19/09/2026
نعيش على وقع الأيام الحاسمة التي تسبق محطة الانتخابات التشريعية، حيث يتكشف المشهد الانتخابي بكل تناقضاته وصدماته الواقعية، مبتعداً رويداً رويداً عن الشعارات البرامجية الرنانة ليغرق في مستنقع البراغماتية الفجة ومنطق المصالح الضيقة.
أفول الأيديولوجيات وبراغماتية المصالح
لم يعد للحدود الوهمية بين اليسار واليمين أي صدى حقيقي في الميدان. لقد تلاشت تلك الثنائيات الكلاسيكية لتفسح المجال أمام أحزاب لا هي يمين ولا هي يسار، بل هي أحزاب مصالح خالصة تقايض أصوات الناخبين بمواقع النفوذ ومراكز القرار. فالتنظيمات السياسية بمختلف مشاربها باتت تتطابق في جوهرها النفعي، مستعينة بأعيان المال والجاه لجلب الأصوات، ومختزلة السياسية في تنافس محموم حول الغنيمة الانتخابية بعيداً عن أي همّ مجتمعي حقيقي.
"الفقراشية" وموسمية الاستغلال السياسي
تتجلى هذه البراغماتية بأقبح صورها في ظاهرة "الفقراشية"، حيث تتحول الاستحقاقات الانتخابية إلى موسم استثنائي يستبيح فيه المرشحون ضعف المواطنين وبساطتهم. وفي غياب برامج حقيقية تنتشله من قاع التهميش، يجد الفقير نفسه مستهدفاً بأساليب الاستغلال السطحي، حيث تُستغل حاجته المادية والمعنوية وتُباع له الوهم بأبخس الثمن، في مفارقة صارخة لكرامة الإنسان التي تُنتقص على أعتاب صناديق الاقتراع مقابل وعود زائفة لا تلبث أن تتبخر بمجرد إعلان النتائج.
حملات "الدق ومزمار" وحافلات التهميش
تتخذ الحملات الانتخابية أشكالاً كرنفالية فلكلورية تُعرف بـ"الدق ومزمار"، حيث تعج الشوارع بالأهازيج الصاخبة والولائم العابرة التي تُغيب النقاش العقلاني الجاد. وفي المشهد ذاته، تبرز حافلات ووسائل نقل رديئة تأتي بمواطنين يعيشون في أتون التهميش والإقصاء الاجتماعي من هوامش المدن والقرى النائية، ليتم شحنهم بالجملة نحو التجمعات الخطابية والمهرجانات الحزبية. هؤلاء المستغلون يُستحضرون فقط كديكور بشري وحطب لإشعال حماسة الحظائر الانتخابية، ليُعادوا فور انتهاء الاستعراض إلى عزلتهم ونسيانهم، وكأن أصواتهم ليست سوى أرقام في بورصة المقاعد.
تلويث الأزقة وتدمير المجال العمومي
أما الفضاء العام، فيدفع بدوره ضريبة فادحة لهذا العبث الانتخابي؛ إذ تحولت شوارعنا وأزقتنا في الأيام الأخيرة إلى مكبات مفتوحة لرمي المלקات والقصاصات الورقية الدعائية. إن المشهد البصري الملوث بالأوراق المتناثرة في كل مكان يعكس بالملموس الاستخفاف المطلق بالبيئة وبقواعد النظافة الحضرية. إنه تلويث مقصود يترجم بالمجان مدى استهتار هذه الأحزاب بالمواطن وبمدينته، حيث لا يهمها إن باتت الشوارع مزبلة مفتوحة طالما أن صور المرشحين تتصدر الواجهات وتملأ