13/11/2025
#الصبر في طلب الأثر #
يا صاحِ، إنّ من الناس رجالًا خُلقوا لخدمة العلم، وسُقوا من الصبر على وعوره حتى صار الصبر فيهم سجيةً لا تكلّ، وعزيمةً لا تملّ، فإذا دعَتهم المقاصدُ إلى شظفٍ أو سفرٍ، أجابوا بسمعِ الموقن وطاعةِ المخلص، لا يلتفتون إلى نَصَبٍ ولا وَعْثاء.
ومن أولئك الأفذاذ شيخٌ جمع الله له بين دقّة الفهم وجلالة الهمّة، بين رصانة العلماء وحياء الأدباء، ألا وهو الدكتور محمد سمب باه، نادرةُ الزمان، وغُرّةُ أهل البيان، أدام الله توفيقه وأجزل تمليقه.
تلقّى فنون العربية والفقه واللغة والقراءات، فحفظ منها أصولًا وأغصانًا، وارتشف من معارفها ما أنبتَ فكرًا ناضرًا ولسانًا فصيحًا. حتى استبدّ به الشوق إلى إرث الأجداد، فصار التراث عنده محبوبًا لا يُفارق، ومطلوبًا لا يُعانق إلا بالكدّ والسعي.
رأيته — وأنا من مرافقيه في بعض رحلاته — يطوي الفيافي لا يهاب وحشةً، ويقارع الصعاب لا يكلّ عزيمةً؛ يطرق أبواب البوادي طلبًا لرقٍّ بالٍ فيه أثرُ عالمٍ خامل الذكر، أو مخطوطٍ غاب عنه الزمانُ وما غابت عنه العناية.
فإذا قابله القومُ بالامتناع، لجأ إلى لطف القول، حتى يُليّنَ صخورَ قلوبِهم، ويستخرج من بين أيديهم ما فيه كنزُ أمّةٍ غافلة.
ولقد رأيتُه بين الغبار والقيظ، يكتب وينقّب، كأنّه عازفٌ على أوتار الورق، يستنطق حروفًا نائمةً منذ قرون.
فقلتُ: هذا رجلٌ لو عاش في عهد أسلافنا، لكان من رواحل المحققين، يُحيي بالتحقيق مواتَ الكتب، ويبعثُ من رمادِ النسيانِ نارَ الوعي.
ومن شكر العلم أن يُذكَرَ حاملوه، ومن وفاءِ التلميذِ أن يُخلِّدَ أستاذَه بالشعر، فكانت هذه القصيدةُ ثمرةَ المحبّةِ والعرفان، ووسامًا على صدرِ من جمع بين العلمِ والعمل، وبين التراثِ والتحقيق، وبين الفكرِ والخلق.
فهي هدية إلى شيخٍ ما ملَّ من السعي، ولا ركن إلى الدعة، بل جعل من خدمته للتراث عبادةً، ومن صبره في الطلب مقامًا من مقامات الإخلاص.
فجزاه الله عنا خير الجزاء
12/11/2025