألة هل كل صورة أو فيديو ينتجه الذكاء الاصطناعي حرام أم حلال، فهذه مسألة أخرى لا تُحسم بمجرد القول إن الذكاء الاصطناعي «يخلق». الحكم يتعلق أيضًا بالمحتوى نفسه وبطريقة استعماله والغاية منه. فإذا استُعملت التقنية في الكذب والتدليس وانتحال شخصيات الناس أو نشر الفاحشة أو الاعتداء على حقوق الآخرين أو غير ذلك من المحرمات، فالإشكال يأتي من هذا الاستعمال. أما مجرد كون الصورة أو الفيديو قد صُنعا بواسطة برنامج يعتمد على الذكاء الاصطناعي فلا يعني تلقائيًا أن البرنامج أصبح خالقًا أو أن كل استعمال له صار حرامًا.
وفي النهاية، العقيدة واضحة: الله سبحانه وتعالى هو الخالق وحده، ولا يوجد شيء يخلق من العدم استقلالًا عن الله. أما الإنسان والآلة والذكاء الاصطناعي فكلهم داخلون في عالم الأسباب والأدوات التي أوجدها الله. الإنسان يصنع، والآلة تعالج، والبرنامج يحسب، والذكاء الاصطناعي يولّد مخرجات رقمية، لكن لا واحد من هذه الأشياء يخلق من العدم كما يخلق الله سبحانه وتعالى.
ولهذا ينبغي أن ننتبه إلى الفرق بين المصطلحات التقنية وبين المعاني العقدية. عندما يقول أحدهم «الذكاء الاصطناعي يولد صورة» فهذا لا يعني أنه ينسب إلى الذكاء الاصطناعي صفة الخالق، وإنما يصف عملية تقنية بلغة متداولة. أما الخلق الحقيقي، والإيجاد من العدم، والإيجاد المستقل الذي لا يعتمد على شيء، فهذا لله سبحانه وتعالى وحده، ولا يقدر عليه إنسان ولا آلة ولا ذكاء اصطناعي