26/02/2026
هل الفلسفة الإسلامية إبداع أم تقليد ؟ هل يصدق القول حقا بان الفلسفة الإسلامية وليدة الفلسفة اليونانية؟
طرح المشكلة: إن الحديث عن وجود فكر عربي إسلامي .أو فلسفة بمفهومها الخاص يقودنا إلى الحديث عن أهم الحضارات التي أنشاها المسلمون ،وبلغ صيتها أفاق البلاد آنذاك ، بحيث هيمن الفكر الإسلامي على العالم اجمع أمدا طويلا ومن أهم التجليات التي عجلت بفكر فلسفي عربي معرفة العرب لمختلف العلوم كالرياضيات والفلك والبصريات وغيرها من العلوم ، غير أن بعض المؤرخون والفلاسفة اختلفوا حول رصد الأسباب التي كانت سببا في نشأة الفلسفة الإسلامية إذ ذهب البعض منهم إلى أنها ظهرت نتيجة عوامل خارجية أهمها تأثير العرب والمسلمون بالفلسفة اليونانية والحضارات الشرقية عامة، في حين عدا البعض بأنها نتاج عوامل داخلية من بينها علم الكلام وبعض الأمور الفقهية وعليه يمكننا أن نتساءل : هل الفلسفة الإسلامية إنتاج تأثيرات خارجية ، أم أوجدتها عقلية عربية فرضتها الحاجة؟
محاولة حل المشكلة :
الأطروحة الاولى : ينطلق أنصار هذه الأطروحة من مسلمة مفادها أن الفلسفة الإسلامية فلسفة أصيلة منبعا صاف أوجدتها الحاجة العربية والإسلامية وليست اقتباس من غيرها . والدليل على ذلك أن العرب والمسلمون استطاعوا أن يبدعوا في مجالات شتى كعلم الكلام مثلا والرياضيات والهندسة والفلك والبصريات وعلم العمران وغيرها من العلوم إذ من الصعب جدا أن نتحدث عن فلسفة إسلامية دون أن يكون الإسلام أساسها بدليل ظهور بعض المشكلات الفلسفية الصلة ف الفكر الإسلامي يقول جوستاف لوبون :)إن العرب استطاعوا أن يبتدعوا حضارة جديدة ، بما استعاروه من الفرس واليونان والروم ( هذا وقد أكد الدكتور عبد الحليم محمود هذا الموقف بقوله : )حتى وان لم تكن الكتب الفلسفية ترجمت في ذلك الوقت إلى اللغة العربية ... ومع ذلك فان المشكلات الفلسفية الخاصة بالتنزيه والعدل ... قد أثيرت ونوقشت ( ثم إن اتصال العرب مع غيرهم من الأمم تم قبل الإسلام من خلال رحلتي الشتاء والصيف التي كانت تقودها قريش بالإضافة إلى تعاملات العرب مع الفرس والروم ومع الملوك الغساسنة وغيرها من الأمم. ولعل من بين العوامل الداخلية التي أدت إلى ظهور الفلسفة الإسلامية علم الكلام والذي أساسه الدفاع عن العقيدة والدين بالأدلة العقلية ضد كل مشكك في الدين من الكفار والملاحدة، هذا وقد تأكد سابقا أن موضوعات التفكير الفلسفي الإسلامي في أول نشأته كانت إسلامية خالصة . وما يؤكد لنا ضرورة الجدل في الفكر الإسلامية هو دعوة القران في ذاته جاء في قوله تعالى :– ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن –إضافة إلى قوله تعالى : – ولا تجادلوا أهل الكتاب إلى بالتي هي أحسن - كما أن الفلسفة اليونانية لم تكن سوى رافد أساسه التأثير الثقافي المتبادل ونتيجة للتجاور المكاني.حيث عمد المسلمين في دراسة الفلسفة اليونانية منهج المقارنة وليس أسلوب المتعلم ، ورفضوا ما يتعارض مع الدين وتقبلوا ما لا يعارض العقيدة من مذاهب وأراء .
النقد والمناقشة : لكن ومما هو ملاحظ أن بعض المؤرخين للفلسفة يعتبرون أن الفلسفة الإسلامية ليست فلسفة خالصة ، بقدر ما هي تقليد ومحاكاة للفلسفة اليونانية ، وان الفلسفة الإسلامية في مجملها ما هي إلى نقل وترجمة للفكر اليوناني أي أنهم وسطاء أدوا دورا كان لابد لهم أن يؤدوه ، وقد اعترف المسلمون أنفسهم بذلك في جل مؤلفاتهم فقد ظهر أن تأثروا بالثقافات اليونانية والهندية والفارسية إضافة إلى ما تأثرت به هذه الثقافات من أفكار دينية أخرى معاصرة لها سواء كانت مسيحية أو بوذية أو يهودية إلى آخره .
نقيض الأطروحة : في المقابل يرى بعض مؤرخي الفلسفة بان المسلمين لم تكن لهم فلسفة على الاطلاق ، وان كل فلسفة المسلمين تعود بالأصل إلى نقل التراجم وبخاصة الفلسفة اليونانية وقد برروا موقفهم بالحجج التالية : هو أن القران الكريم والسنة لم يدفعا المسلمين والى التفلسف بقدر ما عدا المسلمين إلى التأمل والتدبر العقلي ، بل نجد في الحقيقة أن هناك مؤثرات خارجية ولجت إلى ديار المسلمين في زمن عصور الترجمة ومحاولة العلماء الذين خاضوا في هذه العلوم الجديدة الوافدة التوفيق بين رصيدهم من العلوم النقلية الفلسفية المنقولة باللغة السريانية أو العبرانية عن اللغة اليونانية ، هذا وقد أثرت حركة النقل والترجمة الحياة العلمية عند المسلمين خاصة في مجال العلوم الطبيعية مما يعني أن الفلسفة الإسلامية هي نوع من التكرار للفلسفة اليونانية يقول المؤرخ الفرنسي ارنست رينان : - أن المسلمون لم تكن لديهم فلسفة خاصة بهم ، وان كل ما ندعوه فلسفة السلامية يعود في نشأته إلى عوامل خارجية أساسها ترجمة كتب كبار فلسفة اليونان – كما أن بداية حركة الترجمة الاولى كانت في العصر العباسي في خلافة المنصور وكان رواجا مشعا لحركة الترجمة اليونانية من فلسفة وعلوم طبيعية .إذ برزت بعض الأسماء لكبار المترجمين اندك منهم سرجيوس الرأس عيني أو الرسعني والذي ترجم آثار جالينوس في الطب والأخلاق وأثار أرسطو الخاصة بالمنطق . إلى السريانية وترجمة عبد الله ابن المقفع والذي كان ترجمانا من الفارسية إلى اللغة العربية –كليلة ودمنة- وازدهرت الترجمة في عصر المأمون آذ تم تأسيس مدرسة الحكمة في بغداد بقيادة يحيى بن ما سويه ثم تولى الأمر تلميذه حنين بن اسحق وكان هذا الأخير من أشهر مترجمي الكتب اليونانية إلى السريانية والعربية دون منازع كما عرف المسلمون أفلاطون واعتبروه اقرب الفلاسفة إليهم لأنه تحدث عن الخلق الإلهي إذ برهن على وجود النفس وتحدث عن قدرت الخالق آذ تأثر به الكندي الفرابي وابن سينا وغيرهم من المسلمين بالإضافة إلى ظهور التيار الاشراقي الافلوطيني
النقد والمناقشة : نلاحظ انه حقيقة المسلمون تأثروا أول مرة بالفلسفة اليونانية ، غير أن هذا لا يمنع من وجود فلسفة عند المسلمين كان سبب وجودها هو ما لم يكن جديد عند منتسبي الإسلام –ماروه غريبا وغامضا مقارنة بالمرحلة التي سبقت إسلامهم فحاولوا فهم كل غموض أو غرابة باستخدام العقل بالاظافة إلى عامل وجود مدارس الزهد الصوفية ، لذلك فموقف هؤلاء المؤرخين فيه دعوى عنصرية خطيرة أساسها أن العرب من الجنس السامي لذلك لا قدرة لهم على خلق تفلسف خاص بهم وان عقولهم بعكس اليونان لا تقدر على خلق تفكير ولو كان جزئيا .
التركيب :نستنتج مما سبق ذكره أن الفلسفة الإسلامية تعود في نشأتها والى عوامل داخلية وأخرى خارجية ، إذ أن هناك تأثيرا متبادل بين الفلسفة الإسلامية واليونانية فالفلسفة الإسلامية جزء لا يتجزأ من التراث الفكري العالمي ، فإذا تصورها البعض بأنها نهلت من الفلسفة اليونانية فإنها في الان نفسه تغذت من مصدر أصيل وهو الإسلام كعقيدة عالمية فكانت بذلك شاملة للثقافتين ، كما أنها مستعدة لاستعاب مستجدات العصر
حل المشكلة : ما نخلص إليه في الأخير هو آن الفلسفة الإسلامية ليست نتاجا إسلاميا بحتا ، كما إنها ليست أيضا مجرد نقل وترديد لأفكار فلاسفة اليونان ومحاولة لشرحها ، بل كان لتأثير المسلمين بأفكار الشعوب الأخرى وثقافتهم وحاولوا شرحها واستيعابها ، كما أن للعرب ابتكارات خاصة حول مواضيع جديدة في زمنهم تتعلق بدينهم الجديد –الإسلام – كما أنهم حولوا فهم الدين عقليا والدفاع عنه
Send a message to learn more