الشعوب تفخر بمآثرها وتراثها الفكري والعلمي , ومن الحري بنا أن نفخر نحن بماضينا العريق , الذي شع ضياؤه ليملأ جنبات الأرض بالعلم والمعرفة , فمن هذه الأرض أرض بابل انبثقت حضارة الحرف الأول لتنشر جناح الفكر على آفاق الدنيا , ولعل صرحنا العلمي هذا شيد تواصلا مع ذلك الماضي العريق , واخذ من مدينتنا اسماً له ليكون ابناً باراً لإرثنا العظيم , وامتداداً حقيقياً لمدارسها التي انتشرت حينذاك , وأدارت عجلتها الفكرية , ورفدتها بالكلمة الحقة , والفكرة النيرة , فكانت هذه المدرسة ليست بناية وقاعات فحسب , بل تراث يحمل بين انعطافاته كل الحكايات الجميلة وطرافتها , وكل الأيام القاسية وأوجاعها , ولو أن جدرانها تكلمت لروت لنا عن الأجيال التي مرت ونقشت أسماءها نوراً عليها , لتتقاطع عليها الكلمات ذكرى فلان وفلان , وذكرى كذا وكذا , وتحدثت عن الرجالات التي انبثقت من قاعاتها , ليركزوا قاماتهم على ارض مدينتها ,ويكونوا لها أوتادها .
إن المدرسة في مسيرتها الطويلة التي نيفت سنواتها على الخمسين إنما كان مثلها فيها مثل الذي يرتقي جبلا , يشقى في ذلك ويتعب ومع العزيمة والعناد والإصرار يصل القمة , ويضع قدمه عليها , بيد إن الأصعب من ذلك والأعسر هو المحافظة على هذا المنجز , والبقاء في القمة , لان الوصول إليها لم يكن هو المبتغى بل البقاء فيها هو الغاية , وهو المنى , ونحن بعون الله باقون فيها , ومستمرون عليها , وقد قيل : رضا الناس غاية لاتدرك , ولكن مثل هذا لم يثنينا عن السير قدما, ولم يثبط عزائمنا عن التواصل , بل لمّا نزل إدارة ومدرسين نخطو في الاتجاه الصحيح الخطوة تلو الأخرى , ونحقق نجاحا بعد آخر , وكل ذلك وفاء منا لمكانة هذه المدرسة ومحافظة على منزلتها بين نظيراتها.