08/08/2026
…
تهنئة من الأكاديمية العربية المفتوحة بالدنمارك في عيد ميلاد الأكاديمي العريق البروفيسور صباح قاسم الإمام. 🙏
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
ليست أعمار الرجال بما مضى من السنين، ولا بما تقلب من صفحات التقويم، وإنما بما تركوه في دروب الحياة من أثر، وما غرسوه في قلوب الآخرين من مودة، وما أضافوه إلى العلم من معرفة، وإلى المؤسسات من عطاء، وإلى الصداقة من وفاء.
وثمة رجال تمر بهم السنون فتزيدهم حضوراً، لأن العمر عندهم لا يُقاس بعدد الأيام، بل بما امتلأت به تلك الأيام من عمل ومواقف وإنجازات وذكريات.
وفي عيد ميلاد أخي وصديقي وزميلي العزيز، الأكاديمي العريق البروفيسور صباح قاسم الإمامي، أبي الحارث، وجدتني أعود بذاكرتي إلى أكثر من عشرين عاماً مضت، منذ أن جمعتنا رحاب الأكاديمية، ووضعتنا الأيام في دروب متقاربة من العمل والمسؤولية والزمالة.
عشرون عاماً وأكثر…
وما أسرع الأعوام حين ننظر إليها من ضفة الذكريات!
غير أنها حين تكون صحبةً طويلة بين رجلين، فإنها لا تعود مجرد أرقام، بل تصبح تاريخاً صغيراً من المواقف، وأحاديث لا تُنسى، وأيام عمل طويلة، ونجاحات وتحديات، واختلافات ربما مرّت ثم انقضت، وبقي فوقها جميعاً ذلك الشيء النادر الذي لا تصنعه المناصب ولا تمنحه الألقاب: الاحترام والوفاء.
عرفتُ البروفيسور صباح قاسم الإمامي أستاذاً قبل أن أعرفه مسؤولاً، وعرفت فيه الإنسان قبل أن أعرف فيه صاحب الموقع والمنصب.
وكان في الحالين جديراً بالاحترام.
كان أستاذاً يدرك أن الجامعة ليست بنايةً ومكاتب وقاعات فحسب، وأن الأستاذية ليست لقباً يسبق الاسم، بل رسالة ومسؤولية وضمير. فالعلم عند الرجال الكبار موقف قبل أن يكون معرفة، والأستاذ الحقيقي هو من يترك في تلامذته وزملائه ومؤسسته شيئاً منه يبقى بعد أن تنتهي المحاضرات وتُطوى الملفات وتتغير المواقع.
وهكذا كان أبو الحارث.
أستاذاً ملتزماً، وعالماً جليلاً، وزميلاً يحمل للمؤسسة التي يعمل فيها إحساساً عالياً بالمسؤولية والانتماء.
وقد كُلّف خلال مسيرته الأكاديمية بالعديد من المهام والمواقع القيادية، وهي مواقع تختبر الرجال أكثر مما تزيّن أسماءهم؛ لأن المسؤولية لا تمنح صاحبها قيمة من ذاتها، وإنما تكشف ما لديه من قدرة على أن يكون بمستوى الأمانة التي وُضعت بين يديه.
وفي كل موقع تولاه، كان البروفيسور صباح بارزاً في أدائه، ملتزماً في عمله، حريصاً على واجبه، مبدعاً في حدود ما تسمح به الظروف والإمكانات، مؤمناً بأن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريفاً.
لكن أجمل ما يبقى في ذاكرة الإنسان عن زملائه، بعد أن تنتهي المواقع وتصبح المناصب جزءاً من الماضي، ليس أسماء الوظائف التي شغلوها، وإنما الإنسان الذي بقي وراء كل تلك الألقاب.
وهنا أتحدث عن صباح الذي عرفته أنا…
عن أبي الحارث الصديق والزميل والإنسان.
فالمرء قد يلتقي في حياته عشرات الزملاء، وربما المئات، لكنه لا يحتفظ منهم في ذاكرته وقلبه إلا بالقليل. هناك من تجمعنا بهم ظروف العمل ثم نفترق بانتهاء تلك الظروف، وهناك من يدخلون حياتنا زملاء ثم تمنحهم الأيام منزلة الأصدقاء، وحين تطول الصحبة ويثبت الود أمام امتحانات الزمن، يصبحون جزءاً من سيرتنا الشخصية.
وأحسب أن أكثر من عشرين عاماً من الزمالة والصداقة تمنحني الحق في أن أقول عن أبي الحارث ما عرفته فيه عن قرب:
كان خير زميل، وأنبل صديق.
والنبل كلمة كبيرة، لا أحب أن أمنحها جزافاً.
إنه ذلك الخُلُق الذي يظهر في الموقف، وفي حفظ الود، وفي احترام العِشرة، وفي أن يبقى الإنسان وفياً لأصحابه حين تتغير الظروف، وأميناً على سنوات الصحبة حين تتبدل المواقع وتتباعد الطرق.
لقد علمتنا الحياة الجامعية الطويلة أن الشهادات تصنع متخصصين، وأن البحوث تصنع علماء، وأن المواقع قد تصنع مسؤولين، لكن الأخلاق وحدها هي التي تصنع الإنسان الذي نتذكره بمحبة.
وما أجمل أن يجتمع العلم والأخلاق في رجل واحد.
واليوم، ونحن نحتفي بعيد ميلاد البروفيسور صباح قاسم الإمامي، فإنني لا أكتب تهنئة تقليدية لصديق في يوم ميلاده، بقدر ما أكتب شهادة وفاء لسنوات طويلة من الصحبة الأكاديمية والإنسانية.
ففي أعمارنا مرحلة يصبح فيها عيد الميلاد أكثر من شمعة جديدة تضاف إلى شموع العمر. يصبح مناسبة ننظر فيها إلى الطريق الذي قطعناه، وإلى الوجوه التي رافقتنا، وإلى ما زرعناه في هذه الدنيا من أثر.
وما أجمل أن يلتفت الإنسان خلفه فيجد علماً قد نشره، وطلبةً قد علّمهم، وزملاء قد حفظوا له الود، ومؤسسات شهدت له بالعطاء، وأصدقاء يقولون له بعد عقود من الصحبة:
كنتَ نعم الزميل ونعم الصديق.
أخي العزيز أبا الحارث…
في عيد ميلادك، قد تعجز الكلمات عن حمل ما نريد قوله، لأن بعض العلاقات الإنسانية تصبح مع امتداد الزمن أكبر من العبارات.
ولكنها مناسبة أجد فيها لزاماً عليّ أن أنقل إليك، باسمي شخصياً وباسم زملائك ومحبيك، أصدق التهاني وأطيب الأمنيات، مقرونة بدعاء صادق من القلب أن يحفظك الله، ويمد في عمرك، ويمتعك بالصحة والعافية وراحة البال.
أسأل الله أن تكون الأعوام المقبلة أجمل وأهدأ، وأن يمنحك من العمر ما تراه فيه ثمرة ما زرعت، وأن تبقى محاطاً بأهلك وأحبتك وأصدقائك وطلبتك وكل من عرف لك فضلك ومكانتك.
فالإنسان، في نهاية المطاف، لا يحمل معه من رحلة العمر إلا الأثر الطيب.
ولا شيء أبقى من كلمة خير يقولها عنا إنسان عرفنا عن قرب، ولا أجمل من أن يكون للمرء في قلوب الآخرين مكان لا تستطيع السنوات أن تمحوه.
لقد مضى من صحبتنا أكثر من عشرين عاماً، تبدلت خلالها أشياء كثيرة، وتغيرت وجوه ومواقع وظروف، لكن بقي شيء واحد أراه أثمن من كل ما مضى:
بقي الود.
وذلك، في تقديري، من أجمل انتصارات الإنسان على الزمن.
فكل شيء في الحياة قابل للتغير؛ المناصب تزول، والألقاب تصبح سطوراً في السيرة الذاتية، وضجيج الأيام يهدأ، لكن الموقف النبيل يبقى، والكلمة الطيبة تبقى، واليد التي امتدت في وقت الحاجة تبقى، والصديق الذي حفظ العِشرة يبقى.
ولهذا فإنني، وأنا أكتب إليك اليوم، لا أعدّ سنوات العمر التي مضت، بل أعدّ ما بقي منها في الذاكرة من مودة واحترام ووفاء.
أبا الحارث…
كل عام وأنت ذلك الصديق الذي لم تغيّره الأيام.
كل عام وأنت الأستاذ الذي أعطى للجامعة من علمه وجهده ووقته.
كل عام وأنت الزميل الذي نحفظ له مكانته ونعتز بصحبته.
وكل عام وأنت بين أهلك وأبنائك وأحبتك وزملائك وطلبتك، تنظر إلى سنوات العمر لا بوصفها زمناً مضى، وإنما بوصفها صفحات من سيرة تستحق الاعتزاز.
وفي يوم ميلادك لا أملك أجمل من الدعاء:
أطال الله في عمرك، وألبسك ثوب الصحة والعافية، وأدام عليك صفاء القلب وراحة النفس، وبارك لك فيما بقي من العمر، وجعله أجمل مما مضى، وأبقاك ذخراً لأهلك ومحبيك وأصدقائك.
أما أنا، وبعد أكثر من عقدين من المعرفة والزمالة والصداقة، فأقولها لك كما أشعر بها، بعيداً عن لغة الألقاب والمناصب:
شكراً للسنوات التي جمعتنا يا أبا الحارث.
وشكراً لكل موقف جميل بقي في الذاكرة.
وشكراً لذلك الود الذي عبر بنا أكثر من عشرين عاماً وما زال حياً كما بدأ.
فالرجال الكبار لا نحتفي بأعمارهم لأن عاماً جديداً أضيف إليها، بل لأن كل عام من أعمارهم أضاف شيئاً إلى حياة الآخرين.
وذلك هو العمر الذي يستحق أن نحتفل به.
كل عام وأنت بخير، أيها الصديق العزيز والأستاذ الجليل.
وكل عام وأنت أكثر حضوراً في قلوب من أحبوك وعرفوك.
والعمر المديد، والصحة الدائمة، والعطاء الذي لا ينضب بإذن الله..