قبل أيام، ضجّ الناس لوفاة عالمٍ جليلٍ من أهل القرآن وخاصّته. لم أكن – لجهلي – أعرفه، وسمعت عنه عند موته عبر مقاطع وفيديوهات يتحدّث فيها عن القرآن، وكأنك – والله – تسمع الآيات ومعانيها لأول مرة…
فقلت في نفسي: لأبحث وأتعرّف أكثر عن هذا الرجل الذي عاش بيننا بلا ضجيج… مرَّ على حياتنا ظلًّا خفيفًا، لا يعرفه الكثير، وهذا – والله – لا يضرّه. لكنه حين رحل، كشف الله للناس ستر فضائله، فجعل له لسانَ ذِكرٍ بين الناس، وكتب له المحبّة في قلوبهم رغم أنهم لم يروه.
مثل هذا الرجل زكّاه علمه وعمله لا شهرة ولا مال، ورفعه الإخلاص لا الأضواء – نحسبه كذلك ولا نزكّيه على الله – إنّه الشيخ اليمني المهندس محمد المقرمي…
رجل تخصّصه الهندسة الكهربائية في المطارات، وسافر في مشاريعها بين بلدان العالم، ثم وجد نفسه في رحلة مختلفة تمامًا: رحلة التجربة القرآنية التي صار الناس يسألون عنها ويستوقفهم أثرها.
شاهدتُ له بالأمس بودكاست "ظلال" يتحدّث فيه عن تجربته مع القرآن وكيف أضاء القرآن واقعه، فقال الشيخ رحمه الله:
«بدأت الحكاية من لحظة فراغ حقيقي…
كنت أعمل ليلًا ونهارًا في الميدان، وحين تطوّرت إداريًا وابتعدت عن الميدان، وجدت نفسي أمام وقتٍ طويل لا يحمل المعنى الذي كنت أظنّه “راحة”. أدركت أن الراحة ليست في قلّة العمل، فبدأتُ بالبحث عن حل.
وكنت أصعد يوميًا إلى سطح منزلي بعد العشاء، أجلس ساعات طويلة أتأمّل السماء في صمت. ومن هذا التأمّل وصلت إلى قناعة فاصلة: أن القرآن هو الحل لكل مشاكلي النفسية.
استوقفتني آية: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾
فبكل بساطة: إذا كان ذكري فيه، فلا بد أن أجد نفسي ومشاكلي وأجوبتها في هذا الكتاب.
بدأت أقرأ القرآن قراءة من نوع مختلف؛ قراءة مَن يبحث عن نفسه في الآيات. فوقفت عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا…﴾ ففهمتها “بالبلدي”: أن نفسي هذه تصعد لربها في الليل، فإن كان لي عمر رُدّت إليّ صباحًا. فخطرت لي فكرة بسيطة جدًّا وعميقة في الوقت نفسه:
“فكنت قبل ما أنام أحمّل نفسي رسالة وأقول لها: بلّغي ربّي عني.”
فكنت أنام على سؤال، حاجة، أو همٍّ أحزنني، ثم أستيقظ وقد فُتح لي في المعنى والجواب بما لم أقرأه في كتاب ولم أسمعه من أحد.
من هنا بدأت تتشكّل عندي قناعة أن شيخي في الفهم هو رسول الله ﷺ، وأن المنهجية والمعطيات لا بد أن تخرج من القرآن والسنّة مباشرة.
ومع ذلك ساقني الله إلى شيوخ يفتحون لي في فهم الآية، حتى وصلتُ إلى شيخٍ يشرح على نمط الشيخ الشعراوي رحمه الله، أجلس معه على الآية ساعة وساعتين. فلازمتُه حتى شعرت أن ما عنده قد استُنفِد، وأن حاجتي الكبرى لا تزال في هذا الكتاب نفسه.
من هنا انتقلتُ لمرحلة أسميتها: صحبة القرآن.
صحبة حقيقية تعني أن أجلس مع القرآن الساعات نفسها التي كنت أجلسها مع الشيخ. أقرأ، أَنس، أستوحش من الخلق، وأستريح في جلستي مع المصحف.
ومع طول الصحبة بدأت أشعر أن القرآن يضع “شروطًا لصحبته، ولهذه الصحبة موانع”: فأخذتُ أسأل في نفسي: ما هو المانع الذي يحجبني عن تدبّر هذا الكتاب؟
فعُدت أقرأ من الفاتحة للناس، فاستشعرت أن المانع الأكبر في حياة أي إنسان، الذي يمنعه من صحبة القرآن، هو: الكذب.
شعرت وكأن القرآن يقول لي: إن أردتَ صحبتي… فابدأ بالصدق.
خصوصًا أننا نعيش في بيئة تعتبر الكذب “شطارة”. فبدأت أعلّق آيات وأحاديث الصدق في بيتي، وأدعو الناس إلى الصدق، وأجاهد نفسي حتى أتخلّص من هذه الخصلة.
وضعت لنفسي طريقة عملية للتحرّر من الكذب، تمرّ بمراحل:
أن يستحضر الإنسان مواقف قديمة كذب فيها، خاصة لو كان يحلف مع الكذب يمينًا، فيندم ندمًا صادقًا، يستغفر، ويعزم أنه لو عاد الموقف أن يقول الحق. ومع الوقت نلاحظ أن المؤشرات الداخلية بدأت تعمل: مرة تمنعه من الحلف، ومرة توقفه بعد كلمتين كذب، ثم تسبقه قبل أن ينطق… حتى يصير طريقه هو طريق الصدق.
هنا فهم الشيخ أن القرآن لا يفتح خزائن أسراره إلا للصادقين وأهل الصدق، وأن الكذب يجعل صاحبه في زمرة من يُضَلّ بهم القرآن ولا يُهدَون به.
بعد إزالة هذا المانع والإجهاد للتخلّص منه، فتح القرآن للشيخ بابًا آخر: باب معالجة الشتات العقلي عبر القصص.
فقال: الجيل اليوم مُمزَّق بين الشاشات والفضائيات والهواتف، فيأتي التوجيه القرآني: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ﴾
فبدأتُ بسورة يوسف؛ وقرأتُها قراءة “متابعة كاملة” دون شرود، ولو كرّرتها مئة مرة. مع الوقت تولّدت عندي ملكة التركيز حتى المنتهى، ثم ظهرت أمامي ما أسميته بـ “الفجوات الإبداعية” التي يتركها القرآن ليُشرك عقلك في ملء المساحات بين الآيات.
فطبّقت المنهج نفسه على قصة زكريا عليه السلام في مواطنها الثلاثة، فخرجت بثلاث ملكات للتدبّر: المتابعة – الاستنباط – الجمع بين الآيات للوصول إلى الصورة المكتملة.
ثم سرتُ بهذا المنهج نفسه على موضوع الرزق، متنقّلًا بين الآيات التي تذكر الرزق من الأرض، والسماء، والسماء والأرض معًا، ثم من السماوات، ثم “رزقًا من لدنّا”… ليظهر أن الرزق ليس مجرد مال، بل اصطفاء في الطريقة التي يدبّر الله بها حياتك.
وتدرّجت الرحلة القرآنية معي إلى مراتب المتدينين: مسلم، مؤمن، متقٍ، محسن، برّ… من مجرد ترك الأذى، إلى حبّ الخير للغير، إلى العفو عمن ظلمك، إلى الإحسان إليه، ثم إلى إنفاق أحبّ ما تملك.
فتوقّفت عند قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وحدثت عندي إشكالية مع هذه الآية: كيف يكون القرآن هُدىً للمتقين فقط؟!
إذ بي أكتشف عند ربط الآيات ببعضها وتطبيق نفس المنهج السابق، فقرأت قوله تعالى في بقية الآيات: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾،
ثم ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُسْلِمِينَ﴾، ثم ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ ليتضح لي أن القرآن يرفعك درجة بعد درجة إن أقبلت عليه بصدقٍ وسؤالٍ وتدبّر.
ولا يغيب حدث غزة عن قراءة الشيخ رحمه الله؛ فيرى أن القرآن يكشف وجوه المجاهدين والصابرين، ووجوه الأعداء، ووجوه من ينفقون ليصدّوا عن سبيل الله… وأن غزة اليوم أصبحت مِعيارًا يَميز الله بها الخبيث من الطيّب في هذا العالم.
في ختام هذه التجربة القرآنية، يقرّر الشيخ محمد المقرمي قاعدة واضحة:
لا يكفي أن “نحب القرآن” أو “نقرأ للبركة”.
لا بد أن نُثبت أننا نريد صحبته: نُقبل على تلاوته، نترك الموانع التي يكشفها لنا، ونجاهد أنفسنا على الصدق والتوبة. عندها يبدأ القرآن في إعطائنا بصمة التميّز الخاصة بنا، ويجعل متعتنا الكبرى في صحبته.
هذه خلاصة تجربة ممتدة مع كتاب الله… تجربة يمكن أن يتحوّل معها القرآن من كتابٍ موضوعٍ على الرف، إلى قلبٍ يمشي بهُدى القرآن في الحياة.
أعلم أن المنشور طويل لكنه والله يستحق
رابط الأنفوجرافيك واللقاء في التعليقات
وبس خلاص
محمد قايد
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لجنة الشباب والطلبة البرج
مخيمات رحلات دورات تعليمية
10/08/2025
10/08/2025
Vous voulez que votre école soit école la plus cotée à Bordj Bou Arreridj ?
Cliquez ici pour réclamer votre Listage Commercial.
Cliquez ici pour réclamer votre Listage Commercial.
Emplacement
Site Web
Adresse
برج بوعريريج
Bordj Bou Arreridj
34000
Bordj Bou Arreridj
34000