10/05/2026
আলহামদুলিল্লাহ, জামিয়াতুল মানহালের সিনিয়র মুহাদ্দিস ও আরবি কথাসাহিত্যিক শায়খ নাজিবুল্লাহ সিদ্দিকী দা. বা.এর একটি রোজনামচা।
سُلَيْمَان: نُبُوغٌ طَوَاهُ الغِيَاب
بِقَلَمِ: نَجِيبِ اللهِ الصِّدِّيقي
تَحْرِيراً: ٢١ ذُو القَعْدَةِ ١٤٤٧هـ - ٩ مَايُو ٢٠٢٦م
عِشَاءَ يَوْمِ الأَحَدِ بِالْمَنْهَلِ
حِينَمَا كُنْتُ أَدْرُسُ فِي جَامِعَةِ دَارِ الأَرْقَمِ الإِسْلَامِيَّةِ، "بْرَهْمَنْ بَارْيَا"، كَانَ لَنَا زَمِيلٌ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ، بَيْتُهُ كَانَ فِي القَرْيَةِ المُجَاوِرَةِ لِلْجَامِعَةِ، قَبْلَ الِالْتِحَاقِ بِهَا كَانَ يَدْرُسُ فِي المَدْرَسَةِ الحُكُومِيَّةِ، لَعَلَّهُ حَصَلَ عَلَى شَهَادَةِ الثَّانَوِيَّةِ -حَسْبَمَا أَذْكُرُ الآنَ- وَفِي أَثْنَاءِ دِرَاسَتِهِ فِيهَا تَغَيَّرَ بِالكُلِّيَّةِ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ فِي رِحْلَةٍ دَعْوِيَّةٍ لِمُدَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْماً، فَتَرَكَ المَدْرَسَةَ الحُكُومِيَّةَ وَانْتَقَلَ إِلَى المَدْرَسَةِ الأَهْلِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، بَدَأَ أَوَّلاً بِتَصْحِيحِ تِلَاوَةِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى حِفْظِهِ، وَبِمَشِيئَةِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ أَكْمَلَ حِفْظَهُ فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ وَأَتْقَنَهُ.
فَلَمَّا الْتَحَقَ بِالأَقْسَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَاقَ أَقْرَانَهُ وَزُمَلَاءَهُ، كَانَ خَطُّهُ بِالبَنْغَالِيَّةِ وَالْإِنْكِلِيزِيَّةِ وَالعَرَبِيَّةِ جَمِيلاً وَسَرِيعاً، كَانَ يَتَمَتَّعُ بِذَاكِرَةٍ قَوِيَّةٍ وَفَهْمٍ سَرِيعٍ، وَكَانَتِ المَوَادُّ العَصْرِيَّةُ عِنْدَهُ سَهْلَةً، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى صَرْفِ وَقْتٍ كَثِيرٍ فِي هَذِهِ المَوَادِّ، إِذْ كَانَ فِي المَدْرَسَةِ الحُكُومِيَّةِ أَيْضاً بَارِزاً وَمُتَمَيِّزاً، فَيَصْرِفُ هَذِهِ الحِصَصَ فِي مُرَاجَعَةِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، كَانَ لَهُ وِرْدٌ يَوْمِيٌّ لِلتِّلَاوَةِ وَالمُرَاجَعَةِ، لَمْ أَرَهُ تَرَكَ المُرَاجَعَةَ قَطُّ.
كَانَ أَخُونَا سُلَيْمَانُ شَابّاً يَافِعاً، قَصِيرَ القَامَةِ، أَسْمَرَ اللَّوْنِ، خَفِيفَ اللِّحْيَةِ، نَحِيفَ الجِسْمِ، وَفِي إِحْدَى عَيْنَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الحَوَلِ، حُلْوَ البَسْمَةِ، كَثِيرَ الصَّمْتِ، فَكِهَ الحَدِيثِ، وَقُوراً وَمُتَّزِناً، مُتَوَاضِعاً، رَقِيقَ الطَّبْعِ، سَرِيعَ المَشْيِ، أَنِيقاً وَنَظِيفاً.
لَمَّا ارْتَقَى إِلَى الصُّفُوفِ العُلْيَا، ازْدَادَتْ جُهُودُهُ وَمُثَابَرَتُهُ، فَكَانَ يَأْكُلُ وَيَبِيتُ فِي البَيْتِ عَكْسَ الطُّلَّابِ الآخَرِينَ لِقُرْبِ بَيْتِهِ وَمُشْكِلَةِ عَائِلَتِهِ المُتَنَوِّعَةِ، لَقَدْ تُوُفِّيَ وَالِدُهُ مُنْذُ زَمَانٍ، فَوَقَعَ عَلَى عَاتِقِهِ عِبْءُ العَائِلَةِ بِصِفَتِهِ الوَلَدَ الأَكْبَرَ، عَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ كَانَتْ إِحْدَى أَخَوَاتِهِ مَرِيضَةً مَرَضاً شَدِيداً مِنَ المَسِّ، كَانَتْ حَالَتُهَا صَعْبَةً، تُؤَرِّقُهُ وَتُقْلِقُهُ دَائِمًا، لَمْ يَسْتَطِعْ يَوْمًا أَنْ يَنَامَ قَرِيرَ العَيْنِ، فَقَدْ حَكَاهُ لِي هَذَا يَوْمًا...
وَفِي أَثْنَاءِ الدِّرَاسَةِ انْشَغَلَ بِبَعْضِ الأَعْمَالِ لِكَسْبِ مَعِيشَةِ الأُسْرَةِ، لِأَنَّهُ المُعِيلُ الوَحِيدُ لَهَا، عَمِلَ مُعَلِّماً فِي التَّحْفِيظِ، وَمُوَظَّفاً فِي مَحَطَّةِ التَّعْبِئَةِ حِيناً آخَرَ، وَفِي خِلَالِ قِيَامِهِ بِهَذِهِ الوَظَائِفِ تَوَقَّفَ عَنْ مُوَاصَلَةِ الدِّرَاسَةِ، ثُمَّ لَمَّا اشْتَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى المَدْرَسَةِ وَطَلَبِ العِلْمِ، عَادَ مَرَّةً أُخْرَى لِيُوَاصِلَ أَعْمَالَ وَأَحْلَامَ حَيَاتِهِ، وَرَغْمَ هَذِهِ الفَتَرَاتِ فِي الدِّرَاسَةِ لَمْ تَنْطَفِئْ مَوْهِبَتُهُ النُّبُوغِيَّةُ، فَكَانَ يَفُوقُ أَقْرَانَهُ حَسَبَ ذَكَائِهِ المَوْهُوبِ المَعْهُودِ...
هَكَذَا قَضَى أَخُونَا الحَبِيبُ سُلَيْمَانُ حَيَاتَهُ فِي جَهْدٍ وَدَأَبٍ وَمُثَابَرَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ المَلَلَ وَالكَلَلَ، وَلَا يُتْعِبُهُ الفُتُورُ، وَلَا تَعُوقُهُ المَشَاكِلُ العَائِلِيَّةُ، بَلْ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ مَهْمَا كَانَتِ الظُّرُوفُ وَالمَوَاقِفُ، وَفِي خِضَمِّ المَشَاكِلِ تَخَرَّجَ فِي مَرْحَلَةِ تَكْمِيلِ الحَدِيثِ مَعَنَا، ثُمَّ انْخَرَطَ فِي سِلْكِ التَّدْرِيسِ...
تَفَرَّقَ الجَمِيعُ، وَكُلٌّ أَخَذَ طَرِيقَهُ، هَذَا يُدَرِّسُ، وَهَذَا يُتَاجِرُ، وَآخَرُ اخْتَارَ الغُرْبَةَ، وَآخَرُ وَاصَلَ طَلَبَهُ لِلْعِلْمِ حَسَبَ ذَوْقِهِ وَمُيُولِهِ... بِالجُمْلَةِ كَانَ الجَمِيعُ قَدِ اخْتَارَ طَرِيقَهُ كَمَا قَدَّرَ اللهُ لَهُ، فَكَذَلِكَ أَخُونَا الحَبِيبُ الغَالِي سُلَيْمَانُ اخْتَارَ الوَظِيفَةَ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا تَوَاصُلٌ إِلَّا النَّادِرُ لِبَعْضِ إِخْوَانِنَا، حَتَّى الآنَ -لِلْأَسَفِ- لَا أَعْلَمُ إِطْلَاقاً عَنْ أَحْوَالِ بَعْضِ إِخْوَانِي، هَلْ مَا زَالُوا عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ أَمْ رَحَلُوا إِلَى ذِمَّةِ اللهِ!
فَمِثْلُ هَذَا حَدَثَ مَعِي فِي أَمْرِ أَخِينَا سُلَيْمَانَ، تُوُفِّيَ يَوْماً وَنَحْنُ مُنْقَطِعُونَ عَنْ بَعْضِنَا البَعْضِ -رُبَّمَا بِجَلْطَةٍ قَلْبِيَّةٍ-، ثُمَّ وَصَلَنِي الخَبَرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ غَيْرِ قَلِيلَةٍ... فَحِينَئِذٍ تَأَسَّفْتُ كَثِيراً، وَدَعَوْتُ اللهَ لَهُ، كَمَا تَذَكَّرْتُ أَنَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا هَكَذَا، تَعِيشُ مَعَ أَحْبَابِكَ، وَتَقْضِي أَغْلَى مَرَاحِلِ حَيَاتِكَ، وَلَكِنْ حِينَمَا يَأْتِي أَجَلُكَ، رُبَّمَا لَا يَعْلَمُ عَنْكَ إِلَّا عَدَدٌ قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ، فَتَرْحَلُ إِلَى جِوَارِ رَبِّكَ. فَلَوْ تَزَوَّدْتَ لِآخِرَتِكَ شَيْئاً فَغَنِمْتَ، وَأَمَّا لَوْ أَهْمَلْتَ الآخِرَةَ وَلَمْ تُقَدِّمْ لَهَا شَيْئاً، بَلْ عَمِلْتَ مَا عَمِلْتَ لِدُنْيَاكَ الفَانِيَةِ، فَخِبْتَ وَخَسِرْتَ -وَالعِيَاذُ بِاللهِ!
وَفِي الخِتَامِ، كَانَ أَخُونَا الفَقِيدُ سُلَيْمَانُ (رَحِمَهُ اللهُ، وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّاتِهِ، وَجَعَلَ قَبْرَهُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ) عِبْرَةً حَيَّةً لِأَمْثَالِنَا، وَيَكُونُ مِثَالاً خَالِداً لَنَا فِي النِّضَالِ وَالجُهْدِ وَالمُثَابَرَةِ، وَالتَّزَوُّدِ لِلآخِرَةِ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ، وَلَا يَأْتِي أَجَلُنَا إِلَّا وَنَحْنُ مُسْتَعِدُّونَ لَهُ، وَلَا يُبَاغِتُنَا وَنَحْنُ غَافِلُونَ عَنْهُ، وَمُسْتَغْرِقُونَ بِالكُلِّيَّةِ فِي سَفَاسِفِ الدُّنْيَا وَتُرَّهَاتِهَا.
اللَّهُمَّ اخْتِمْ لَنَا بِصَالِحِ الأَعْمَالِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَشْتَاقُ لِرُؤْيَتِكَ، وَيَتُوقُ لِلِقَائِكَ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يُحِبُّ لِقَاءَكَ وَتُحِبُّ لِقَاءَهُ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ بِفَضْلِكَ يَا ذَا الفَضْلِ العَظِيمِ.