21/01/2026
بقلم د/أماني جودة
مهارة التفاوض واحدة من أهم "مهارات البقاء" الاجتماعي التي يمكننا توريثها لأطفالنا. هي ليست مجرد محاولة للحصول على ما نريد، بل هي فن البحث عن "أرض مشتركة" تضمن سعادة الجميع. كمدرب مهارات حياتية، أرى أن الطفل المفاوض هو طفل يتمتع بذكاء عاطفي عالٍ، وقدرة فائقة على حل المشكلات بعيداً عن الصراخ أو التنازل المستمر.
ويمكننا ان نعرض مفهوم التفاوض من خلال قصة تطبيقية نعلّمها للأطفال لتبسيط هذا المفهوم العميق.
التفاوض: ليس مجرد "تقسيم للحلوى" بل فهم للاحتياجات
كثير من الآباء يعتقدون أن "العدل" هو تقسيم الشيء المتنازع عليه إلى نصفين بالتساوي. ولكن في عالم مهارات الحياة، العدل الحقيقي هو أن يحصل كل طرف على ما يحتاجه فعلياً. ولكي يعرف الطفل ماذا يحتاج الآخر، عليه أن يتعلّم "فن السؤال" قبل "فن الإصرار".
قصة البرتقالة الأخيرة: درس في ذكاء التفاوض
في مطبخ "الطهاة الصغار" الشهير، كانت الأجواء مشحونة بالحماس في نهائي مسابقة الطبخ الكبرى. وصل "شادي" و"ليلى" إلى المرحلة النهائية، وكان على كل منهما إنهاء طبقه المتميز للفوز باللقب.
فجأة، اكتشف الاثنان كارثة! لم يتبق في المطبخ سوى برتقالة واحدة فقط.
ركض شادي نحو البرتقالة قائلاً: "أنا أحتاجها لطبقي!"
ردت ليلى بحدة: "بل أنا من يحتاجها، لن يكتمل وصفتي بدونها!"
بدأ الشجار يشتد، وفكر كلاهما في حل سريع وسهل للخروج من المأزق: "حسناً، لنقسم البرتقالة بالسكين إلى نصفين، يأخذ كل منا نصفاً وينتهي الأمر". وهذا ما فعلاه بالفعل.
ولكن، هل كانت هذه هي النتيجة المثالية؟
أخذ شادي نصف البرتقالة، قام بعصرها، لكن كمية العصير كانت قليلة جداً ولم تكفِ لصوص الدجاج الذي يصنعه، فخرج طبقه ناقص النكهة.
أخذت ليلى نصفها الآخر، وقامت ببشر القشرة، لكن كمية البشر كانت ضئيلة جداً ولم تعطِ الكعكة الرائحة المطلوبة، فخسرت التميز.
الحل الغائب: ماذا لو تفاوضا؟
لو توقف شادي وليلى للحظة وسأل كل منهما الآخر: "لماذا تحتاج البرتقالة؟" لكانت النتيجة مذهلة:
كان شادي سيقول: "أنا أحتاج العصير فقط".
وكانت ليلى ستقول: "أنا أحتاج بشر القشرة فقط للنكهة".
في هذه الحالة، كان بإمكان ليلى أن تأخذ القشرة كاملة (100%)، ويأخذ شادي الثمرة ليعصرها كاملة (100%)، وبذلك يحصل كل منهما على احتياجه كاملاً بدلاً من خسارة نصفه!
كيف نعلّم أطفالنا التفاوض من وحي القصة؟
من خلال هذه القصة، يمكننا كأولياء أمور ومدربين غرس 3 قواعد ذهبية في عقول أطفالنا:
اسأل "لماذا" قبل أن تقول "لا": علّم طفلك أنه عندما يتنافس مع صديقه على لعبة، عليه أن يسأل: "ماذا تريد أن تفعل بها؟". قد يكتشف أن أحدهما يريد تدوير العجلات والآخر يريد وضع العروسة بداخلها، ويمكنهما فعل ذلك معاً.
تحديد الاحتياج (Needs) مقابل الرغبة (Wants): الرغبة هي "أريد البرتقالة"، أما الاحتياج فهو "أريد الطعم الحامض في العصير". التفاوض الناجح يركز على الاحتياجات.
البحث عن حل "الكل رابح" (Win-Win): التفاوض ليس معركة فيها غالب ومغلوب، بل هو "فزورة" نحلها معاً ليربح الجميع.
كلمة أخيرة لكل مربٍّ
التفاوض ممارسة يومية؛ ابدأ مع طفلك في اختيار وجبة العشاء أو وقت اللعب باستخدام أسلوب "الأسئلة الذكية". عندما يتعلم الطفل كيف يفهم احتياجات الآخرين، فإنه لا يتعلم فقط كيف يحصل على ما يريد، بل يتعلم كيف يكون قائداً، متعاطفاً، وذكياً اجتماعيًا.