14/10/2025
معاد الشرادي… الفتى الذي مرّ من هنا فخلّد الحضور بغيابه
في كل صرح علمي عريق، يمر أناس كأنهم أطياف؛ يأتون ويغادرون دون أن تذكرهم الذاكرة إلا كأسماء على لائحة أو رقم في كشف من كشوف النقط. لكن بين هؤلاء، يولد أحيانًا استثناء، شخص لا يمر مرور العابرين، بل كالنور حين يدخل بيتًا مظلمًا، لا يترك زاوية إلا أضاءها. هكذا كان معاد الشرادي، الطالب الذي عرفت المدرسة العليا للأساتذة بمكناس وجهه قبل أن تعرف اسمه، وذكاءه قبل أن تسأله عن شُعبته.
كان، منذ بواكير أيامه في تلك الربوع العلمية، كالنهر يجري ولا يُسأل من أين يأتي بالماء. كل من قصده في حاجة أو استفسار وجد عنده صدرًا رحبًا، وذهنًا متقدًا، ولسانًا صادقًا، وأدبًا لا يُرى مثله إلا في من تربّى على الحياء والخلق. لم يكن من أولئك الذين يكتفون بأن يطلبوا لأنفسهم، بل كان يطلب لغيره، ويسعى للجميع كأنه مسؤول عن راحة الجماعة. فإن رأى زميلًا متعثّرًا في معلومة، بادره بالعون، وإن لمح طالبة تتردد على المكاتب حائرة في الإجراءات، رافقها بخطى الواثق حتى تبلغ مبتغاها.
كان في معاد شيء من طبائع العلماء الأولين، أولئك الذين جمعوا بين العلم والتواضع، وبين الفهم والعمل. لم يكن يرى العلم زينة يتجمّل بها في المجالس، بل عبادة يُتقرب بها إلى الله، وحقًّا يُبلّغ إلى من يطلبه. ولذلك أحبّه الجميع: الطلبة، والأساتذة، وحتى أولئك الذين يمرّون في الظل كعاملات النظافة وحراس الأمن. كان يسلم على الجميع بنفس الابتسامة ونفس الاحترام، كأن قلبه لا يعرف مقامات الناس ولا يزنهم إلا بميزان الإنسانية.
كان الشرادي صورة للمروءة في زمن ندر فيه النبل. ما جلس في ركن إلا التفّ حوله الزملاء، لا لأنه يحبّ الظهور، بل لأنّ هدوءه كان دعوة إلى الطمأنينة، وحديثه كان نورًا لا يُملّ. يحدّثك فتشعر أنّ اللغة تُطاوِعه كما تطاوع القيثارة أصابع العازف الماهر؛ كأنّ الكلمات تفرح إذا نطقها، لأنها تعلم أنها ستُقال في موضعها.
ولئن كان من عادة الطلبة أن تختلف أذواقهم وميولهم، فإنهم اتفقوا جميعًا على حبّ هذا الشاب. ففي كل ركن من أركان المدرسة العليا، من المدرجات إلى الممرّات، ومن مقصف الطلبة إلى قاعة الأساتذة، ظلّ اسم معاد الشرادي يُذكر بخير. لم يكن محبوبًا لأنه تودّد إلى الناس، بل لأنّ صدقه كان يفرض نفسه بلا تصنّع. كان، كما يقال، محبوبًا على فطرته، لأن طيبته كانت صافية لا تشوبها مصلحة، وبذله لا يتبعه منّ ولا انتظار شكر.
حتى الإدارة – وهي التي قلّما تميل إلى الأفراد – كانت ترى فيه الطالب الذي يشرّف المؤسسة بحضوره وأخلاقه. وأما عمّال النظافة وحراس الأمن، فكانوا يذكرونه كابن من أبنائهم؛ لا يمرّ بهم دون تحية، ولا يرى تعبهم دون كلمة مواساة أو ابتسامة تعيد إليهم اعتبارهم الإنساني الذي ينساه كثيرون.
ثم كانت السنة المنصرمة، سنة الوداع. تخرّج معاد الشرادي كما يتخرّج الضوء من فجوة الصبح، يحمل في يده شهادة، وفي قلبه حنين، وفي أعين زملائه دموع خفية لا يريدون أن تُرى. غادر المؤسسة، لكن صدى خطواته ظلّ يرنّ في الممرات، وصوته في قلوب الذين عرفوه. كانت المدرسة العليا يوم رحيله أشبه ببيت أُطفئ فيه مصباح كان يؤنس الجدران.
ورغم أنه مضى إلى مساره المهني، فإن اسمه ما يزال يتردد في الألسن: “ذاك معاد، الرجل الذي لم يبخل يومًا بمعلومة، ولا غاب يومًا عن حاجة لأحد.” وكان يقول أحد زملائه: “إذا ذُكر الكرم في العلم، فاذكروا الشرادي.” واليوم، حين يُستعاد اسمه في الأحاديث، يشعر الجميع بشيء من الفخر، وكأنهم شاركوا في صناعة تلك السيرة البيضاء. لقد صار نموذجًا يُحتذى به للطلبة الجدد، يروون سيرته كما تُروى حكايات الرجال الذين تركوا الأثر الجميل. فليس المجد أن تملأ الدنيا ضجيجًا، بل أن تترك بعدك صمتًا ناطقًا بحسن فعلك.
لقد كان معاد الشرادي من أولئك الذين يثبتون أن الجامعة ليست فقط مكانًا لتلقّي الدروس، بل فضاء لتربية الروح والعقل معًا، وأنّ قيمة الإنسان لا تُقاس بما يحفظه من كتب، بل بما يمنحه من قلب.
صفوة القول، لا يسعني إلا أن أقول سلام على معاد الشرادي، يوم دخل المدرسة العليا فأنارها بخلقه، ويوم خرج منها فترك فيها عبق حضوره، ويوم يُذكر اسمه فتتفتح في الذاكرة كل معاني الوفاء. فمن الناس من يمرّ مرور الغيم العابر، ومنهم من يمطر على الأرض الطيبة، ومعاد الشرادي من هؤلاء الذين إذا غابوا ظلّوا حاضرين، لأنهم أعطوا دون أن ينتظروا المقابل، وأحبّوا الناس حبًا صادقًا لا يُنسى.
✍️المهدي سهران
11/10/2025
05/10/2025
30/09/2025
28/09/2025
20/09/2025
11/09/2025