29/12/2021
الأردن في مئة عام (1921-2021)
كتاب مصور
بمناسبة مئوية الدولة الأردنية يصدر مطلع العام القادم, 2022, كتاب "الأردن في مئة عام 1921 - 2021 : تاريخ مصور", من إعداد هاني الحوراني وفريق من الباحثين.
يقع الكتاب في (668) صفحة من القطع الكبير ( 24× 30 سم), ويضم (684) صورة فوتوغرافية تغطي مراحل مختلفة من تاريخ الأردن, تعود أولها إلى مطلع القرن العشرين, وتنتهي بالعام الحالي 2021.
ويأتي إعداد هذا الكتاب الضخم في إطار مشاريع الاحتفال بمئوية الدولة الأردنية, وبدعم من وزارة الثقافة الأردنية.
26/09/2012
الوعد بنزاهة الانتخابات لا يكفي!
هاني الحوراني
مركز الاردن الجديد
نزاهة الانتخابات متطلب رئيسي لإقناع المواطنين بالإقبال على المشاركة في الإنتخابات العامة القادمة . لكن الحديث عن نزاهة الإنتخابات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإغراء الناس بالمشاركة. فالنزاهة شرط مسبق في المعايير الإنتخابية الدولية، ولها ضماناتها التي يجب ان تتوفر، وهي بذلك ليست منحة تتلطف بها السلطات التنفيذية . ولكن في السياق الأردني الراهن من الجيد ان يلجأ الملك والسلطات التنفيذية الأخرى الى طمأنة الناس الى ان الإنتخابات المقبلة ستكون نزيهة، وأنه لن يكون هناك تلاعب او تدخل في العملية الانتخابية من اي طرف كان. لكن هذا، مرة اخرى، غير كاف، حتى في بلدنا، الذي اكتوى بنار التزوير اكثر من مرة.
سؤال النزاهة يطرح عدة اسئلة اخرى. فنتائج الانتخابات لا يقررها فقط حياد الحكومة وقيام هيئة مستقلة للإنتخابات ووجود رقابة محلية ودولية على العمليات الإنتخابية، وانما يقررها الى حد كبير طبيعة قانون الإنتخاب، واذا كانت تتوفر فيه مقومات النظام الإنتخابي الجيد والعادل. هذا يعيدنا الى أهمية العودة مرة اخرى الى مسألة تعديل قانون الانتخاب لكي يصبح توافقيا في الحد الادنى، وإن لم يكن ملبياً بالكامل بشروط العدالة. فهل نستطيع خلال الأيام والأسابيع القليلة العودة للتفاوض على تعديلات تنقذ القانون العتيد والانتخابات المصيرية؟! فالصوت الواحد ليس مرفوضاً من الحركة الأسلامية فقط ، و انما من مختلف فصائل المعارضة، و حتى من قوى مجتمعية واسعة.
من الاسئلة الاخرى: من يضمن نزاهة الانتخابات، وكيف نشجع الناس على المشاركة فيها؟ من نافل القول ان السلطات التنفيذية قد إستنفذت فرصها لاستعادة صدقيتها السياسية، والوعود لم تعد تفعل فعلها، والناس لم تعد تشتري كلاماً. من هنا أهمية نوعية الحكومة التي ستشرف على الانتخابات ومواصفات رئيس الحكومة. ليس المطلوب "حكومة إنقاذ وطني" في الاسابيع المقبلة القليلة، بل المطلوب حكومة إنقاذ لسمعة الدولة ومؤسساتها التنفيذية، حكومة تعيد الثقة بين الشعب والدولة، وتفتح نوافذ وأبواب الدولة للهواء النقي وتعيد فرص الحوار المنتج، وجهاً لوجه، ما بين الدولة ومواطنيها. لذلك طالبنا سابقا، ونجدد المطالبة، بحكومة إنفراج وطني تحدث الفرق المطلوب. فعينة الاسماء المتداولة لترؤوس للحكومة المقبلة، الا ما ندر منها، ليست من النوع الذي يحقق الإنفراج السياسي والإقبال المطلوب على الانتخابات. بل ان العديد منها فقد صلاحيته منذ زمن وصار جزءاً من المشكلة.
عندما نتحدث عن نوعية الحكومة ورئيسها لا نتحدث عن مواصفات "ايديولوجية". إننا نتحدث عن حكومة تتسم بالنظافة، وينظر المواطنون اليها باحترام وأمل.
نريد حكومة لم يتلوث أفرادها بفساد او تسلط، او أجندة غير مشروعة،تتخذ قراراتها بنفسها، ولاتُملى عليها من أي جهاز كان، او تتخذ مثل هذه القرارات بالنيابة عنها. ان الرهان هو ان يقتنع جلالة الملك ، بعد أن جرب مختلف صنوف الحكومات، أن لا بديل عن دماء جديدة وقماشة جديدة.
لكن حكومة " الانفراج الوطني" ليست مطلوبة فقط لعبور نفق الانتخابات المقبلة فقط، وانما باعتبارها خطوة على طريق إعادة بناء الحياة السياسية الأردنية برمتها، فهي ضرورية لإخراج البلد من حالة " فقر الدم " السياسي، الذي جعلها أسيرة ثنائية الدولة-الاخوان، وتشجيع بقية الأحزاب السياسية على لعب دورها في ظل مناخ سياسي جديد .
مرة اخرى نزاهة الانتخابات يجب ان لا تقدم كمنحة او كهبة للمواطنين، فهي شرط لازم لكل انتخابات، وللانتخابات المقبلة بشكل خاص. وهي تعني العودة لطبائع الامور وبدهيات الانتخابات الحرة النظيفة. لكن تحققها لا يمكن تأمينه بالوعود وإنما بخطوات سياسية محددة :-
- حكومة إنفراج وطني تعيد الثقة والأمل للناس، وتفتح باب الفرصة الاخيرة للحوار المنتج من أجل تعديلات توافقية على قانون الانتخاب، وتشجيع المواطنيين على المشاركة السياسية والانتخابية.
- نشر مناخ سياسي جديد يقنع الناس ان الاصلاح ليس مجرد وعود، أو"إنحناءة مؤقتة" أمام الربيع العربي، وان الانتخابات القادمة ما هي الا نقطة إنطلاق نحو حياة سياسية تعددية وديناميكية، حيث لكل مواطن، ولكل شاب وشابه فيها دور.
بغير ذلك فان الاردن سيبقى أقرب ما يكون الى قارب متصدع في بحر من الظلمات، تتلاطم بين جوانبه الارادات، حيث الكل يقول "اللهم نفسي"!
20/09/2012
دائرة المخابرات العامة يجب أن لا تبقى
بعيدة عن المساءلة والرقابة الإدارية والبرلمانية
هاني الحوراني
مركز الأردن الجديد للدراسات
خلال أقل من عقد واحد قدم للمحاكمة إثنان من مدراء المخابرات العامة، وذلك من أصل خمس مدراء تعاقبوا على هذا المنصب خلال هذه الفترة. وحتى البقية لم ينجو أي منهم من الإشاعات وإتهامات بالتورط في قضايا فساد.
هذا كثير على المؤسسة الأمنية الاهم والأخطر في البلاد، والتي أوكلت إليها في وقت من الأوقات مهمة تحري وملاحقة الفساد والمفسدين، وشكلت لهذا الغرض جهازاً خاصاً بذلك، قبل أن تظهر هيئة مكافحة الفساد إلى الوجود.
من الناحية التاريخية لم تكن دائرة المخابرات العامة في منأى عن الهجوم والنقد الشعبي والسياسي فقد كانت خلال عقود عدة سابقة ذراع الدولة الضارب ضد قوى المعارضة إبان الحرب الباردة، كما كانت مختلف منظمات المجتمع المدني (النقابات المهنية والعمالية، المنظمات النسائية والروابط الثقافية وغيرها)، إضافة إلى الصحف والجامعات هدفاً لمراقبة المخابرات العامة، حتى أنه لا يمكن كتابة تاريخ الأردن السياسي خلال أكثر من ستة عقود سابقة، دون أن يكون شبح هذه الدائرة مخيماً على الأحداث والتقلبات والتطورات التي تخللت هذا التاريخ الطويل. لكن تهمة الفساد لم تكن يوماً من بين الاتهامات التي توجه لدائرة المخابرات العامة، حتى بداية العقد الماضي، حيث كانت الممارسات الأمنية المستندة إلى القوانين الاستثنائية والأحكام العرفية، هي التي حكمت نظرة الناس إلى هذه المؤسسة، وظلوا يتطيرون حتى من ذكر اسمها أمامهم وتدفعهم إلى الإستعاذة بالله.
لقد أظهرت وقائع جلسات محاكمة مدير المخابرات العامة السابق الفريق محمد الذهبي والتي شارفت، حتى الآن، على عشر جلسات، عن حقائق مذهلة، بل مفجعة أظهرت خطورة السلطات والصلاحيات المعطاة لمدير المخابرات العامة، والتي لا تخضع- لا هي ولا أعمال دائرة المخابرات العامة ككل- لأي مساءلة أو رقابة مؤسسية إدارية وبرلمانية، ما أفسح المجال أمام تعاظم، وبالأحرى تفاقم، سلطان هذه الدائرة، ودخولها مجالات عمل لا تتصل برسالتها وأهدافها والقانون الناظم لأعمالها.
ومن الغريب حقاً، أنه رغم ارتفاع سقف المطالبات والانتقادات من جانب الحراكات الشعبية والكتاب والمعلقين، فإننا نجد أن الغالبية الساحقة قد تهيبت من الإشارة الصريحة إلى حاجة دائرة المخابرات العامة إلى شمولها بمطالب الاصلاح والتغيير، وإلى إخضاعها لآليات المساءلة والمحاسبة والرقابة الحكومية والبرلمانية. وهكذا وجدنا أنه، باستثناء بعض الشعارات التي رُفِعَت في بدايات الحراكات الشعبية، والتي أشارت إلى دائرة المخابرات العامة بالاسم، فإن غالبية الكتاب والمعلقين اكتفوا بالإشارة إليها تلميحاً، باعتبارها سلطة "شبحية" غير مرئية في عملية صناعة القرار، لكن دون ذكرها بالاسم.
وواقع الأمر اليوم أنه لا يمكن الحديث عن إصلاح النظام السياسي الأردني أو تجديده ولا عن اعتماد مبادىء النظام الديمقراطي وسيادة القانون أساساً لهذا الاصلاح، دون الإقدام على خطوات محددة لاصلاح، بل وإعادة بناءجهاز المخابرات العامة الأردنية، في مقدمة هذه الخطوات:
1- وضع قانون جديد يعيد تعريف دائرة المخابرات العامة ويحدد واجباتها وإطار عملها ووسائل أداء مهامها. إذ من المعروف أن القانون الحالي للمخابرات العامة، قانون رقم 24 لعام 1964، قد وضع في زمن ومرحلة إنقضت، تعود إلى فترة الحرب الباردة، وإلى سنوات الأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية. وكان على السلطتين التنفيذية والتشريعية وضع قانون جديد لهذا الجهاز منذ دخل الأردن مرحلة الانفتاح السياسي، الأمر الذي كان- ربما- جنبنا الكثير من الممارسات التي استدعت تقديم مديرين عامين لهذا الجهاز إلى المحكمة خلال أقل من عشرة أعوام، هذا فضلاً عن تجنيبنا الممارسات الأمنية والسياسية وغيرها، مما لم تتطرق إليها القضايا المنظورة امام المحكمة.
2- وضع دائرة المخابرات العامة، شأنها شأن مختلف المؤسسات التابعة للسلطة التنفيذية، تحت رقابة الحكومة ورقابة السلطة التشريعية، أسوة بالبلدان الأخرى، الديمقراطية منها أو التي تكافح للانتقال نحو الديمقراطية. فمن المعروف أن قانون رقم 24 لعام 1964 ينص على ارتباط دائرة المخابرات العامة مباشرة برئيس الوزراء. لكن الحكومة ليس لها ولاية أو رقابة على الدائرة، ومن المشكوك فيه إن كان رؤساء الوزراء السابقين قد تجرأوا يوماً على مراجعة أو مساءلة أي مدير للمخابرات العامة. وهذا مخالف للحق الدستوري للحكومة الذي يمكنها من ممارسة ولايتها العامة على سائر الأجهزة والمؤسسات التابعة للسلطة التنفيذية.
لقد جرت محاولة واحدة على الأقل من جانب مجلس النواب الثاني عشر لتشكيل لجنة متخصصة بشؤون الأمن، لكن المجلس المذكور فشل في ذلك، ولم تتكرر هكذا محاولة مرة أخرى، بما يوفر له حق الرقابة البرلمانية على أعمال دائرة المخابرات العامة. وغني عن البيان أنه لم تجري محاولات مماثلة من قبل مجلس الأعيان، رغم أن طبيعة تشكيله بإرادة ملكية، ومن فئات يفترض أن تكون قريبة وموثوقة من العرش، تسمح له بممارسة دور رقابي مقبول.
ومهما يكن من أمر، فإن المجلسان (النواب والأعيان) يتمتعان بموجب نظاميهما الداخلي بتشكيل لجان إختصاصية بقضايا الأمن، ويمكن أن توضع ضوابط محددة على أعمالها ومداولاتها لكي تحافظ على السرية والكتمان، عندما يتعلق الأمر بمجالات حساسة في عمل هذا الجهاز، علماً بأن هناك تقاليد متنوعة في العالم حول سبل مقاربة البرلمانات لأمور الأمن والاستخبارات لن نعجز عن الاستفادة منها.
3- وضع ضوابط وإجراءات لوقف تشعب وتمدد مجالات عمل جهاز المخابرات العامة، مثل التدخل بعمليات صنع القرار السياسي، الذي هو من سلطات الحكومة الدستورية، والاكتفاء بتقديم المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار، والامتناع عن التأثير في الانتخابات النيابية والبلدية أو في عمل البرلمان ووسائل الاعلام وغيرها من المؤسسات، كما كشفت عن ذلك وقائع محاكمة الفريق محمد الذهبي، وقبل ذلك تصريحات رسمية لرؤساء حكومات ونواب وغيرهم.
إن دائرة المخابرات العامة يجب أن تنصرف كلياً لمهامها الأصلية، وهي المهام التي تقوم بها الأجهزة المماثلة في الدول الديمقراطية والمتقدمة، أي تقديم المعلومات الاستخبارية اللازمة لمنع تهديد الأمن الوطني، وأن تخضع أي تجاوزات تقع من قبل العاملين فيها لسلطة القضاء الاداري، وان تقوم بتعويض المتضررين من هذه التجاوزات مادياً ومعنوياً.
يبقى أن نشير أننا نكتب ما نكتبه هنا ليس من منطلق الاستقواء على هذه المؤسسة بمناخات الربيع العربي، أو ارتفاع موجة النقد العام للسياسات والمؤسسات الرسمية، من جانب الحراكات الشعبية والنشطاء والكتاب، فقد تصدينا لهذا الموضوع منذ أواسط تسعينات القرن الماضي حين عقدنا ندوة دراسية تحت عنوان "الديمقراطية وسيادة القانون"، (19-22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1995). ولقد طلبنا من خبراء حقوقيين معالجة الأجهزة الاستخبارية والأمنية في الأردن وألمانيا الاتحادية، وقد خصصت الجلسة الأولى لهذا الموضوع. كما جمعنا أعمال الندوة المذكورة، والتي نظمت بالتعاون ما بين مركز الأردن الجديد ومؤسسة كونراد أديناور الألمانية، في كتاب صدر عام 1997، وهو لا زال متوفراً لمن يرغب في الاطلاع عليه.
إن مراجعة ممارسات جهاز المخابرات العامة والدعوة لاصلاحه وحتى إعادة بنائه، وتحديث القانون الناظم لعمله، وإخضاعه للمساءلة والرقابة الإدارية والبرلمانية ليس تطاولاً على هذه المؤسسة الوطنية فائقة الأهمية ولا يعد مساً لمنجزاتها في حماية امن الوطن واستقراره، وإنما هو ضرورة لازمة لإعادة الاعتبار إليه، ولتحريره من الأعمال التي لا يجب أن تكون جزءاً من مسؤولياته وممارساته، ضماناً لإنسجام دور المخابرات العامة مع تطلعات الشعب الأردني للديمقراطية وسيادة القانون ومبادىء الحكم الرشيد.
[email protected]
20/09/2012
معرض قيس السندي "صراع من أجل البقاء":
شهادة فنية عن معاناة الهجرة بعيداً عن الوطن
هاني الحوراني*
ربما يشكل معرض الفنان العراقي قيس السندي، المقام حالياً في صالة رؤى 32 للفنون، "دراسة حالة" عن معاناته الشخصية، وهو يخوض تجربة "المنفى" أو الإغتراب الإضطراري عن الوطن، لكن أهمية المعرض، في واقع الأمر، تتعدى نطاق التجربة الذاتية، إذ هي تطرح مشكلة إنسانية معاصرة إزدادت حدتها في العقدين الأخيرين، إذا ما أخذنا بالإعتبار الطابع العالمي الذي اكتسبته الهجرة القسرية، والتي تتسبب بها الحروب الأهلية والنزاعات العرقية والأزمات الإقتصادية، فضلاً عن الاحتلالات الخارجية والثورات والإضطرابات الداخلية التي يعج بها العالم الثالث، ولا سيما منه بلدان العالم العربي والشرق الأوسط عموماً.
وبكلمات أخرى، فإنه يمكن قراءة أعمال الفنان العراقي، المقيم حالياً في الولايات المتحدة، بإعتبارها شهادة فنية عن تجربة ذاتية محددة، لكن يصعب فصل هذه الشهادة عن ظاهرة إنسانية وعالمية، باتت تتصدر وسائل الإعلام يومياً، ألا وهي ظاهرة اللجوء، أو الهجرة خارج الأوطان الأصلية، والتي تنطوي على مخاطر هائلة لا تنفك وسائل الإعلام العالمية عن تسليط الضوء عليها بين الحين والآخر، كما تشغل إهتمام منظمات الاغاثة الدولية والاقليمية.
تعددت طرائق إنشغال الفنان قيس السندي بموضوع المنفى واللجوء والهجرة القسرية، عن طريق إستخدام ثلاث وسائل تعبير فنية، أولها معرض كامل يضم 35 عملاً منفذاً على القماش بألوان الإكرليك ومواد متنوعة أخرى، والتي إتخذت قياسات عدة، تتراوح ما بين الحجم الكبير والمتوسط والصغير، وثانيها مادة فيلمية على شكل شريط ينتمي إلى "الفيديو آرت"، وثالثها عملين تجهيزيين، يندرجان في سياق الفن المفاهيمي.
تقدم لوحات قيس السندي مقاطع متنوعة من رؤية وذاكرة الفنان عن حياته في العراق والمهجر، فهي تتضمن صوراً ومشاهد عن حالات إنسانية، تموضعت في أماكن وربما أزمان مختلفة، مزج فيها ما بين الواقعية التعبيرية والتخيل، فلا تتضح الحدود بينهما، لأنهما، في واقع الأمر، أمراً واحداً، إذ كيف يمكن فصل الواقع المعاش عن ذكريات أو تاريخ صاحبه؟!
لا يتناول السندي موضوعات المنفى، أو المعاناة خلال الهجرة، بألوان قاتمة أو كابية، وإنما على النقيض من المتوقع، فإنه يضفي عليها حرارة وتوهج لوني، يحيلنا إلى ألوان الطبيعة الصارخة في بيئة العراق والمشرق عامة. إنها ألوان صيفية قوية وصريحة. ولعل أسماء لوحات قيس السندي تشف عن طبيعتها اللونية الصريحة: "شمس الصيف"، "الخريف الذهبي"، "الحلم الوردي"، ... إلخ.
ومن ناحية أخرى فإن تكوينات الأعمال، رغم دراميتها وحالة القلق التي تعكسها، لا تخلوا من التوازن البنيوي، حيث يقوم بتوزيع المساحات اللونية من حول مركز اللوحة، ما يحيلها إلى "حقول" متعددة الألوان والأبعاد.
أما في عمله الفيديوي فقد تناول السندي موضوع الهجرة والمنفى عن طريق تقسيم الشاشة إلى مقطعين متوازيين ومتساويين؛ ففي يمين الشاشة تتتالى صور مكبرة لقطيع من الغنم يمشي دونما هدف، وفي شمال الشاشة، نرى مشاهد مأخوذة من إحدى المطارات، تركز على حركة أقدام المسافرين، وهم يعبرون بحقائبهم من أمام عدسة الكاميرا بتواتر رتيب. وهكذا يعرض الشريط، في الوقت ذاته، وبالتوازي، المشاهد المتتابعة لحركة قطيع الغنم ولحركة المسافرين التي لا تنتهي. وكأنه يقول بأن العالم يحول المهاجرين واللاجئين إلى ما يشبه القطعان التي لا تتوقف عن الحركة بحثاً عن مصادر بقائها.
في عمليه التجهيزيين، يتناول السندي، في أولهما، أزمة المياه المحتدمة في العالم (لا سيما في العالم العربي) من خلال رص صفوف الزجاجات الملونة، المتراصة بنسق هندسي صارم، وعلى مبعدة منها تقف عبوة ماء بلاستيكية واحدة وفارغة. فهل يقصد قيس السندي أنه في مقابل شحة المياه التي يعاني منها مئات ملايين من البشر فإن العالم لا زال ينتج ما لا حصر له من أنواع المشروبات التي لا تتاح إلا للقلة المميزة فقط؟!
أما العمل التجهيزي الثاني فهو يعود ليتناول موضوع السفر والهجرة من خلال وضع حقيبتين متفاوتتي الحجم على منصة، وهما في حالة إنتظار، كما لو أن السندي يقول: أن العالم ليس آمناً بالنسبة لاؤلئك الذين غادروا أوطانهم مضطرين، فهم دائماً في حالة انتظار، كما هو حال شنطهم الجاهزة للرحيل.
يذكر أن الفنان قيس السندي هو من مواليد عام 1967، وقد تخرج من كلية الفنون الجميلة في بغداد (2000)، وكان قد درس قبل ذلك الهندسة في جامعة بغداد عام (1989) قبل أن يحصل على درجة الماجستير في الفنون الجميلة عام 2004. وله نحو عشرة معارض شخصية لأعماله، أقيم معظمها في الولايات المتحدة، إضافة إلى دبي وعمان، كما شارك في بينالي القاهرة الدولي للفنون مؤخراً، وله مشاركة أخرى في العديد من المعارض الجماعية.
هذا، وقد تم تمديد معرضه في صالة رؤى 32 للفنون (عمان، الأردن) حتى السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2012.
* هاني الحوراني، باحث ورسام ومصور فوتوغرافي.
19/09/2012
منيف الرزاز في ذكرى وفاته:
بشَّر بالحرية مبكراً.. ودفع ثمنها مثنى ورُباع!
هاني الحوراني
مركز الأردن الجديد للدراسات
مرت قبل أيام (16 أيلول الجاري) ذكرى رحيل منيف الرزاز، المفكر والمناضل والطبيب- الإنسان. وقد ذكرتني بهذه المناسبة المقتطفات التي نشرها في "الغد" إبنه عمر الرزاز وقدم لها، تحت عنوان "رؤية منيف الرزاز للمشهد العربي اليوم"، وهي مقتطفات إختارها من كتابين لوالده: "الحرية ومشكلاتها في البلدان المتخلفة" و"التجربة المرة" اللذين صدرا عامي 1965 و1967 على التوالي.
ورغم أني لم أعرف منيف الرزاز في حياته التي إنتهت في مقر إقامته القسرية ببغداد عام 1984، ورغم أن نفوري من الأحزاب القومية عامة، والبعثية خاصة، قد حال دون إطلاعي على مؤلفات منيف الرزاز العديدة، لكني، بالرغم من ذلك، فقد راكمت منذ زمن بعيد نوعاً من التقدير والاحترام لهذا المناضل الأردني الكبير، إستناداً للمتابعة البعيدة لمسيرته النضالية، بل إن وصوله إلى موقع الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، مباشرة بعد ميشيل عفلق، مؤسس الحزب وأمينه العام لردح طويل من الزمن- أقول أن ذلك "دغدغ" مشاعري الأردنية، بوصول ابن بلدي إلى هذا الموقع الرفيع، على رأس حزب حكم بلدين عربيين كبيرين بوزن سورية والعراق.
والواقع أن مأساة هذا الرجل أنه كان مثقفاً، والأرجح أنه كان مثقفاً حالماً. وقد وقع ضحية أحلامه، إذ كان من أوائل ضحايا الدكتاتورية البعثية التي أكلت أول ما أكلت أبنائها من قادة وكوادر الحزب، قبل أن تنتهي بالبلدين اللذين حكمتهما ما بين فكي الغزو والاحتلال، كما هو حال العراق، وأتون التفكك والحرب الأهلية، كما هو حال سورية اليوم. ربما لم يخطر ببال منيف الرزاز، حتى في أكثر أيامه كابوسية، وهو محتجز في إقامته القسرية، أن مؤلفاته السابقة، ولا سيما استخلاصاته حول الديكتاتورية هي أقرب ما تكون إلى النبوءة بمصائر العراق وسورية، وكذلك ليبيا واليمن، وغيرهما من البلدان التي رزحت، أو لا زالت، تحت كابوس الاستبداد السلطوي، لقادة مثل "القائد الضرورة"، و"ملك ملوك إفريقيا"، وما شابههما.
لقد تعمقت صلتي بمنيف الرزاز، من خلال إبنه البكر، المرحوم مؤنس، وذلك حين وضع بين يدي أوراق منيف الرزاز غير المنشورة، والتي إحتوت على فصول أولى من مذكراته، التي من غير المعروف إن كانت قد اكتملت وفقدت، أم أن ظروف الإقامة القسرية (وبالأحرى الاعتقال في منزله ببغداد) لم تترك له فرصة إستكمالها.
ولقد كان من دواعي سروري وافتخاري أن قمت بنشر هذه الأوراق في عام 1993 تحت عنوان "رسائل إلى أولادي"، ضمن سلسلة "إحياء الذاكرة التاريخية"، التي كانت قد بدأت بالصدور عن مركز الأردن الجديد ودار سندباد للنشر، في طلائع التسعينات من القرن الماضي.
في مخطوطته الأصلية عنون منيف الرزاز أوراقه غير المنشورة بعنوان "رسائل إلى ولدي"، ويعني هنا المرحوم مؤنس الرزاز، الذي كان حينها في سن الشباب، ما يؤهله لقراءة هذه الرسائل، وقد إجتهدت، بعد أن كنت تعرفت على عمر الرزاز، بتغيير عنوان الأوراق عند نشرها إلى "رسائل إلى أولادي". فهي، بعد مرور هذه السنوات على كتابتها، وبعد وفاة مؤلفها بنحو عشر سنوات، وجدت أن من اللائق أن تكون موجهة إلى أبنائه الثلاث: مؤنس وعمر وزينة. والملفت أن المرحوم مؤنس، رغم أن الرسائل وجهت له بالأصل، لم يناقشني ولم يعترض على هذا التعديل الطفيف على اسم المخطوطة.
ما قربني من منيف الرزاز ليس فقط أوراقه غير المنشورة، "رسائل إلى أولادي"، وهو ما سوف أعود إليه في مقالة لاحقة، وإنما أيضاً تقديم مؤنس للأوراق. فقد أعاد التذكير بمنيف الرزاز كمفكر ومناضل، فهو يقول: "كتب أهم كتبه حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وضرورة التعددية في عام 1952، حيث فاز كتابه "معالم الحياة العربية الجديدة" بجائزة جامعة الدول العربية عام 1953". كما كتب في السبعينات "فلسفة الحركة القومية" بجزئيه، حيث نُشِرا، لكن مخطوطه الجزء الثالث صودرت وهو في الإقامة الجبرية". ومما يقول مؤنس الرزاز في تقديمه لأبيه: "إن هاجس (منيف) الرزاز المستمر، والذي أدى إلى دفعه ثمناً باهظاً من حياته، هو إنحيازه لحقوق الإنسان، فقد كانت حقوق الإنسان، بالنسبة إليه، فوق الولاء للحزب وفوق أي شعار آخر".
لا أحد يمكن له أن يتكهن بما كان يدور في رأس منيف الرزاز، وهو في إقامته الجبرية، وهل هذه النهاية المستحقة له، بعد مسيرته السياسية الطويلة، والذي دفع خلالها الكثير من حريته، ومن معاناة زوجته المرحومة لمعة بسيسو وأولاده، سواء أثناء نفيه إلى سورية (1952) أو إعتقاله المتكرر في بلده الأردن، عام 1957، في معتقل الجفر السيء الصيت، ثم في عام 1963، أي لمدد تصل إلى اربع سنوات، أو من خلال إختفائه وهروبه من سورية بعد إنقلاب رفاقه البعثيين، المشهور بإنقلاب 23 شباط 1966، الذي شكل أول تمزيق جدي لصفوف هذا الحزب، وإنتقال الهيمنة فيه، وفي الحكم، إلى العسكر، أم إبان فترة الإقامة الجبرية التي فرضت عليه، وعلى عائلته، في بغداد لمدة ست سنوات (1979/ 1984) إنتهت بوفاته. فهل فكَّر، مثلاً، أنه كان، ربما منذ البداية، في المكان الخطأ؟ وهل واسى نفسه بأن مصيره أفضل من مصير العديد من الرفاق القياديين الذين أُعدموا، عام 1979، بإطلاق الرصاص عليهم من قبل صدام حسين، لمجرد الإشتباه بتورطهم بتدبير إنقلاب عسكري ضده؟
لقد أحسن د. عمر الرزاز بتأسيس موقع لعائلته المثقفة المناضلة على الشبكة العنكبوتية (http://razzaz.com)، ليضم فيه أوراق منيف الرزاز ورسائله إلى زوجته المرحومة لمعة بسيسو وأوراق المرحوم مؤنس الرزاز، إضافة إلى صور ووثائق أخرى. ولعل تدشين هذا الموقع كان بمثابة إستجابة الشقيق لشقيقه، فقد كتب مؤنس في تقديمه لكتاب "رسائل إلى أولادي" ما يلي:
"قد يأتي اليوم الذي يواصل أحد أولاده أو رفاقه أو زوجته، ما إنقطع في سيرته الذاتية وخواطره التي وضعها في هذه الرسالة الطويلة التي هُرَبت من الإقامة الجبرية تهريباً. والتي كانت مجرد مقدمة لسرد ذكريات حياته في الأردن، فحالت يد المنون بينه وبين إنجاز هذا الهدف".
تحية لروح منيف، ولروح زوجته ورفيقة دربه المناضلة لمعة بسيسو، ولروح مؤنس القلقة، والتي لم تسلم حياته القصيرة من سموم وظلال الدكتاتورية والإستبداد، التي كان والده قد حذر منها في شبابه ودفع ثمنها في كهولته.
وشكراً لعمر الرزاز الذي ذكَّرنا بوالده، وبصفحات لا تنسى من عذابات هذه الأمة التي لم تعش بعد ربيع الحرية والديمقراطية، والعزاء أنها على أعتابه، وإن طال تعنت الطغاة وإستفحلت المعاناة.
[email protected]
18/09/2012
الدولة أمام منعطف مصيري:
حكومة إنفراج سياسي تفتح الباب أمام إنتخابات ذات صدقية أو قطيعة مع المجتمع!
هاني الحوراني
مركز الأردن الجديد للدراسات
الحكومة والدوائر الرسمية الأخرى، ومعها وسائل الإعلام تعاملت مع حديث الملك إلى وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) والمنشور في صحف 13 أيلول الجاري، باعتباره حسماً نهائياً للموقف الرسمي، والقاضي بإجراء الانتخابات النيابية في نهاية هذا العام، على أساس قانون الانتخاب الذي تقدمت به حكومة د. فايز الطراونة وأقره البرلمان الأردني مؤخراً.
وعلى ضوء هذا التقدير للخطاب، والذي إعتبرته الأوساط الرسمية بمثابة "خارطة طريق للاصلاح السياسي"، إتخذت الحركة الإسلامية قرارها بالاستمرار في مقاطعة الانتخابات النيابية تسجيلاً وترشيحاً وانتخاباً، فيما تراوحت أشكال إستجابة بقية القوى ما بين إعلان المقاطعة أو المشاركة، وإن خيَّم الغموض على مواقف بعض الأحزاب والتيارات القومية واليسارية.
ورغم أن الصورة العامة لا زالت تؤكد على إستمرار التمترس والتخندق ما بين الموقف الرسمي وبين المعارضة وفي مقدمتها الحركة الإسلامية، فإن الحياة علمتنا أن لا نأخذ الأمور بظواهرها، أو كما تود الأطراف المختلفة تصويرها. فصانعو القرار الرسمي لا يستطيعون أن يجزموا بقدرتهم على انجاز الانتخابات البرلمانية قبل نهاية العام، ولا يمكن القطع أن قانون الانتخاب، موضع الخلاف والانقسام الوطني، لن يكون مرشحاً للتعديل في الأيام الفاصلة حتى إتضاح موعد إجراء الانتخابات، وعليه فإن موقف الحركة الإسلامية وبقية القوى المترددة في إعلان مشاركتها من عدمه، يبقى مرشحاً للتغيير، بالرغم من أن المؤشرات الراهنة لا توحي بحدوث مثل هذا التغيير، حيث الشد السياسي لا زال في أوجه.
لكي تقدم السلطة التنفيذية على إجراء الانتخابات يجب أن تكون أعداد المسجلين في قوائم الناخبين، والحاصلين على بطاقة انتخابية، قد تجاوزت مليوني ناخب. ومن المفضل أن تكون قد وصلت إلى ما بين 2.5 مليون و3 مليون ناخب. هذا، إذا أرادت حقاً أن تثبت للرأي العام المحلي والإقليمي والعالمي، بأن الربيع العربي قد مر من هنا، في الأردن، أو بالأحرى أن الربيع الأردني قد أثمر حقاً في إحداث أثر ما في حياة البلاد، وأن للإصلاح السياسي مستقبل مرئي.
ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر جهود استثنائية، لا تقتصر بطبيعة الحال، على الهيئة المستقلة للانتخابات، وإنما تشمل أساساً خطوات أخرى أكثر أهمية، في مقدمتها الإسراع بحل المجلس السادس عشر، وتكليف شخصية سياسية موثوقة وتحظى بالقبول العام بتأليف حكومة جديدة تتألف من رموز وطنية نظيفة وذات صدقية سياسية، لتوفير أجواء مريحة تشجيع المواطنين على الإقبال على الاقتراع، وكلما إتخذت هذه الخطوة بسرعة، فإن مفاعيلها على الرأي العام والمواطنين سيكون أكبر وأسرع، وربما تمكنت الهيئة المستقلة للانتخابات من الاستفادة من الفسحة المتبقية على إنتهاء موعد التسجيل في نهاية هذا الشهر، لتحفيز المواطنين على الإقدام على تسجيل أنفسهم قبل فوات الأوان.
لقد تجاوزت الهيئة المستقلة للانتخابات في الأيام الأخيرة بعض القوالب البيروقراطية التي حكمت عملها، وإتخذت عدداً من الخطوات التي "تفصل" ما بينها وبين الحكومة الراحلة، والتي لا خلاف على أنها كانت أكبر عائق في وجه تحفيز الناس على التسجيل، وفي توفير أجواء الثقة المطلوبة في إجراء انتخابات نزيهة وذات صدقية، إذ إن لونها السياسي الصارخ برجعيته ومواقفها الاستفزازية للمعارضة ولأصحاب المواقف السياسية المستقلة على حد سواء، قد فاق كل حد.
إن لقاء المفوض العام للانتخابات، السيد عبد الإله الخطيب، مع قادة الحركة الإسلامية لإبداء المرونة السياسة تجاه التسجيل، هي خطوة بالاتجاه الصحيح لفصل الهيئة عن الحكومة، لكنها ليست كافية. ولا شيء يمنع الهيئة من أن تبادر إلى تشكيل لجنة وطنية عليا للتشاور في الشأن الانتخابي، وأن تدعى إلى عضويتها الحركة الإسلامية والأحزاب السياسية والشخصيات المستقلة والكفاءات الانتخابية والنقابات المهنية والمجتمع المدني والحراكات في المحافظات المختلفة، للتشاور وتبادل الآراء بشأن الخطوات القادمة للهيئة، فيما يخص التحضير للانتخابات.
ومن المستحسن أن تبادر الهيئة المستقلة إلى ذلك قبل إنتهاء مدة التسجيل. ولو كنت مكان أصحاب القرار في الحركة الإسلامية وغيرها من القوى المقاطعة، لما امتنعت عن المشاركة في اجتماعات هكذا هيئة، حتى ولو كان ذلك لتكرار بيان موقفها من القانون الانتخابي ومن العملية الانتخابية برمتها. فمثل هذه الهيئة ستكون ذات طبيعة استشارية، والمشاركة فيها لا يؤثر على قراراتها بالمقاطعة أو المشاركة. لكنها فرصة لإبداء النصح، ولتشجيع الهيئة على العمل والتصرف باعتبارها هيئة مستقلة عن الحكومة والسلطات التنفيذية.
هذا، إضافة إلى أن وجود مثل هذه اللجنة يوفر للهيئة المستقلة مظلة للحوار الوطني ولتبادل الآراء والمقترحات بشأن النظام الانتخابي والدور المنشود للهيئة المستقلة للانتخابات، خاصة وأنها تحل، لأول مرة في تاريخ الأردن، محل وزارة الداخلية في الإشراف على الانتخابات وإدارتها. إن تواجد المعارضة إلى جانب قوى سياسية ومدنية وخبراء في لجنة كهذه، يعد إحدى المسؤوليات الوطنية المهمة لتفعيل آليات وضمانات النزاهة والشفافية الانتخابية. لكن قبل ذلك، هل تقدم الهيئة المستقلة على المبادرة بإيجاد هكذا منبر تشاوري لمساندتها في عملها، وهل تسارع إلى دعوة أسماء موثوقة للمشاركة في عضويتها؟!
وغني عن البيان أن هناك خطوات أخرى مطلوبة من الهيئة المستقلة للانتخابات، من مثل مضاعفة جهودها الإعلامية والتوعوية لدعوة المواطنين إلى التسجيل عبر مختلف وسائل الإعلام، ولا سيما الإذاعات المحلية ومحطات التلفزة الوطنية والخاصة، وأن لا تتردد في فتح مراكز تسجيل إضافية للناخبين وتسريع إجراءات التسجيل وإصدار البطاقات.
كذلك على الهيئة التفكير مسبقاً في تشجيع الترشيح ضمن القوائم الوطنية، وتشجيع الاقتراع لمصالحها، وليس فقط للدوائر الفردية، ولعل ذلك يكون موضوع مقال مستقل في المستقبل القريب.
لقد سبق أن أشرت إلى أن حديث الملك إلى وكالة الأنباء الفرنسية ليس بالضرورة الكلمة الأخيرة في موضوع قانون الانتخاب، أو في موضوع الانتخابات المبكرة. فهو يتحدث عن برلمان جديد "في حلول العام المقبل"، ولم يجزم بأن هذه الانتخابات سوف تجرى نهاية العام الجاري. وعليه فإن الباب يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الحكومة المقبلة، وأمام خطوات أخرى لترطيب الأجواء السياسية الداخلية، قبل تحديد الموعد الرسمي للانتخابات. أولاً للوصول إلى عدد مسجلين لا يقف عند "الحد الأدنى المقبول لإجراء انتخابات ذات مصداقية"، وإنما للوصول إلى تسجيل أعلى رقم يمكن بلوغه من المواطنين في سن الاقتراع. وثانياً لتمكين الحكومة الجديدة ورئيسها من تحرير البلاد من الأجواء السياسية القاتمة التي أشاعتها حكومة فايز الطراونة، ومن تنفيس الاحتقانات الداخلية، ما يفتح الباب أمام مناخ سياسي صحي للوصول إلى هذا الاستحقاق الانتخابي الكبير.
لقد تحدث الملك عن "نقلة تاريخية نحو تشكيل الحكومات البرلمانية"، مع إنتخاب البرلمان القادم. ولا أعرف كيف يمكن أن يتحقق ذلك بدون الاقدام أولاً على تنفيس الاحتقانات الداخلية ووضع حد لحالة القطيعة ما بين الحكم والمعارضة، وبدون حكومة إنفراج سياسي تؤهل الأوضاع الداخلية للإقبال على الانتخابات المقبلة، وإتخاذ خطوات تفتح الباب مجدداً أمام توافقات مفصلية على تعديلات في قانون الانتخاب، تسمح لجميع القوى والتيارات السياسية بالمشاركة في الانتخابات المقبلة، وتمكن المجتمع الأردني من استعادة الثقة بمؤسسات الحكم، ومن تحمل أعباء الخروج من الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية، هذه الأزمة التي لم يكن مسؤولاً عنها، لكن يطلب إليه اليوم دفع أثمانها الباهظة.
الأيام الفاصلة سوف تضع أصحاب القرار في الدولة الاردنية على المحك، والاختيار ما بين الاستمرار في أسلوب إدارة الأزمة، وبالأحرى "أسلوب مفاقمة الأزمة"، وبين أسلوب التصدي للأزمة، بمختلف مكوناتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعنوية، والإقدام على مصالحة تاريخية مع المجتمع السياسي والمدني.
إن الأسماء التي تم تداولها، في الأيام القليلة الماضية، لتولي تأليف حكومة الإشراف على الانتخابات في غالبها لا تبشر بالخير. وأنا شخصياً بت، منذ زمن، في عداد المتشائمين، "الذين جربوا المجرب" مراراً وتكراراً. لكني، مثل غيري من الأردنيين، لن أكف عن الأمل بفتح صفحة جديدة لهذا الوطن.
[email protected]
17/09/2012
إنها رجعية، وليست "محافظة" أو "قوى شد عكسي"!
هاني الحوراني
مركز الأردن الجديد للدراسات
نجامل كثيراً عندما نصف تيارات وقوى نافذة ومقررة في الدولة الأردنية باعتبارها قوى "يمينية" أو "محافظة"، أو ندعوها بالتعبير المستحدث منذ مطلع تسعينات القرن الماضي باعتبارها "قوى شد عكسي" أو "حرس قديم". ولعل بعض هذه القوى يطرب لهذه الأوصاف ويعتبرها "رأس مال" له!
هذه التعابير الملطفة التي سادت لردح طويل من الزمن في الأدبيات السياسية في وصف القوى والتيارات التي تعاند التاريخ وتلوي ذراعه عبثاً، وتحول دون إحداث التغييرات البنيوية والقانونية في النظام السياسي والمجال العام، باتت تطمس حقيقة أن هذه القوى وما تحمله من أفكار وتوجهات وما تفرضه من سياسات وتوجهات ليست إلا تعابير اجتماعية وثقافية وسياسية عن الرجعية التي حكمت الأردن لعدة عقود، وتريد أن تبقيه أسيراً لتوجهاتها ومصالحها وارتباطاتها، وهو ما يفسر هذه الاستماتة في معاندة إرادة التغيير التي عبر عنها الشعب الأردني خلال العامين الأخيرين، مواكباً، وحتى سابقاً في بعض الجوانب، ثورات الربيع العربي.
قد يصح تصنيف القوى إلى "يمين" و"يسار" وو"سط" في الأنظمة السياسية التي قطعت شوطاً من الديمقراطية، لكونها، جميعاً، إرتضت الاحتكام إلى قواعد الديمقراطية وقبلت بهذه القواعد دستوراً للحياة السياسية ولإدارة الشأن العام. وقد يصح أن نصنف الأحزاب في بلدنا، مع قدر من التحفظ والحرص، إلى يمين ويسار ووسط، طالما أنها ليست جزءاً من النظام السياسي، بالإستناد إلى هويتها الأيديولوجية وبرامجها السياسية، لكن القوى التي توصف "بالمحافظة" أو "الحرس القديم" أو "الشد العكسي" لا تحددها الأوصاف الآنفة إلا جزئياً، والأصح أن نعود لنستعمل مسمياتها الحقيقية دونما مجاملة أو مواربة، فهي قوى رجعية موصوفة، تدافع عن مشروع رجعي وتتوعد الأردن بمستقبل يبقيه خارج التاريخ وخارج السياق، وهي تعيش في حالة قطيعة عن المصالح الأعم والأوسع للأردنيين، وتفتقر إلى أدنى صلة بوجدان الناس ومعاناتهم اليومية وأحلامهم وتطلعاتهم لحياة أفضل لهم ولأبنائهم.
نقول إنها رجعية، لأن استمرار الحديث عن هذه القوى باعتبارها مجرد قوى "يمينية" أو "محافظة"، يضمر فرضية التكافؤ والندية بين القوى الاجتماعية والسياسية الرئيسية في البلد، ويشيع الاعتقاد بوجود فرص للتأثير والتفاوض والاقناع كنتيجة للحوار بين هذه القوى، كما لو أنها تتبادل الاعتراف بشرعية بعضها البعض. لكننا نؤكد أن رجعية هذه القوى النافذة والمقررة لا زالت تمنعها من الاعتراف بشرعية الآخر، حتى ولو كان يحظى بتأييد شعبي كاسح، أو يتمتع بميزة فكرية أو برنامجية أو صدقية سياسية. كما أنها لا تقبل مجرد شعور الآخر بالندية، أو حتى حقه في التعبير عن رأيه، أو السماح له بترجمة سياساته إلى وقائع عن طريق صناديق الاقتراع. ولذلك تصر هذه القوى الرجعية المهيمنة على استخدام ميزان القوى المفروض لإملاء ديمومة، وحتى أبدية، هيمنتها السياسية والثقافية بشتى الطرق، ما يفسر إحجامها عن فتح الباب أمام تعديلات دستورية ذات شأن، أو إعداد دستور ديمقراطي عصري، وكذلك إصرارها على وضع قانون انتخاب على مقاس مصالحها في إدامة الهيمنة، مع إبقاء هامش لرمزية تمثيل القوى الأخرى.
نقول إنها الرجعية، كصفة لهذه القوى، لأن هذه الأخيرة ليست مجرد قوى مادية مجسدة في مؤسسات دستورية مُعرَّفة بدقة في الدستور، وتنهض بمهامها استناداً إليه، أو إلى قوانين محددة معروفة مسبقاً. فهي مزيج من القوى والمؤسسات المادية والعلاقات والثقافات والتقاطعات المصلحية والتواطؤات. إنها أيضاً مناخ و"جو" سياسي قاتم وكئيب، يرخي ظلاله على كل جوانب الحياة اليومية.
في عصر سابق، حين كانت الشعوب العربية تناضل من أجل التحرر من الاستعمار والتبعية الاقتصادية، وتتطلع إلى الاستقلال الوطني الحقيقي، وإلى التنمية والعدالة الاجتماعية، وإلى الوحدة العربية والحرية، في ذلك العصر سادت تعابير "الرجعية" و"أتباع" أو " أذناب" الاستعمار، في مقابل تعابير "قوى التحرر العربي" و"التقدم"، وكان الشعب الأردني يتطلع إلى الانضمام إلى "قافلة التحرر العربي"... حينها كان تعبير الرجعية يتسم غالباً بالطابع السياسي، ليصف القوى الموالية للاستعمار أو التابعة للغرب.
في أيامنا هذه لم تعد صفة الرجعية تقتصر على المعنى السياسي القديم، أي الحفاظ على علاقات الأمر الواقع مع الغرب الاستعماري. وإنما بات المفهوم يترجم نفسه اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وسلوكياً، إلى الحد الذي بتنا فيه نكاد نترحم على زمن الرجعية السياسية التقليدية، التي كنا نراها في رموز، مثل توفيق أبو الهدى وإبراهيم هاشم وحتى سمير الرفاعي الجد. فقد كان هؤلاء من أنصار التكيف مع موازين القوى الراجحة للاستعمار، لكنهم غادروا الحياة وهم فقراء، أو دون ثروة شخصية يورثوها للأبناء والأحفاد، كما كان إحترام المال العام جزءاً من تقاليد مؤسسة الحكم، ولم يكن الفساد واحداً من صفات الحاكمين الرئيسية، بل لعله كان أقل صفاتهم بروزاً.
رجعية القرن الواحد والعشرين لم تعد تكتفي بدورها كعرابة لنظام "الريع السياسي" في المنطقة، وإنما باتت حارسة لا يشق لها غبار في الدفاع عن كل أنواع الريوع السياسية وغير السياسية، الإقليمية والمحلية، ومقاتلة شرسة في تهريب الفاسدين من المساءلة والمحاكمة وضليعة في الحيلولة دون إستعادة المليارات المنهوبة من ثروات البلد وعوائده، حتى حين تئن الغالبية الغالبة من المواطنين من وطأة الفقر والبطالة وضيق الحال، وحتى في زمن تتعاظم ديونه الداخلية والخارجية، ليعود مرة أخرى تحت رحمة صندوق النقد الدولي وشروطه المعروفة. ولذلك فإننا نقول أن كافة الاستعصاءات التي مر بها الأردن منذ نهاية الثمانينات، حين بدأ مرحلة الانفتاح السياسي وأجرى أول انتخابات نيابية كاملة، ماهي إلا تعبيراً عن أزمة استحكام الرجعية وإستقتالها من أجل جعل إجراءات الانفتاح السياسي في أقل الحدود، وإنتقائية وذات طبيعة تجميلية وحتى مؤقتة. ولكم أن تتصوروا كم خسر الأردن منذ عام 1989 حتى الآن، بسبب مقاومة الرجعية لأن يعود الأردن بلداً طبيعياً ومجتمعاً سوياً واقتصاداً عفياً، محرراً من الفساد والمحسوبية ومن قيود نظام الريع السياسي المعبر عن مصالح القلة النهَّابة.
جذر مقاومة الأقلية الرجعية المستبدة للإصلاح، والأحرى للتغيير الجدي، هو رغبتها في إعادة الأردن إلى عهود الاستعمار والقوانين الاستثنائية والأحكام العرفية والمجالس النيابية الشكلية التي عرفها الأردن في الخمسينات والستينات، وتلك المجالس التي تسببت بنزعة اللامبالاة المتجذرة تجاه الانتخابات البرلمانية والمجالس النيابية، والتي فاقمتها أعمال التزوير الصريح في انتخابات 2007 و2010.
وفي هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ الأردن المعاصر، وفيما الدولة على حافة الإفلاس المادي، ناهيك عن الاستنزاف المعنوي والأخلاقي، وفيما المجتمع يعاني من الإفقار والبطالة ومن أشكال الاستخفاف بعقول أبنائه وتطلعاتهم وكراماتهم فإنه لا يجب القبول بتمويه الأزمة الراهنة والتلطيف من وقعها بالمزيد من جرعات التخدير والتسويف. ولا يجب السماح للأقلام الصحفية أو القوى السياسية المحسوبة على المعارضة باعطاء شهادات زور للقوى الرجعية المهيمنة أو للتعامل معها باعتبارها مجرد قوى "محافظة" أو "يمينية" أو قوى "شد عكسي"!
إن الأزمة الحاضرة هي أزمة الرجعية التي تتحكم بمصائر البلد وتقامر بحاضره ومستقبله، ولابد من توصيف الأشياء بأسمائها الحقيقية، والكف عن إعطاء المواطنين آمال كاذبة بأن الرجعية المستبدة قابلة بالإصلاح أو مؤهلة للقيام به.
[email protected]