تُعَد الحرية من أكثر وأعظم النعم التي امتنَّ الله بها على الإنسان، وقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق ومن أسر الشهوات والأهواء إلى رحاب الطاعة والكرامة وهذا هو ديننا الذي نعتز به.
إلا أن مفهوم الحرية في الإسلام يختلف عن بعض التصورات المعاصرة (الليبرالية العلمانية وغيرها من المسميات) التي تجعل الحرية مطلقة لا ضابط لها ولا حدود، مما أدى إلى ظهور فهم خاطئ لمفهوم الحريات لدى بعض التيارات العلمانية التي تنظر إلى الحرية باعتبارها حقاً فردياً مطلقاً لا يخضع لأي مرجعية دينية أو أخلاقية بل هي مطلقة كما يزعمون بل يتجاوز الأمر إلى الانتقائية كما سأوضح لاحقا.
وللأسف يرى بعض أصحاب الفكر العلماني أن الحرية تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء دون مرجعية دينية أو أخلاقية، وأن يكون الفرد هو المرجع الأعلى لأفعاله ورغباته. وينتج عن هذا التصور عدة إشكالات:
- تحويل الحرية إلى فوضى أخلاقية واجتماعية.
- تبرير السلوكيات المنحرفة تحت شعار الحرية الشخصية.
- إقصاء الدين عن الحياة العامة وحصره في الجانب الفردي فقط.
- ازدواجية المعايير كنا أسلفت إذ تُمنع بعض الآراء المخالفة للتوجهات السائدة بينما يُرفع شعار الحرية في قضايا أخرى.
والواقع أن الحرية المطلقة غير موجودة في أي مجتمع في العالم؛ فكل الأنظمة القانونية تضع قيوداً على حرية الأفراد لحماية الأمن والأخلاق والنظام العام.
لذلك اخواني جاء الإسلام بفضل الله ومنته علينا بمنهج متوازن يجمع بين الحرية والمسؤولية، فلا يُلغِي شخصية الفرد ولا يطلق له العنان دون ضابط. فالحرية في الإسلام حق أصيل مكفول ، لكنها ليست مطلقة، بل مقيدة بشرع الله ومصلحة الإنسان والمجتمع. ومن هنا يتبين الفرق بين الحرية المنضبطة التي تحقق الكرامة الإنسانية، وبين الحرية المنفلتة التي قد تتحول إلى فوضى تهدد القيم والأخلاق واستقرار المجتمعات.
وفي النهاية أنصحكم بقراءة كتاب الدولة الإسلامية الحديثة للدكتور علي الصلابي وهو يتكلم عن بعض القضايا الفكرية الهامة في التعامل مع هذه القضايا.
أخوكم محمد عبد اللطيف مرتضى
ابو البراء
شعاع فكر
"شعاع فكر" صفحة تربوية دعوية تُضيء دروب الوعي، وتزرع في العقول قيماً وفي القلوب نوراً. نكتب لنوقظ.
من يتأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أن طريق النصر لم يكن مفروشا بالراحة أبدا.
فقد بدأ بعام الحزن، حين فقد أقرب الناس إلى قلبه، خديجة رضي الله عنها وعمه أبا طالب، واجتمع عليه الألم والوحدة والخذلان، حتى ظن كثيرون أن الدعوة قد انكسرت، لكن الله يقول:
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم
ثم لم يكن بعد الحزن استسلام، بل كانت الهجرة، خروجا من مكة تحت التهديد والمطاردة، لا فرارا بل بحثا عن أفق جديد وبناء مرحلة جديدة، وفي أحلك اللحظات قال الله لنبيه:
إلا تنصروه فقد نصره الله
ثم جاءت الحديبية، صلح بدا في ظاهره ضعفا وتنازلا، وتألم له الصحابة، لكنه كان في ميزان السماء فتحا حقيقيا، حتى قال الله تعالى:
إنا فتحنا لك فتحا مبينا
وبعد الصبر وطول النفس جاء فتح مكة، نصر ثابت بلا انتقام، وتمكين مليء بالعفو والرحمة.
وما يجري في غزة اليوم ليس بعيدا عن هذه السنن. عام حزن طويل، دماء وحصار وخذلان، لكن الطريق الذي سار فيه النبي هو نفسه الطريق الذي تسير فيه غزة اليوم. فبعد الحزن أفق، وبعد الصبر فتح، وبعد الطوفان فجر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب
هذه دروس لا تُقرأ في الكتب فقط، بل تُعاش في الميدان، وتثبت أن الحق قد يتأخر لكنه لا يضيع، وأن وعد الله لا يخلف.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون
أبو البراء
1 / 1 / 2026 م
21 جمادى الآخرة 1447 هـ
الإخلاص… سرُّ الشهادة، وسرُّ القيادة
حين ترتقي الأرواح إلى الله، لا تُقاس المنازل بالأسماء ولا بالمناصب، بل تُوزن بالقلوب وما استقرّ فيها من إخلاص. وفي زمنٍ تكاثرت فيه الضوضاء وقلّ فيه الصادقون، يبرز استشهاد القادة، وعلى رأسهم أبو عبيدة ورفاقه من قادة المقاومة، ليعيد للأمة درسًا عظيمًا في التربية الإيمانية: أن الإخلاص هو الذي يصنع الرجال، ويخلّد الأثر، ويمنح الدم معناه.
لقد جمع الله بين القادة والشهداء على مائدة واحدة مائدة النية الصادقة، فلم يكونوا طلاب مجدٍ شخصي، ولا عشّاق ظهور، بل عبادًا عرفوا طريقهم إلى الله، فاختاروا أن يكونوا جنودًا في سبيله، قال تعالى قُل إِن صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَب الْعَالَمِينَ .
تربية لا تُنتج أفرادًا… بل أمة
لم يكن أبو عبيدة ومن سبقه ومن لحقه نتاج لحظة غضب أو ردّة فعل عاطفية، بل ثمرة تربية إيمانية طويلة، غرست في النفوس أن العمل لله لا يحتاج إلى توقيع، وأن الطريق إلى الشهادة يبدأ من صدق السريرة قبل صدق السلاح. إنها تربية تُعلِّم أن القائد الحقيقي هو من يذوب في قضيته حتى لا يُرى، فإذا استُشهد عُرف، وإذا عاش بقي متواريًا خلف الهدف.
وهنا يتجلى قول الله تعالى:
في الآية التي نحفظها ونرددها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَال صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا .
فالصدق هنا ليس في القول فحسب، بل في الثبات، وفي الاستمرار، وفي البذل حتى آخر قطرة.
لذلك نجد أن الإخلاص هو السر الذي حيّر الأعداء، وأربك الحسابات، لأن من يعمل لله لا تهزمه الخسائر، ولا تكسره التضحيات. ومن هنا نفهم لماذا كان الشهداء قادةً وجنودًا متشابهين في الروح، مختلفين في المواقع، لكنهم جميعًا التقوا في المعنى.
يقول أحمد الراشد في معنى التربية الصادقة :
إن صناعة الرجال لا تقوم على الحماسة العابرة، بل على بناء الإيمان العميق الذي يجعل صاحبه ثابتًا عند المحنة، صادقًا عند الابتلاء.
وهذا ما رأيناه جليًا في مسيرة القادة الشهداء، إيمان يسبق التخطيط، وتزكية نفس تسبق المواجهة.
الشهادة ليست موتًا… بل اصطفاء
ومن أروع ما قال الشهيد سيد قطب تقبله الله وهي قولته المشهورة :
إن الذين يعيشون لذواتهم يموتون وهم أحياء، أما الذين يعيشون لله فإنهم يحيون وإن ماتوا.
وهكذا نفهم الشهادة لا بوصفها نهاية، بل ذروة الاصطفاء، حيث يختار الله من عباده من يوقّع بدمه على صدق انتمائه، ولنقرأ معًا قول الله تعالى وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
ومن هنا علينا أن نعي جميعًا أن دماء القادة والشهداء لا تطالبنا بالبكاء، بل تطالبنا بإعادة لبناء الإنسان
إنسانٍ يعرف لماذا يعيش، ولمن يعمل، وكيف يضحي.
تطالبنا بتربية جيلٍ لا يبحث عن الأضواء، بل عن رضا الله، جيلٍ إذا غاب لم يُنسَ، وإذا استُشهد لم يمت.
نعم رحل أبو عبيدة والقادة، لكنهم تركوا للأمة منهجًا لا يُدفن بل يعلم ويزرع في قلوب الأمة
منهج الإخلاص، ومنهج التربية، ومنهج الثبات.
وستبقى دماؤهم شاهدة أن هذه الأمة، ما دامت تُنجب المخلصين، فلن تموت، وصدق ربي حين قال :
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
أبو البراء /محمد عبد اللطيف مرتضى
29-12-2025م
#رحيل #القادة #رحيل #الملثم
شيطنة الآخر
في زمن تتسارع فيه المواقف وتكثر فيه المنابر المفتوحة، أصبحت شيطنة الآخر ظاهرة حاضرة في حياتنا اليومية. كلمة تُفسر على غير وجهها، أو تصرف يُفهم بنية لم يقصدها صاحبها، فتتولد فجوة واسعة بين الناس، ويتحول الخلاف الطبيعي إلى خصومة غير مبررة. وقد نبّه القرآن إلى خطورة هذا المسار بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن، لأن سوء الظن هو المدخل الأول لتمزيق الروابط.
وفي واقع المدارس والمؤسسات والأحياء، نرى كيف تنتشر روايات غير دقيقة، وكيف يُحكم على الأشخاص بناء على انطباع عابر أو كلمة منقوصة. وهكذا تتسع دائرة التوتر، ويُصاب المجتمع بحالة من الشك المتبادل، بينما يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن نكون عباد الله إخوانا، وأن نحفظ للناس قدرهم وكرامتهم.
إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ بالتمهل قبل إصدار الأحكام، وبسؤال النفس: هل نبحث عن الحقيقة أم عن الانتصار لرأي مسبق؟ وهل نرى الإنسان بأخطائه وفضائله معا، أم نكتفي بصورة مشوهة صنعها الغضب أو الإشاعة؟ إن العدل في النظر إلى الآخرين ليس فضيلة اجتماعية فحسب، بل عبادة نتقرب بها إلى الله، وحماية لوحدة المجتمع من التصدع والخصومة.
كلنا سننزل إلى القبر
كلنا سننزل إلى القبر، لا أحد مستثنى، لا مال يمنع، ولا جاه يشفع، ولا كبر يرفع.
فلماذا الكذب؟ ولماذا تحريف الكلام؟ ولماذا الزيف؟
أتكذب لتنجو؟ والله يقول:
يوم تبلى السرائر
يوم تُكشف الخفايا، ويُفضح المستور، وتشهد الألسن والجوارح بما اقترفت.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار
احذر أن تزين الباطل بلسانك، أو تلوّن الحقيقة لتخدع الناس، فرب كلمة تغضب الله وتلقي بصاحبها في جهنم.
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد
ستُوضع وحدك في لحدٍ ضيق، لن ينفعك فيه زيف ولا كذب، ولا ينقذك إلا صدقك مع الله.
فاصدق قبل أن يقال: دُفن وانقضى، وبقي عمله يحاسَب عليه.
أخوكم ابو البراء
محمد عبد اللطيف مرتضى
رسالة للمربين والمرببات
اخواني وأخواتي ليست التربية مهنةً تُزاوَل بقدر ما هي رسالةٌ تُحمَل، وليست عملًا إداريًا أو روتينيًا يُنجَز في يومٍ دراسي وينتهي، بل هي زراعة قيمةٍ في قلبٍ بشريٍّ صغير، وسقيها بالصبر والموقف والقدوة، حتى تنبت سلوكًا قويمًا وشخصيةً راشدة.
إن مهمة المربي أشبه بمن يغرس في أرضٍ لا تُرى ثمارها فورًا، لكنه مؤمن أن كل بذرةٍ صالحة سيُقدّر الله لها يومًا أن تُزهر. فالتربية ليست أن تملأ عقول الطلبة بالمعلومات، بل أن تُوقِد في أرواحهم نورَ القيم، وتحوّل تلك القيم إلى سلوكٍ عمليٍّ واقعي يعبّر عن المعنى الحقيقي للعلم والإيمان والإنسانية.
المربي الحقيقي لا يقف عند حدود "أن يُدرّس"، بل يسأل نفسه دائمًا:
ماذا تركتُ في نفوسهم بعد أن غادرتُ الصف؟
فليست التربية أن تشتغل بها فقط، بل أن تُحدِث أثرًا يبقى بعدك. الأثر هو المعيار الحقيقي للعمل التربوي، وهو ما يُخلِّد اسم المربي في ضمائر طلابه، قبل أن يُخلّد في ذاكرة المدرسة أو سجلاتها.
ومَن سلك طريق التربية، فقد اختار طريقًا شريفًا لكنه شاقّ، طريقًا لا يُقدَّر بالراتب ولا بالجدول، بل بمقدار ما يُحدِثه من تغيير في النفوس. وهي مهمة تحتاج إلى توفيقٍ من الله قبل كل شيء، فالتوفيق هو سر النجاح في غرس القيم، لأن القلوب لا تُفتح بالمناهج، بل تُفتح بصدق النية وصفاء القلب.
فيا أيها المربّي، اعلم أن عملك عبادةٌ وسعيٌ في طريق الأنبياء، وأنك مأجور على كل جهدٍ تبذله، ومحاسَب على كل تقصيرٍ فيه، فطريق التربية أجرٌ وتكليف في آنٍ واحد.
وفي النهاية، تذكّر أن التربية ليست ما تفعله في لحظة، بل ما تتركه بعد رحيلك من أثر، فازرع في كل طالبٍ حبَّ الخير، وفي كل موقفٍ قيمة، وفي كل يومٍ بصمة، فربّ كلمةٍ منك اليوم تغيّر غدًا بأكمله.
كتبها العبد الفقير:
محمد عبد اللطيف مرتضى
أبو البراء
7 / 10 / 2025م
في صفحات التاريخ، تُسطَّر مواقف الرجال حين يشتدّ البلاء، ويُختبر الصبر والثبات...
حينها لا يكون الانتصارُ عتادًا وسلاحًا فحسب، بل ثقةً بالله ووعده، ووعيًا عميقًا بأن الثبات عبادة، وأن الميدان امتحان للقلوب قبل السواعد.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
ومن هناك، من جبل الرماة، انطلقت وصية نبوية خالدة:
«لا تبرحوا مكانكم، إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم...»
فكانت كلماتٍ أضاءت درب من وعوا الدرس، وثبتوا على المبدأ، رغم تبدّل الأحوال وشدّة الأهوال.
واليوم، في طوfن الأقصى، تلوح تلك الكلمات من جديد:
"لا تبرحوا جبل الرماة"...
كأنها نداء من أعماق التاريخ، يُذكّر المؤمنين أن النصر لا يُنال إلا بثباتٍ وصبرٍ وإعدادٍ متكامل، وأن التراجع عن الموقف هو بداية الهزيمة قبل أن تبدأ المعركة.
عامان من الثبات، عامان من الصبر والرباط، عامان من العطاء والتضحية...
لم تضعف النفوس، ولم تَخمد العزائم، بل ازداد الوعي، وتوحّد الصف، وتعاظم اليقين بأن وعد الله حق:
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [.
إنها ملحمة الثبات الأسطوري، حيث لم يكن السلاح وحده ما يقاتل، بل الإيمان، والعقيدة، والوعي، والصبر الجميل.
ومن وراء كل مشهدٍ صامدٍ هناك قلوبٌ تهتف سرًّا:
"لن نبرح جبلنا.. حتى يأذن الله بالنصر أو الشهادة."
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا».
فاثبتوا كما ثبت من قبلكم، فالعاقبة للمتقين، والنور قادم لا محالة...
وإن طال الليل، فالفجر على الأبواب، وعد الله لا يُخلف.
العبد الفقير
محمد عبد اللطيف مرتضى
ابو البراء
6-10-2025م
الآباء القتلة!!!
قد يتعجّب القارئ من العنوان، ويحسب أنّه ضربٌ من المبالغة، أو أنّه توصيفٌ لا يستقيم! ولكن.. أليس في واقعنا آباء يقتلون أبناءهم بلا خنجرٍ ولا رصاص؟ أليس في حياتنا آباء أهلكوا فلذات أكبادهم بأنانيّتهم، وغرورهم، وسوء قراراتهم؟
كم من الآباء والأمهات قتلوا أبناءهم يوم ظنّوا أنّ الأبوةَ أو الأمومة سلطةٌ مطلقة، وليست رسالة رحمةٍ ورعاية. قتلوا أبناءهم حين فضّلوا مصلحتهم الشخصية على مستقبل أولادهم، وأهدروا أحلامهم من أجل نزوة أو تجارة أو منصب زائل. قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾
إنّ القتل ليس دائمًا ذبحًا بالسيف، بل قد يكون قتلًا للروح، قتلًا للثقة، قتلًا للأمل.
كم من الآباء والأمهات هدموا بيوت أبنائهم حين تدخلوا في حياتهم الزوجية بلا حكمة، وأوقدوا نار الفتن بين الأزواج، فكانوا سبب الطلاق والشتات وضياع الأبناء. وما علموا أنّ الله أمر بالإصلاح فقال:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾
لكنّ بعض الآباء والأمهات ويا للأسف لا يريدون إصلاحًا، بل يريدون انتصار الأنا، فيكونون معول هدمٍ بدل أن يكونوا يد بناء.
ومن صور القتل الصامت، ظلمُ الآباء والأمهات حين يُفرّقون بين أبنائهم في العطاء أو في المحبة أو في الدعم. فيزرعون في نفوسهم الغِلَّ والحقد، ويقتلون بينهم روح الأخوّة. وقد جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشهدُه على عطيةٍ خصّ بها أحد أبنائه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :
«فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»
أيّ قتلٍ أدهى من أن يكبر الابن وهو يحمل جراحًا من أبٍ كان يفترض أن يكون مأوى الأمان؟
وكم من المواقف الحياتية التي نراها فهذا أبٌ يزوّج ابنته كُرهًا لمن لا تريد، ليُرضي نفسه أو ماله، فيقتل في قلبها الفرح.
وهذا آخرُ يحرم أبناءه من التعليم بحجّة الفقر، بينما يُنفق ماله على كماليات لا قيمة لها.
وذاك يُفضّل ابنًا على آخر، فيقتل بذرة الحب بين الإخوة.
وأم تضع في رأس ابنها ان يطلق زوجته لأنها لم تأتي على هواها وتقول هذا بر واجب على ابنها!!
وكم هي المواقف....
أيها الآباء وأيتها والأمهات : إن الأبوة والأمومة أمانة، وقد أوصى الله بها ورفع شأنها، فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]
فالأب القاتل أو الأم القاتلة ليس من أراق دمًا، وإنما من قتل في ولده الطموح، وأطفأ في قلبه الأمل، وأهدر في روحه الطمأنينة.
ياليتنا نعلم إنّ أبناءنا أمانة بين أيدينا، ولسنا مالكين لمصائرهم. ومن قتل أبناءه بأنانيته، أو ظلمهم بتمييزه، أو هدم بيوتهم بقراراته، فقد خان الأمانة قبل أن يقتل الرحِم.
فلنتّق الله في أولادنا، ولنكن لهم نبعًا للحب والعدل والرعاية، لا سيفًا يقطع، ولا نارًا تحرق، ولا حجرًا يَسحق.
وفي الختام شاركوني بالأراء والقصص الواقعية التي مرت في حياتكم أو سمعتموها وهل ما كتبته يمثل واقعا
علنا ان ما كتبته انما مواقف شاهدتها واقعا في حياتنا.
#شعاع #فكر
التبلّد ليس غياب الشعور فحسب، بل هو موت بطيء للقلوب. إنّه تلك اللحظة التي تمرّ فيها المآسي أمام أعيننا فلا نهتزّ، وتُستباح الحرمات فلا نغضب، ويُستصرخ الضمير فلا يجيب. قال الله تعالى واصفًا قومًا فقدوا بصر البصيرة قبل بصر العين:
﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُو۟لَٰٓئِكَ كَالْأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ الْغَٰفِلُونَ﴾.
إن أخطر ما يُصيب الأمة أن يتحوّل التبلّد إلى عادة، فنسمع أخبار الدماء في فلسطين وسوريا واليمن وكأنها مجرّد أرقام، ونرى صور الأطفال الجائعين واليتامى فنمرّ عليها مرور الكرام، كأنّنا لا نملك قلبًا كان يومًا يخفق بالرحمة.
لقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من قسوة القلب حين قال:
«لا تُنزع الرحمة إلا من شقي» .
فالمسلم الحقّ هو من يحيا قلبه مع آلام الناس وأوجاعهم، حتى ولو لم يستطع النصرة إلا بدعوة صادقة أو دمعة حرّى.
في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مشاهد تهزّ القلب وتمنع التبلّد، فقد بكى صلى الله عليه وسلم على موت ابنه إبراهيم وقال:
«إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا» .
لم يخجل رسول الله من دموعه، لأنها دموع إنسانٍ حيّ القلب.
أما نحن اليوم، فكم من مصيبة نمرّ بها فلا تحرّك فينا ساكنًا؟! كم من ظلمٍ يطرق أبواب أمتنا فنردّ عليه بالصمت وكأننا اعتدنا الجراح؟!
إن علاج التبلّد هو العودة إلى نور القرآن، وإحياء القلب بالذكر والعمل الصالح، ومجالسة المخلصين، واستشعار أن كل مشهد ألمٍ هو ابتلاءٌ لنا قبل أن يكون ابتلاءً لغيرنا. قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ فَوَيْلٌ لِّلْقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ .
فلنحذر أن نصبح من القلوب القاسية الجامدة، ولنجعل من دمعة صادقة، أو دعاء نابع من الأعماق، أو نصرة بالكلمة والموقف؛ برهانًا على أننا ما زلنا أحياء.
إن التبلّد موتٌ بلا كفن، وغربةٌ بلا سفر، وجمودٌ يسرق إنسانيتنا. فلنوقظ قلوبنا قبل أن يقال عنها: قست حتى صارت حجارة، ولنجعل من آلام أمتنا وقودًا لإيمانٍ متجدد، يحيي فينا معنى الرحمة، ويذكّرنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم :
«مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» .
#شعاع #فكر
Click here to claim your Sponsored Listing.
Location
Category
Website
Address
Amman
00962