08/08/2026
الاختلاف… فطرة الله في خلقه
عراس هرادة / 8/8/26
ما زلت من أشد المؤمنين بأن الفطرة السليمة التي فطر الله عليها المجتمعات هي الاختلاف.
فالمجتمع السليم ليس ذلك المجتمع الذي يتشابه أفراده في أفكارهم وعقائدهم وتوجهاتهم، وإنما هو المجتمع الذي يتسع لكل ذلك الاختلاف، ويعرف كيف يحوله من مصدر للصراع إلى مصدر للثراء والتطور.
هكذا خلقنا الله.
لا أحد منا يشبه الآخر تمامًا؛ نختلف في أفكارنا، وفي فهمنا للنصوص الدينية، وفي رؤيتنا للحياة، وفي توجهاتنا السياسية، بل نختلف حتى في عاداتنا اليومية وأذواقنا وألواننا وملامحنا.
ولو أخذنا بصمات أصابع البشر على هذه الأرض، فلن نجد بصمتين متطابقتين تمامًا، وكذلك بصمة العين. وكأن الاختلاف ليس حادثًا عرضيًا في تكوين الإنسان، وإنما هو جزء أصيل من هذا الخلق.
يقول الله تعالى في سورة هود
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ,إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ
فالاختلاف ليس عيبًا في البشرية حتى نحاول القضاء عليه، وليس مرضًا اجتماعيًا علينا استئصاله، وإنما هو من طبيعة الإنسان ومن سنن الاجتماع البشري.
نختلف لكي نفهم جميعًا الصورة من زوايا مختلفة.
نختلف لأن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها فرد أو جماعة.
نختلف لأن التجربة الإنسانية لا يمكن أن تختصر في عقل واحد، ولا في مدرسة واحدة، ولا في قراءة واحدة للنص، ولا في اتجاه سياسي أو فكري واحد.
.
هو الواحد الذي لا يشبهه شيء، أما ما سواه فمتغير ومختلف ومتعدد.
ولهذا فإن المجتمعات التي فهمت هذه القاعدة استطاعت أن تبني سلامها وازدهارها على أساس متين؛ لأنها أدركت أن قبول الآخر ليس تنازلًا عن القناعة، وإنما هو اعتراف بحقيقة وجوده.
أن أختلف معك لا يعني أنني أكرهك.
وأن أرفض فكرتك لا يعني أنني أرفض حقك في التفكير.
وأن فهمي لنصوص العقيدة مختلف عن فهمك لا يمنحني الحق في إلغاء وجودك.
وأن أتبنى توجهًا سياسيًا مختلفًا لا يجعلني عدوًا لك.
هنا تبدأ المجتمعات في النمو؛ عندما تصبح التعددية بيئة طبيعية، ويصبح الاختلاف وسيلة للنقاش والتصحيح والتطور، بدل أن يكون سببًا للتخوين والإقصاء والعداء.
أما المجتمعات التي يعتقد أفرادها وجماعاتها أنهم وحدهم على الحق، وأن كل من يخالفهم يجب أن يتغير أو يصمت أو يُقصى، فإنها تدخل دون أن تشعر في حرب قديمة ومتجددة:
.
وهذه الحرب لا تخوضها جماعة واحدة بالضرورة.
قد يخوضها المتدين حين يريد فرض فهمه للدين على الآخرين، وقد يخوضها العلماني حين يريد فرض تصوره للحياة على المجتمع، وقد يخوضها التقدمي أو الليبرالي أو الحداثي أو التروتسكي أو اللاديني، حين يتحول من صاحب فكرة إلى وصي على الناس، فيستخدم الضغط الاجتماعي أو التشهير أو التنمر أو حملات الإقصاء لإجبار الآخرين على التشبه به.
المشكلة ليست في الفكرة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الفكرة إلى وصاية، والقناعة إلى إكراه، والاختلاف إلى عداء.
وقد وضع القرآن قاعدة عظيمة في هذا الباب وفي سورة البقرة
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ
فحتى في أكثر القضايا اتصالًا بعلاقة الإنسان بربه، لا يقوم الإيمان الحقيقي على الإكراه.
وإذا كان الله قد ترك للإنسان مساحة الاختيار والابتلاء، فكيف يعتقد إنسان أنه يستطيع أن يصنع من المجتمع نسخة مطابقة له؟
إن المجتمع الذي يحاول أفراده تشكيل الآخرين على صورتهم، بدل أن يتعلموا العيش معهم رغم اختلافهم، إنما يزرع بذور الصراع في داخله.
ومع الوقت، تتحول الرغبة في توحيد الناس إلى إلغاء لهم، ويتحول الدفاع عن الفكرة إلى محاربة الإنسان، ويتحول الاختلاف الطبيعي إلى خصومة، ثم إلى كراهية، ثم إلى صراع اجتماعي قد لا يعرف أحد كيف بدأ.
وهنا تكمن المفارقة:
كل جماعة تحارب التعددية وهي تظن أنها تحمي المجتمع، قد تكون في الحقيقة تساهم في تفكيكه.
فالمجتمعات لا تنهار لأن الناس مختلفون، وإنما تنهار عندما يعجز المختلفون عن التعايش مع اختلافهم.
ولا تزدهر المجتمعات لأن أبناءها متشابهون، وإنما لأنها تعلمت كيف تجعل من اختلافهم قوة.
التعددية ليست فوضى.
والاختلاف ليس انقسامًا.
والقبول بالآخر ليس ضعفًا.
إنها شروط أساسية لمجتمع حي قادر على التجدد.
فالمجتمع الذي يسمح بتعدد الأفكار ينتج أفكارًا جديدة، والمجتمع الذي يسمح بتعدد القراءات يكتشف أخطاءه، والمجتمع الذي يسمح بتعدد الاتجاهات السياسية يجد دائمًا من يراقب السلطة وينتقدها ويقترح بدائل لها.
أما المجتمع الذي يريد الجميع فيه أن يفكروا بالطريقة نفسها، ويتحدثوا بالطريقة نفسها، ويؤمنوا بالطريقة نفسها، فإنه قد يبدو متماسكًا من الخارج، لكنه في الحقيقة مجتمع هش؛ لأن أول اختلاف حقيقي سيكشف حجم القمع الذي كان يخفي هشاشته.
الله واحد، وما سواه مختلف.
الله ثابت، وما سواه متغير.
والبشرية لم تُخلق لتكون نسخة واحدة، وإنما خُلقت شعوبًا وقبائل وأممًا وأفرادًا، لكل منهم تجربته ورؤيته واختياراته.
لذلك، فإن قبول الاختلاف ليس مجرد فضيلة اجتماعية، بل هو احترام للفطرة التي خلق الله الناس عليها.
نختلف لنفهم، لا لنلغي.
نختلف لنتكامل، لا لنتقاتل.
نتعدد لأننا بشر.
أما الأحادية، فهي حكر على الواحد الأحد الفرد الصمد .