09/02/2025
📖 وهبتُ لكَ نفسي | الفصل الأول: اللقاء الأول
🌧️ مدينةٌ يلفُّها الضباب، وأسرارٌ تختبئُ خلف الوجوه…
في أحد أزقة المدينة المزدحمة، حيث تتدلى أضواء النيون الباهتة من شرفات البيوت العتيقة، وتختلط رائحة القهوة المُرّة برطوبة الأمطار، وقفت "ليلى" تتجنب برك الماء المتشكلة على الرصيف المُتصدع. كانت تمسك كتابًا بعنوان "هروب إلى المجهول"، تغطيه بمعطفها البني البالي، بينما تتلفت حولها بعينين واسعتين كأنما تطاردها ظلال الماضي.
لمحت من زاوية عينها لافتة مقهى متهالكة تُضيئها مصباحَةٌ صفراء متقطعة، فقررت الاحتماء تحتها. كان المكان يبدو وكأن الزمن توقف فيه منذ عقود؛ جدران مغطاة بورق مُتقشر، وطاولات خشبية عليها ندوب سجائر، وفي الزاوية، عجوزٌ جالسة تُقلّب أوراق تاروت بنظرة ثاقبة، وكأنها تراقب كل دخيل.
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى ظلَّلَها ظلُّ مظلة سوداء. رفعت ليلى رأسها فوجدت شابًّا طويل القامة بمعطفٍ أسود مبلل، تلمع في يده اليسرى وشمٌ غريبٌ يشبه دائرةً مثلثة النقاط، لكنه اختفى سريعًا عندما حرك ذراعه. كانت عيناه بلون ليل المدينة، عميقتين تحملان بريقًا غامضًا، وكأنهما تخبئان ألف حكاية لم تُحكى.
— "أعتقد أن هذا سقط منكِ."
لم تنتبه لسقوط كتابها، ربما لأن صوت البائع الجائل عند زاوية الشارع ناداه فجأة: "يا أستاذ سليم! مظلتك!"، لكن الشاب لم يلتفت، وكأن الاسم لا يعنيه.
— "شكرًا…" — همست، بينما لاحظت أن المطر توقّف فجأة بمجرد وقوفه بجانبها، رغم أن السحب كانت لا تزال سوداء.
— "الجو هنا لا يرحم أحدًا."
— "ولا يرحم معاطفَ الأغراب أيضًا."
جلسا في المقهى قرب العجوز، التي لم تفقدهما بنظرةٍ منذ دخلا.
— "اسمي آدم… طبيب، لكنني أبحث دائمًا عن أدويةٍ لأمراض النفوس."
دار الحديث عن الكتب والأساطير القديمة، لكن ليلى لاحظت أنه يتجنب أي سؤال عن ماضيه. وفي لحظة صمت، سمعت صوت الساعة الحائطية القديمة تُنادي كل دقيقة بصوتٍ أجش، بينما همست العجوز لنفسها بلغة غير مفهومة، محدقة في أوراق التاروت وكأنها ترى شيئًا مرعبًا.
— "أحيانًا… علينا أن ندفن ذكرياتنا لنعيش."
قبل أن ترد، انقطع المطر تمامًا، فقررت المغادرة.
— "إلى اللقاء، يا طبيب."
في طريقها، لمحت بصمة ماءٍ غريبة على الأرض تشبه الوشم الذي رأته على يد آدم، لكنها تجاهلتها. وفجأة… رنَّ هاتفها. رقم مجهول.
— "الكتاب ليس كل شيء… سأريكم ما خلف الصفحات."
التفتت بسرعة، لكن الشارع كان خاليًا إلا من ظلٍّ طويلٍ يتلاشى خلف ضبابٍ كثيف…
💥 (الفصل القادم: بين السطور… حيث لا أحد ينجو من الحقيقة.)
#تشويق #غموض
17/01/2013
13/01/2013
18/11/2012