31/03/2026
نصُّ كلمةِ سماحةِ الشيخ أحمد العاملي (دام ظلّه) في حفل تكريم الشيخ قيصر عباس النجفي
بِسْمِهِ تَعَالَى
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي أَنَارَ الْقُلُوبَ بِنُورِ الْعِلْمِ، وَرَفَعَ أَهْلَهُ دَرَجَاتٍ، فَقَالَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ"، وَقَالَ: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ"، وَقَالَ: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ"، وَجَعَلَ الْعِلْمَ سَبِيلًا إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَطَرِيقًا إِلَى رِضْوَانِهِ، وَجَعَلَ تَعْلِيمَهُ أَمَانَةً عُظْمَى، وَمَسْؤُولِيَّةً كُبْرَى.
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ، الَّذِينَ أَخْرَجُوا النَّاسَ مِنْ ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ إِلَى نُورِ الْمَعْرِفَةِ، وَأَقَامُوا دَعَائِمَ الْعِلْمِ وَالْهُدَى، وَكَانُوا مَصَادِيقَ قَوْلِهِ تَعَالَى: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ".
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ الْكِرَامُ، نَقِفُ الْيَوْمَ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْمُبَارَكِ، لِنَشْهَدَ انْطِلَاقَ رِسَالَةٍ، وَلَا لِنُوَدِّعَ شَخْصًا، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ لَا يُوَدَّعُونَ بَلْ يُمْتَدُّ بِهِمُ الْأَثَرُ، وَلَا يَنْقَطِعُونَ بَلْ يَتَّسِعُ بِهِمُ النُّورُ، فَنَحْنُ أَمَامَ مَسِيرٍ جَدِيدٍ، يَنْطَلِقُ مِنَ النَّجَفِ الْأَشْرَفِ، مِنْ مَهْبِطِ الْعِلْمِ وَمَوْطِنِ الْمَعْرِفَةِ، مِنْ جِوَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى، إِلَى بَاكِسْتَانَ، حَيْثُ سَتُزْرَعُ الْكَلِمَاتُ، وَتُبْنَى الْعُقُولُ، وَتُصَاغُ النُّفُوسُ، وَيَمْتَدُّ أَثَرُ الْعِلْمِ فِي الْأُفُقِ الْبَعِيدِ.
إِنَّ هَذَا السَّفَرَ لَيْسَ انْتِقَالًا فِي الْمَكَانِ، بَلْ هُوَ انْتِقَالٌ فِي الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَاتِّسَاعٌ فِي الرِّسَالَةِ، وَتَجَدُّدٌ فِي حَمْلِ الْأَمَانَةِ، تِلْكَ الْأَمَانَةُ الَّتِي قَالَ فِيهَا تَعَالَى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا..."، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَصَادِيقِهَا حَمْلُ الْعِلْمِ، وَنَشْرُهُ، وَتَبْلِيغُهُ.
أُسْتَاذَنَا الْفَاضِلُ، إِنَّكَ سَتَسِيرُ فِي طَرِيقِ الْأَنْبِيَاءِ، فَالتَّعْلِيمُ مِيرَاثُهُمْ، وَالدَّعْوَةُ سُنَّتُهُمْ، وَبِنَاءُ الْإِنْسَانِ هُوَ جَوْهَرُ رِسَالَتِهِمْ، فَكَمَا قَالَ تَعَالَى: "وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ"، فَالتَّعْلِيمُ تَزْكِيَةٌ، وَتَرْبِيَةٌ، وَإِحْيَاءٌ لِلْقُلُوبِ.
وَفِي زَمَنٍ تَتَكَاثَرُ فِيهِ الشُّبُهَاتُ، وَتَتَزَاحَمُ فِيهِ الْأَفْكَارُ، يَكُونُ الْعَالِمُ حِصْنًا لِلْأُمَّةِ، وَسُورًا لِلْعَقِيدَةِ، وَمِصْبَاحًا لِلْهُدَى، كَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ"، وَمَا يُحْسِنُهُ الْعَالِمُ هُوَ بِنَاءُ الْإِنْسَانِ، وَصِيَانَةُ الْفِكْرِ، وَإِحْيَاءُ الْقُلُوبِ.
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ، إِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ يُؤَكِّدُ عَلَى عَظَمَةِ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، فَيَقُولُ: "وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا"، وَيَقُولُ: "وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا"، وَيَقُولُ: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا"، فَالْعِلْمُ دُعَاءٌ، وَتَوَاضُعٌ، وَدَعْوَةٌ إِلَى اللَّهِ.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ"، وَقَالَ: "الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ"، فَالْعِلْمُ حِرَاسَةٌ لِلْإِنْسَانِ، وَحِفْظٌ لِرُوحِهِ، وَصِيَانَةٌ لِمَسِيرَتِهِ.
أُسْتَاذَنَا الْعَزِيزُ، وَأَنْتَ تَتَوَجَّهُ إِلَى بَاكِسْتَانَ، سَتَحْمِلُ مَعَكَ رُوحَ النَّجَفِ، بِعُمْقِهَا، وَبِتَارِيخِهَا، وَبِحَوْزَاتِهَا، وَبِعُلَمَائِهَا، وَبِمَجَالِسِ عِلْمِهَا، وَبِصَبْرِ طُلَّابِهَا، وَسَتَكُونُ مُمَثِّلًا لِهَذَا الْإِرْثِ الْعَظِيمِ.
فَكُنْ كَمَا قَالَ الصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "كُونُوا دُعَاةً لَنَا بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ"، أَيْ بِأَخْلَاقِكُمْ، وَبِتَوَاضُعِكُمْ، وَبِعِلْمِكُمْ، وَبِصَبْرِكُمْ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ"، فَاجْعَلِ الرَّحْمَةَ أَسَاسَ تَعْلِيمِكَ، وَاجْعَلِ الصَّبْرَ مِفْتَاحَ نَجَاحِكَ، وَاجْعَلِ الْإِخْلَاصَ سِرَّ قَبُولِ عَمَلِكَ.
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ، إِنَّ تَرْبِيَةَ الطَّلَبَةِ هِيَ أَمَلُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ الَّتِي تَحْفَظُ الدِّينَ مِنَ الِانْحِرَافِ، وَقَدْ وَرَدَ: "مَنْ عَلَّمَ بَابَ هُدًى فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهِ"، فَكَمْ مِنْ أَجْرٍ سَيُكْتَبُ، وَكَمْ مِنْ نُورٍ سَيَنْتَشِرُ.
إِنَّنَا الْيَوْمَ لَا نُوَدِّعُ، بَلْ نُجَدِّدُ الْعَهْدَ، وَلَا نَفْتَرِقُ، بَلْ نَمْتَدُّ، فَهَذِهِ رِسَالَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، وَمَسِيرَةٌ لَا تَنْقَطِعُ، وَنُورٌ يَنْتَقِلُ مِنْ قَلْبٍ إِلَى قَلْبٍ.
أُسْتَاذَنَا الْعَزِيزُ…
وَأَنْتَ تَمْضِي فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ… تَحْمِلُ مَعَكَ دُعَاءَنَا… وَمَحَبَّتَنَا… وَثِقَتَنَا…
تَحْمِلُ النَّجَفَ… وَتَزْرَعُهَا فِي قُلُوبِ طُلَّابِكَ…
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَ لَكَ أَبْوَابَ التَّوْفِيقِ، وَأَنْ يَجْعَلَ عِلْمَكَ نُورًا، وَكَلِمَاتِكَ هِدَايَةً، وَخُطُوَاتِكَ مُبَارَكَةً…
وَأَنْ يَجْعَلَكَ مِمَّنْ قِيلَ فِيهِمْ:وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا"
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.
31/03/2026
28/03/2026
20/03/2026
19/03/2026
18/03/2026
17/03/2026
16/03/2026
15/03/2026
14/03/2026
13/03/2026